المنصور والمغربي وتوت آمون

 ايمن عبد الحفيظ تعرضت مجموعة المنصور والمغربي خلال الأيام القليلة الماضية إلي حملة تشويه قوية، بسبب ملابسات عملية شراء شركة بالم هيلز، التي تسيطر المجموعة علي غالبية أسهمها، قرية توت..

ايمن عبد الحفيظ

تعرضت مجموعة المنصور والمغربي خلال الأيام القليلة الماضية إلي حملة تشويه قوية، بسبب ملابسات عملية شراء شركة بالم هيلز، التي تسيطر المجموعة علي غالبية أسهمها، قرية توت آمون التابعة لشركة مصر أسوان للسياحة، وتطرقت إلي الاتهامات بالفساد في استغلال السلطات والاستيلاء علي الأصول التابعة للشركات، التي يسيطر عليها القطاع العام، وما إلي ذلك من اتهامات يسهل اطلاقها في البلاد التي في مثل حالتنا، التي بدأ رجال القطاع الخاص في دخول التشكيل الوزاري منذ 6 سنوات دون أن يتم إعلان كيفية الفصل بين المهام الحكومية التي تقلدوها وإدارة أعمالهم، التي تخلوا عنها لوكلاء، ولكن لا تزال الشكوك تساور الأفراد، خاصة أنه لم يصدر تشريع بعد يضع الحدود الفاصلة.

إلا أننا في هذه المرة أمام حالة شديدة الخصوصية، بطلها مجموعة من كبريات المجموعات الرأسمالية في مصر، التي تتعدد المجالات التي تستثمر فيها بشكل كبير، وتحظي في الوقت نفسه بالاحترام والمصداقية، حيث قدمت وزيرين للحكومة المصرية شاركا بقوة في الاصلاح الاقتصادي الذي جري منذ أن جاءت حكومة نظيف، وخسرت، وفقا للوزير محمد منصور، نحو 400 مليون جنيه في الفترة التي تولي فيها وزارة النقل، لعدم تقدم الشركة للمناقصات التابعة لوزارة النقل.

القضية معروفة وتداولها الإعلام، وكنت أعد نفسي لمداخلة هاتفية مع برنامج الإعلامية الجادة مني الشاذلي »العاشرة مساء«، مساء الثلاثاء، إلا أن سخونة القضية وتعدد أطرافها والمداخلات القوية من اطرافها والجهاز المركزي للمحاسبات لم يدع الفرصة لطاقم إعداد البرنامج للسماح بالمداخلات، لذا سأحاول طرح عدد من الملاحظات في قضية تعثر بيع قرية توت آمون لبالم هيلز، التي اشترتها بعد مزايدة بنظام القائمة المختصرة نظير نحو 84 مليون جنيه تشمل عمولة مروج القرية ، قبل أن تثار القضية في مجلس الشعب والحديث عن الفساد واستغلال السلطات في »الاستيلاء« علي القرية السياحية، المتوقفة عن العمل منذ قرابة 6 سنوات، والحديث عن تعمد الشركة المالكة تكبيل القرية بالخسائر سعيا لبيعها!، قبل أن يتدخل الرئيس مبارك بالغاء جميع التعاقدات وإعادة طرح القرية للبيع بحق الانتفاع لمدة لا تزيد علي 49 عاما.

الملاحظة الأولي: الحديث عن الفساد في هذه القضية يثير الضحك، فإذا كان هناك فساد واستغلال سلطات لتم التغلب علي جميع العقبات وتسجيل الأرض لصالح الشركة، التي يساهم فيها وزيران سابق وحالي، ولما مر علي التعاقد مع الشركة البائعة عامين دون أن يتم تسجيلها، واحتجاز نحو 13 مليون جنيه في البنك لصالح البيع دون أن يتم حتي الآن بشكل رسمي.

الملاحظة الثانية: تعيد هذه القضية فتح مسألة الفصل التام والناجز بين سلطات المسئولين الحكوميين وأعمالهم الخاصة، وعدم الاعتماد فقط علي النوايا الحسنة واجراءات روتينية معتادة، حتي يتيقن الجميع من عدم قدرة المسئول علي استغلال سلطاته، ومن ناحية أخري حتي لا يتم اطلاق الاتهامات جزافا، بما قد يؤدي لابتعاد رجال الأعمال القادرين علي العطاء عن المناصب الحكومية التي تحتاج البلاد إليهم فيها، وهو ما يتطلب تشريعا يضع الحدود والاجراءات الواجب اتباعها في هذه المسائل، ويحدد الجهات الرقيبة علي تنفيذها والالتزام بها طوال الفترة التي يقضيها رجال الأعمال في الحكومة.

الملاحظة الثالثة: اتجاه الجهات الحكومية والشركات العامة لطرح الأصول للبيع دون التأكد من عدم وجود منازعات قضائية عليها، وهو ما اتضح في هذه الحالة وحالات أخري مشابهة، حيث اتجهت وزارة الاسكان علي سبيل المثال لطرح قطعة أرض في مزايدة استبقها رجل الأعمال حسام أبوالفتوح بإعلان تهديدي لمن يقدم عليها بأنها مملوكة له ولا يحق لهيئة المجتمعات طرحها، وأنه سيقاضي من سيقوم بشرائها، مما دفع عدداً من المستثمرين للتراجع عن التزايد عليها.

