الإيمان والدافع الإيماني ودور العقل

رجائي عطية    يجب ألا ننسي أن عواطفنا ـ حتي الآن ـ تعيش أكثر ما تعيش علي ميلنا الذي يكاد يكون فطريا إلي الإيمان المريح، وهو دائما مبني علي الاعتقادات...

رجائي عطية

يجب ألا ننسي أن عواطفنا ـ حتي الآن ـ تعيش أكثر ما تعيش علي ميلنا الذي يكاد يكون فطريا إلي الإيمان المريح، وهو دائما مبني علي الاعتقادات ووجهات نظر دينية أو أخلاقية أو سياسية أو علمية أو اجتماعية أو أسرية.

وهذا الإيمان بشيءٍ ما لا تخلو منه نفس بشرية، والذي يصعب علي كل منا تركه، يعطينا راحة التسليم والكف عن الانشغال والقلق لأمر من أمورنا موجودٍ فعلا أو توهما. وهذه الراحة تساوي عندنا وتزيد علي العناء الذي نكابده في استمرار البحث والتحقيق والتمحيص العقلي.. فهو من هذه الزاوية ينقذنا من حيرة العقل وشكوكه وتمرده علي الغيب الذي يجتاحنا.. وهو أيضا سهل الانتشار واجتذاب المرافقين والأنصار والأتباع، وتوفير المحيط أو البيئة التي تفسح لنا مجال الحركة الميسرة الموالية والمواتية، ويعطينا فرصاً طيبة للإنشاء والبناء إنْ أردنا ذلك بعزم.. كما قد يعطينا فرصاً متسعة للهدم والتخريب والتدمير في تيارات الأحقاد والعداوات والفتن التي تجري وتشتد في محيطنا !!

وللإيمان دوره في وجود الحضارة الحالية كما كان له دوره في كل حضارة سابقة وللاعتقاد في العقائد الملبوسة دور في الفتن والقلاقل والحروب في قرننا الحالي والقـرن الماضي، كما كان في كل القرون السابقة.. لأننا بالغين ما بلغنا من المعرفة والفهم والتطور والرقي، لم نتخل عن الانصياع للعواطف والانزلاق في تياراتها إيجابا وسلبا !

ويدين تقدمنا وترقينا وتطورنا بالكثير للإيمان الصادق الصحيح الذي يدفعنا إلي المثابرة والإصرار علي العمل والإتقان، والرضا ببذل الجهود وأحيانا بالمخاطرة بالحياة نفسها وببذلها.

فالإصرار والمثابرة علي العمل الجاد فيهما دائما ووراءهما، دافع إيماني بشيء قد لا نعيه، لكنه موجود وباق يؤدي مهمته في صمت وبلا ضجيج. قد نفخر بنتائج أعمالنا وبما كلفتنا من عناء ومشقة، لكن لا نتذكر القوة الداخلية الدافعة وراء رضانا بهذه المكاره. هذه القوة الدافقة هي إيماننا العميق بشيء معين اعتنقناه وأطعناه بلا أي تردد أو مناقشة.

وتصعيد الإيمان بهذا الشيء المعين، إن جاز التعبير، إلي الخالق ـ جل وعلا ـ خطوة ترقٍّ.. ليس فقط في إنجاز هذا أو ذاك من أعمالنا، وإنما في غاياتنا وأغراضنا ومقاصدنا من تلك الأعمال، وفي ألا يشذ من أغراضنا ومقاصدنا هذه غرضُ أو مقصد إلي شر خاص أو عام نندم من أجله علي ما أتيناه ونفذناه أو شرعنا في تنفيذه في سبيله !

وتعلقنا بالقيم العامة التي لا تخلو من ذكرها مناسبة، وهي قيم بشرية أكثر بكثير من حيث العدد والأهمية من تعلق آبائنا وأجدادنا الذين لم يعرفوا الكثير منها.. وهذا التعلق ضرب من الإيمان، يحفزنا ويقود كلا منا في موقفٍ ما إلي موقف معين أو تصرف من التصرفات، وذلك دون أن نعرف بالدقة ما هي فحوي هذه القيمة، مكتفين بأن نعرف مفهومها العام وإن كان غامضا مبهما غير محدد، ودون أن نحتاج أو نشعر بالاحتياج إلي إزالة هذا الغموض والإبهام وعدم التحديد. لماذا ؟!.. لأننا في صدد إيمان لا في صدد واقع يفتقر إلي معرفة كاملة لشيء معين !

