ما هو الفساد وگيف يمگن علاجه؟

يحيى المصري    للفساد تعريفات عديدة، دولية ومحلية وسياسية واجتماعية وغير ذلك، وفي تصوري ان الفساد هو حصول الشخص علي أكثر من حقه الطبيعي، وبالتالي تدخل فيه الرشوة لتسهيل عمل...

يحيى المصري

للفساد تعريفات عديدة، دولية ومحلية وسياسية واجتماعية وغير ذلك، وفي تصوري ان الفساد هو حصول الشخص علي أكثر من حقه الطبيعي، وبالتالي تدخل فيه الرشوة لتسهيل عمل معين، والوساطة للحصول علي وظيفة معينة وعلي راتب يزيد علي قدراته وامكانياته وجهوده، وشغل منصب لا يستحقه مهما كان حتي بالنسبة للوزراء ورؤساء الوزارات وتمتد الي رؤساء الجمهورية ورؤساء الدول.

كما يدخل في الفساد عدم القيام بالواجبات والالتزامات التي يفرضها العمل الذي يقوم به الشخص الطبيعي أو المعنوي، والتي يظهر من خلالها ما يسمونها البيروقراطية التي تعطل الاعمال لطول الاجراءات، والتخلف العلمي وعدم الاجتهاد لتطوير العمل وتحسين الاداء، وعدم مساعدة الغير علي القيام بدوره الايجابي المطلوب في المجتمع، وعدم الالتزام بالمواعيد الرسمية سواء المرتبط بها مع جهة العمل التي ينتمي اليها او المرتبط بها مع نفسه طالما كان يعمل في مشروع خاص به وهناك عملاء يتعاملون معه، وقد يمتد الفساد ايضا في تعريفه الي الامراض الاجتماعية التي يعاني منها المجتمع كالنفاق والخبث والحسد طالما ترتبت عليها احداث او تحركات غير سوية.

ويدخل في الفساد ايضا الغش بأنواعه المختلفة، الغش في انتاج السلع وبيعها بأعلي من سعرها الحقيقي، والغش في الامتحانات بقصد النجاح دون مؤهلاته ودون امكانياته، والغش في الكلام الذي يقصد منه الاقناع والايهام بصحة امور ليست حقيقية للوصول الي هدف معين بالنسبة للمتكلم قد يستفيد منه طالما ظهر به او نشره بين الغير، والغش في الدعاية للترويج المبنية علي باطل، اي علي وقائع مزيفة واخفاء الوقائع الحقيقية والغش في الخطاب الديني المبني علي احاديث للانبياء والائمة غير المؤيدة وغير المؤكدة، مما يؤدي الي توجهات خاطئة للمجتمع واستمرار التخلف.

ويأتي الفساد عادة من النفس البشرية الامارة التي لا تستحي شيئا ولا يهمها غير نفسها وتلجأ الي الخطأ، وهي تعلمه وتبرره بمفاهيم غير صحيحة، وللإنصاف فإنها قد تجهله، بينما لا تبحث عن الحقيقة وتدافع عن نفسها من أرضية عارية لا أساس لها ولا قرار، وتظل تدافع عن نفسها متخفية وراء عدم وجود مواد قانونية محددة او سلوكية او اجتماعية تظهر امام الغير.

وتلك بعض صور الفساد، وليست كلها، فكيف يمكن علاجه ووقف انتشاره؟ لقد عرضت الاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد بعض الجوانب في معالجة الفساد، وطالبت حكومات الدول الاعضاء بتنفيذها، غير ان بعض الدول لم توقع عليها حتي الآن ومن بينها مصر، ولا اعرف السبب الحقيقي لعدم التوقيع، واعتقد ان ذلك لن يتأخر كثيرا، وان كانت الاتفاقية لا تراعي الظروف المحلية في بعض الدول ولا تعرض الاسباب التي تؤدي وتقود إلي الفساد.

ومع ذلك فإن الفساد ينتشر ويتسع في جميع دول العالم، خاصة في الدول الفقيرة التي تنضب مواردها وليست لديها ادارة صالحة وامينة تتحكم في هذه الموارد وتقود المجتمع نحو عدالة التوزيع بين جميع طبقات السكان، وبحيث يقوم كل فرد بدوره الايجابي كمواطن صالح ومؤمن وليس كمتطرف وارهابي تحركه عوامل الفساد ويخضع لها من اجل الحصولع علي قوته وقوت اولاده، وهو ما يتعين علي الدول الغنية ان تراعيه طالما ارادت محاربة الارهاب بطرق عملية وليس بالحروب والسلاح وتقديم المنح والمعونات النقدية للدول الفقيرة، فإن المطلوب هو المساهمة بخبراء فنيين للمعاونة في تدريب الشعوب الفقيرة وتوعيتهم علي الاداء الانتاجي الجيد الذي يغنيهم عن الفساد وعن الاساليب الملتوية التي لا تضرهم فقط لكن تضر الدول المتقدمة ايضا، بل تضر العالم بالكامل في وقت تنخفض فيه الموارد وتزداد الازمات المالية العالمية.

والي ان يتم التوصل الي مجتمع يتوقف فيه الفساد ويقل تدريجيا وتجبه القيم والمبادئ الدينية والاجتماعية السليمة بين جميع فئات وطبقات العالم الحاكمة والمحكومة، فإنه من المهم ان يراعي في مسيرة محاربة الفساد ما يلي:

اولا: تنقية القوانين والقرارات التي تحكم الحياة الاقتصادية والاجتماعية وسلوكيات الافراد، مع تحديد الثواب، والعقاب للمخالفين، وهو ما لا يمكن ان يتحقق إلا عن طريق نخبة امينة من الذين يصنعون القوانين ويعرفون كيف يتم تنفيذها بالكامل ودون لبس او جهل او تجاهل، وعلي ان تساندهم نخبة امينة ايضا من ممثلي مختلف القطاعات في الدولة لإعداد الدراسات اللازمة في ضوء الاحداث والقضايا والتجارب الاقتصادية والاجتماعية السابقة، وعلي ان يتم تشكيل مجموعة خبراء لهذا الغرض علي اعلي المستويات.

ثانيا: الاهتمام بالرقابة الحكومية والمهنية وذلك بدعم الهيئات الرسمية وفي مقدمتها الجهاز المركزي للمحاسبات الذي يتعين احترام توصياته وتنفيذها، وكذلك تشجيع الجمعيات والهيئات المدنية ومن بينها اجهزة حماية المستهلكين التي يتعين امتدادها الي كل صغيرة وكبيرة في المجتمع، وذلك في ضوء خطة لمتابعة المخالفين والضالين والمخطئين، ومحاولة تغيير توجهاتهم ليس بالعقوبات الردعية فقط ولكن بالمعاونة في اقرار انظمة جديدة وحوافز كافية تساعد علي معيشة كل منهم حياة كريمة صالحة تبعدهم عن اللجوء الي اساليب ووسائل غير مشروعة.

هذه رؤية نقدية عن ماهية الفساد وعن كيفية معالجته، أتوجه بها الي كل المواطنين والي جميع أجهزة الدولة الرسمية والخاصة وأقول لها إنه كلما انخفض الفساد ازدهر الاقتصاد وزادت الدخول الحقيقية وتحسنت مستويات المعيشة وعاش المجتمع في سلام وامان، ونصيحتي لكل فرد ان يعطي بقدر ما يأخذ.. لا أكثر ولا أقل.

والله ولي التوفيق،،