سن السكاكين بدون ذبيحة‮!!‬

محمود گامل    لعلنا الدولة الوحيدة في العالم الموكل فيها الحزب الحاكم بمنح تراخيص إقامة أحزاب جديدة المفروض فيها أن تكون أحزاب معارضة، وهو ما يجعل من تلك التصاريح تحمل...

محمود گامل

لعلنا الدولة الوحيدة في العالم الموكل فيها الحزب الحاكم بمنح تراخيص إقامة أحزاب جديدة المفروض فيها أن تكون أحزاب معارضة، وهو ما يجعل من تلك التصاريح تحمل اتفاقاً ضمنياً بين مانح الترخيص والحاصل عليه بأن يكون الحزب الجديد »في حاله« ولا يتصور- خطأ- أنه حزب معارض بحق.. وحقيق، لذا أصبحت لدينا - ضمن الديكور الديمقراطي - أحزاب كثيرة أغلبها لا يتذكر المواطن حتي اسمه، ناهيك عن الانضمام للعضوية.

وفي أحسن الأحوال تطرح تلك الأحزاب أسماءها - رئيس الحزب فقط - علي المواطنين عند ممارسة »المعارضة« بشرط أن تقتصر تلك المعارضة علي كل من يعارض الحزب الحاكم، أو يطرح بدائل - مش مريحة - لذلك الحزب، أي أنه - في الظروف العادية - لا تسمع صوتا لتلك الأحزاب مهما كان ما يتعرض له المواطن المصري من صعوبات أو مآزق تحتاج لمن يدافع عنه من تلك الأحزاب أو يقف إلي جانبه، إلا إذا قام صراع تقليدي بين قيادات تلك الأحزاب علي من منهم يصبح الرئيس؟، لحظتها فقط يبدأ »صراع الأفيال« لإشغال الرأي العام المصري بقضايا شخصية لا تهم أحدا، خاصة أنها صادرة كذلك عن أحزاب لا تهم أحدا من الأصل!

ولعل خاصية تلك الأحزاب تبدو واضحة الآن عندما تصدي العديد منها إلي ما أتي به الدكتور البرادعي من الدعوة إلي التغيير بالادعاء بأن الرجل قادم للسيطرة علي الحياة السياسية في مصر لحساب أجندات أجنبية - وهي أسهل التهم التي تكال إلي كل من يأتي بجديد - في تشكيك لوطنية أي مصري معارض، وهي دائماً تُهم - ظالمة - تصدر بغير دليل، كما أن التشكيك في الوطنية ليس مسئولية أحد بغير جريمة ترتكب في حق الوطن ويحكم فيها القانون.

وتتصور تلك الأحزاب أن »الكُفر« الذي أتي به البرادعي يمثل في عرفهم - البقرة التي وقعت - ومن ثم يصبح »سن السكاكين«.. كل السكاكين فريضة لحماية الوطن - مع أن حماية مصالحهم الشخصية هي الهدف الظاهر والباطن - ولإفراغ ما جاء به البرادعي والذي تحمس له كل أصحاب البصائر المصريين من مضمونه - ضمن وهم الإمكانية - قالوا إن قرار الجمعية الوطنية للتغيير بمقاطعة الانتخابات، ومطالبتها بقية الأحزاب - ضمن تصور أن لها دوراً في الشارع المصري - يأتي ضمن بحث تلك الجمعية عن دور في الشارع السياسي وذلك قبل أن يستخدموا ضمن تعبيراتهم مقولة: لا نريد عسل البرادعي ولا لدغات نحله!، متوقعين أن لقاء قيادات الجمعية بمختلف الأحزاب - ما عدا الوطني طبعا- لن يسفر عن شيء لسبب بسيط أنهم يمثلون »جماعة سياسية« وليسوا حزبا شرعيا أصدرت الدولة له- مثلهم- تصريحاً بالقيام. وهي حجة ينطبق عليها مثل شعبي قديم: م لاقوش في الورد عيب.. قالوا أحمر الخدين!

ولأن تلك الأحزاب الشكلية ليست أحزاباً بحق.. وحقيق فإنها تصدت للبرادعي باعتباره تياراً في الهواء تسرب من النوافذ المغلقة بما قد يصيب سكان تلك الأحزاب بـ»العطس« بسبب الحساسية الفائقة ضد أي تغيير، وضد أي هواء نقي قد يؤدي إلي زوال الهواء الفاسد الذي تعودت رئاتهم عليه لسنين طويلة. كما أن »القرافة« التي يعيشون فيها لا تفرق كثيراً بين الاستقرار والموت، وهو نفس معتقد »الحانوتية«!

ومع أن البرادعي وجماعته للتغيير طرحوا - في أول لقاء لهم بالرأي العام المصري - شروط دخول الانتخابات، أو الدعوة إليها وهي أن تتم الانتخابات بالرقم القومي، وإلغاء حالة الطوارئ، وحكومة محايدة لإدارة الانتخابات بإشراف قضائي - محلي ودولي - وكلها شروط معقولة ولا تحمل كُفرا، ما لم يكن فتح جميع النوافذ المصرية، ودخول هواء جديد يطرد ثاني أكسيد الكربون الذي طال تنفسه بما أفسد صدور المصريين هو نوع من الخطأ الذي يصل إلي مستوي الخطيئة عند هؤلاء الذين يؤمنون بما جاء في مسرحية مصرية قديمة وشهيرة كان بطلها أبوبكر عزت وتدور أحداثها في مستشفي حيث جري تنافس بين أبوبكر والكوميديان الذي نسيت اسمه حول مغازلته الممرضة ليقول الرجل العجوز لزوجته التي جاءت لتخرجه من المستشفي: أنا مبسوط كده.. أنا مرتاح كده!!