المال ومعالم التقريب ‮(‬2‮)‬

رجائي عطية   والكسل فيما يبدو أمر نفسي وعقلي، وهو خوف وإعراض عن تصور موقف جديد يدفعنا إلي الهرب من تغيير ما هو موجود، فهو ـ أي الكسل ـ ليس...

رجائي عطية

والكسل فيما يبدو أمر نفسي وعقلي، وهو خوف وإعراض عن تصور موقف جديد يدفعنا إلي الهرب من تغيير ما هو موجود، فهو ـ أي الكسل ـ ليس مجرد كراهة وإعراض عن بذل المجهود في ذاته.. ذلك أن الآدمي لا يكف حتي في نومه عن بذل المجهود بصورة أو بأخري، وحياته العضوية والنفسية سلسلة متصلة من الجهود التي لا تتوقف إلا إذا توقفت الحياة ذاتها. فالكسل فيه أمر زائد علي مجرد رفض المجهود، هذا الأمر الزائد هو رفض الجديد المقصود به إحداث تغيير في تصوراتنا أو مواقفنا، ونحن حين نتخذ موقفا جديدا ندخل فيما يشبه المغامرة، وهي قد تكون منهكة تدعونا إلي الكف والعودة لالتزام ما ألفناه، والتوقف عن بذل الجهود النفسية والعقلية التي يقتضيها التغيير.

نري شيئا من ذلك لو تأملنا حال »الموجة المادية« التي بدأت تظهر بين المسلمين مع الفتوح في أواخر عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فهذه الموجة المادية التي علت وامتدت بعد ذلك، كانت في جوهرها موجة كسل عام بالمعني المتقدم، تسربت إلي نفوس كثيرة لم تر الرسول عليه الصلاة والسلام، ولم تشهد المشاهد معه لتغيير حياتهم التغيير الشامل الجاد الذي يتطلبه تطبيق الإسلام تطبيقا صحيحا كاملا. فلما أطل الرخاء وزاد، ضاقوا بجسامة التغيير الواسع العميق المطلوب الذي يدعو إليه الإسلام، وتهيبوا تطبيق الإسلام الكامل (المجهد)، وغلب علي أمرهم الاسترخاء النفسي والعقلي والروحي، واكتفوا بتطبيق الإسلام تطبيقا فيه مصالحة ومواءمة تتوقف عند حدود وأجزاء معينة، وتأبي التغيير الكلي الذي هو هدف الإسلام الأساسي، وما يزال هدفه إلي قيام الساعة.

مثل هذا حدث ويحدث في كل حركة دينية أو اجتماعية تتغيّا إحداث مثل هذا التغيير الكلي في حياة الناس، لأنها تصطدم بعد وقت قصير أو طويل ـ بمقاومة الكسل البشري.. هذا الكسل الذي يفسر قصر عمر العصور المثالية في تاريخ الإنسانية!

ومن الملاحظ أن حائط الكسل يزداد كثافة كلما ازداد نفوذ الكتل والعامة، ونفوذها في العصر الحالي جسيم، وهولا يرجع إلي الفكر والنظر الفكري، لأن الفكر مهما تساهل لا يسلم للعوام في قيادة البشرية إلاّ بدور ثانوي. ويبدو أن مكانة الكتل في زماننا إنما ترجع أساسا إلي دورهم في الصناعة والتجارة الحديثتين، فهما تحتاجان علي النطاق الواسع ـ إلي الكتل والعامة، كعمال أو عملاء علي حد سواء. فالصناعة والتجارة هما القوتان الخفيتان اللتان تسوقان الكتل إلي مساواة الخاصة في الرغبات والشهوات والمطالب والحقوق. ولذلك فليس عجيبا ما نشاهده من شدة الروح المادية لدي الكتل، وظهور الأنانية والغرور، وضعف الشعور بالواجب، وقلة ضبط النفس والاتزان!

ولكن، هل يمكن أن تصبح الأشياء المادية أغلي وأثمن من الآدميين في مجتمع متحضر؟ أجل، وللأسف ـ يحدث ذلك حينما نغفل أمر الآخرين ونسقطهم من تفكيرنا، وحين نبعدهم عن دائرة اهتمامنا، وحين لا نري إلاّ أنفسنا وأغراضنا وما نخططه وندبره لتنفيذها أو تحقيقها.. فعندئذ يصبح الآدميون في نظرنا مجرد عوامل مساعدة نستخدمها في تحقيق أغراضنا!

لا بد أن يحدث هذا حينما نتصور أن الإنسان سيد مصيره بلا حدود ولا سقوف، وحين نسقط من رؤيتنا وحساباتنا ـ أنه توجد جهة عليا سامية لا بد أن تخضع لها مشيئتنا، ولا نري أن هذه الجهة العليا تفرض قداسة وقيمة لكل آدمي كآدمي .

لا شك أننا جميعا نريد خيراً كثيراً لديننا وإخواننا، ولكننا نتردد ونحجم عن دفع ثمن هذا الخير الكثير الذي نريده , لأننا لا نحب شيئا قدر حبنا لأنفسنا وأموالنا ومصالحنا، ولأننا رغم الأقوال والابتهالات لسنا واثقين تماما من وجهتنا، ويخلو معظمنا من استرابة قليلة أو كثيرة في وعد الحق. يستوي مسار الإنسان، ويتحقق التقريب، حين يسأل كل منا نفسه: هل يثق فعلاً فيما عند الله تبارك وتعالي ـ ثقته في البنك الذي فيه ودائعه، أو الخزينة التي يكنز فيها أمواله، أو في شركة التأمين التي أمَّن لديها علي حياته وماله، أو ثقته في وعد الحاكم ورضاه؟!

يبدو أن العقود والعهود التي نعقدها أمام الله عز وجل معظمها كلام وأحلام، لأننا نفر في الواقع من تحمل المشاق والصعاب التضحيات التي يقتضيها الصدق مع الله ، والوفاء للإنسانية، واحترام الإنسان من حيث هو إنسان، مع أن ما نترك هذا من أجله ما هو إلاّ الوهم والباطل وقبض الريح!