> > >

من منا يفكر في ماهية الوطنية والعدالة والعدالة الاجتماعية، أو في تحديد معني حقوق الإنسان أو الحرية الشخصية أو حق الجمهور في المعرفة بالشئون العامة، أو حقه في التعليم، أو الحق في الحصول علي مستوي كاف ولائق لحرياته كآدمي، أو في مدلول الحق في المساواة وفي الديمقراطية، أو مدلول الاشتراكية أو مشروعية الملكية الفردية، أو كفالة حرية التنقل، وحرية التعبير عن الرأي، أو في حرية التجارة وحرية الهجرة، أو في حرية الاعتقاد واختيار وممارسة شعائر وطقوس الملة أو المذهب أو الدين إلي غير ذلك مما يعتبره الناس من القيم الأساسية في حياة الأفراد والشعوب.

كل هذه إيمانيات نعيش بها وعليها.. لا يعلل إيماننا بها وانتماؤنا إليها واعتمادنا عليها وامتثالنا لها، لا يعلل ما يحيط بها من غموض وإبهام وعدم تحديد. هذه الغوامض أو المبهمات أو التجريدات التي تفسح المجال للخلط وما نسميه إساءة الفهم والتأويل وحدة الاختلاف والتعصب والخصومات والفتن والحروب وما وراءها من أغراض ومقاصد معظمها عند التأمل ـ إيمان اعتقادي.. دور العقل والتعقل فيه محدود محصور في كيفية التنفيذ إن سمح لهما به !

فالصلات البشرية خاصة وعامة، القائمة علي القيم البشرية، ذات أساس إيماني مستحكم معرض في كل وقت، لذلك الخلط وإساءة الفهم والتأويل والاختلاف والتعصب، ومصير تلك الصلات دائما في كف الاحتمالات وتحت تصرف المقادير التي يتجاهلها الناس عادة، ويفاجأون منها بما لا يتوقعون !

هذه ظاهرة مشتركة متفقة مع أصول حياة الأحياء جميعا، هذه الحياة التي يدخلها البشر وغير البشر تسللا ويخرجون منها قسرا بلا مشيئة ولا مدخل لعقولهم وتعقلهم في ذلك الدخول أو الخروج، وهما ـ الدخول والخروج ـ طرف كل حياة علي هذه الأرض ! ويبدو أن ظهور عقل الآدمي ـ أي آدمي ـ يحتاج إلي خارج وإلي تعامل مع هذا الخارج، وبقدر اتساع هذا التعامل يتسع بنموه نمو المخ ونمو العقل.. هذا النمو يحصل في وصاية الغرائز والعواطف والذاكرة، وربما في وصاية نمو ذات الآدمي بصفة خاصة !

هذا هو الذي يفسر خضوع عقولنا لذواتنا، ومطالبها وغرائزها وعواطفها ومتوارثاتها، ويتوقف تقدم العقل وتطوره علي تحرك هذه الوصايات الفطرية ـ هي الأخري ـ في طريق التطوير والترقي برغم ما تحمله من ماضيها الطويل وضعف قدرتها علي التفطن والتبصر وحاجتها الدائمة إلي ما يعينها علي هذا الضعف.. خاصة إذا لوحظ أن استعداداتنا العقلية والشعورية وذاكرتنا ومخيلتنا لا تعمل معا دائما، بل تتسابق إلي العمل لوقت يقصر أو يطول تنتظر بعده ناتج عمل كل منها، هذا الناتج الذي قد يكون حصاد هذا أو ذاك من هذه الاستعدادات، أو نتاج عون كل منها للآخر في إنجازه أو في وجوده أو في الدفاع عن مواقفه. والتماس الأعذار له. قد تعزو إمكانيات القوة إخفاق عملها إلي قلة أو نفاد الصبر مثلا، أو تعزو المخيلة تعثرها إلي تواضع الذاكرة.. وهكذا !