الملاحظة الرابعة: تأتي من ملاحظات الجهاز المركزي للمحاسبات علي صفقة البيع الأولي التي تم التراجع عنها، وأهمها أن البيع تم لشركة »تحت التأسيس«، في ظل سماح القوانين المصرية بدخول الشركات تحت التأسيس المزايدات، وهو ما لاحظناه في مزايدات بيع أراضي هيئة المجتمعات العمرانية، وكذلك تخصيص أراضي المشروع القومي للاسكان لشركات تحت التأسيس أيضا، فالعبرة في هذه الحالة بضمانات ارتفاع الملاءة المالية للمتقدمين والخبرات التي يتمتعون بها في هذا المجال أو ذاك محل المزايدة.

الملاحظة الخامسة: هناك فارق كبير بين تقييم الأراضي بغرض الاسكان وبغرض الفندقة، فاشتراطات أراضي الاسكان تمنح المستثمرين نسباً بنائية أكبر من الاستغلال السياحي، كما أن المشروعات العقارية تنتهي دورتها الاقتصادية بمجرد الانتهاء من البناء والتسليم، بما لا يتعدي 4 أو 5 سنوات علي أقصي تقدير، ويتم الاعتماد فيها علي أموال العملاء في البناء، بينما في حالة أراضي المشروعات السياحية والفندقية، تنخفض النسب البنائية وتعتمد في تمويلها علي أموال المستثمر، الذي يسترد استثماراته خلال 10 سنوات علي أقل تقدير قبل أن يبدأ في تحقيق الأرباح، لذلك لابد من أن تنخفض تقييمات اراضي المشروعات السياحية عن الأراضي المخصصة للاسكان، وهو ما تم الاعتماد عليه في تقرير جهاز المحاسبات لانتقاد التقييمات التي خرجت بها المكاتب الهندسية التي قدرت سعر القرية.

الملاحظة السادسة: طرح الأرض في مزايدة بنظام القائمة المختصرة، كما تم عند بيع الشركة للمرة الثانية، التي فازت بها بالم هيلز، حيث يهدف إلي قصر المتزايدين علي الشركات الجادة والمؤهلة، وأدي إلي استقطاب 5 شركات اهتمت بشراء قرية توت آمون مقابل شركتين فقط عند طرحها للبيع بمزايدة علنية في المرة الأولي، وهو ما يتطلب التعامل مع هذا الأسلوب قانونيا والحصول علي توافق مجتمعي عليه، كما هو الحال عند طرح دعوات التأهيل بين شركات المقاولات لتقديم خبراتها الفنية والمالية، لإعداد قائمة مختصرة بالشركات المؤهلة فنيا وماليا لهذا المشروع أو ذاك، خاصة أن المزايدات العلنية، رغم مزاياها الجمة ماليا من حيث رفع عدد المتزايدين، وهو ما لم يتحقق في هذه الحالة، وزيادة سعر البيع بسبب المنافسة، فإنها تؤدي لدخول غير المتخصصين، وهو ما تابعته من قبل عند طرح احدي الشركات التابعة للقابضة للسياحة قطعة أرض بالعين السخنة، تعرض سعرها للانتفاخ بفعل أجواء المزايدة، لترسو في النهاية علي تحالف »صناعي« بسعر أذهل ذوي الخبرات الكبيرة في القطاعين العقاري والسياحي، قبل أن يتراجع هذا التحالف عن سداد قيمة الأرض، لتعود مرة أخري للقابضة للسياحة التي لم تنتفع بها حتي الآن.

الملاحظة السابعة: قرية توت آمون، كما قال المهندس محمد حسن، رئيس الشركة المالكة لها، متوقفة منذ نحو 6 سنوات عن التشغيل، بسبب المنافسة التي شهدتها من قبل الفنادق التي دخلت الخدمة في أسوان حيث أدي ذلك لعدم قدرة شركة »هلنان« لإدارة الفنادق علي تحقيق مستهدفاتها قبل أن يدب الخلاف بين الطرفين علي توزيع عوائد التشغيل.. إذا نحن أمام قرية سياحية متوقفة عن العمل لمدة طويلة تتعرض أصولها للاستهلاك، سواء بفعل فاعل أو للأسباب التي ذكرها رئيس الشركة ليس هذا هو بيت القصيد، وجاء لمساهمي الشركة عرضا رأوه جيداً من وجهة نظرهم، سيؤدي لضخ سيولة وإعادة وضع المشروع علي الخريطة السياحية، وستدفع الشركة الجديدة %20 من أرباحها السنوية »ضرائب شركات« وستقوم بتشغيل عمالة، وتمت إعاقته، فماذا نحن فاعلون بهذا الأصل الجميل الذي يقع في مواجهة بحيرة ناصر مباشرة.

الملاحظة الثامنة والأخيرة: قانونية بحتة تقوم علي أن »العقد شريعة المتعاقدين«، وأن أي تدخل إداري، حتي لو صدر عن أعلي سلطة في البلاد، قد يؤدي لحصول المتضرر علي أحكام قضائية تسقطه، ولنا في حكم التحكيم الدولي الذي حصل عليه »وجيه سياج« أسوة سيئة، عندما تم الغاء التعاقد معه علي شراء أرض بسيناء، فحصل علي حكم من مركز التحكيم الدولي بواشنطن بغرامة علي الحكومة المصرية قيمتها تعادل 750 مليون جنيه، وعرض أرصدة البنوك العامة في الخارج للحجز عليها، لذلك ينبغي علينا التعلم من هذه التجارب السيئة ومراعاة انضباط المعاملات، والتركيز علي صحة التعاقدات ومراعاتها القوانين قبل التوقيع عليها، لأنه كما أسلفت »العقد شريعة المتعاقدين«.