رجائي عطية
في كتابه الرائع: »معالم التقريب«، يشير أستاذنا الجليل محمد عبدالله محمد، المحامي الفقيه المفكر الشاعر الأديب، إلي أنه يلزم أن يلتفت أهل التقريب خاصة ـ إلي ما أطلق عليه: »مثالية الكراهية«.. فإنها علي سلبيتها، مثالية سقم ومرض يشتبه أمرها بالمثاليات الصحيحة أو الصحية ـ في بعض المظاهر والظواهر، ولكنها تختلف عنها وتعارضها، بل وتعاديها في الجوهر .
فلماذا يلزم الالتفات إليها إذن ؟! تعرف الجواب حين تتأمل حال المرض، فالداء لا يغسل يد المبتلي به ولا أيدي المهتمين بشأنه من اجب الالتفات إليه لتحليله ودراسته وتشخيصه وعلاجه . وعلي ذات الوتيرة فإن نقطة البداية في أمر »الكراهية« ـ هي الإقرار بأنها آفة من آفات العصور المادية، توالدت وظلت تتوالد باستمرار من تراكم المشاكل العاطفية والمادية وغلبة استعصائها علي الحل، وتفشي اليأس في نفوس الناس من إمكانية انتزاعها، ومن قدرة الأنظمة ذاتها بكل إمكانياتها علي حلّها، ومن ثم انقطاع رجاء غالبية الناس في تحسين أحوالهم تبعا لذلك، واعتيادهم أمام الإحساس بالاختناق والعجز ـ علي توزيع الاتهامات من بعضهم علي بعض، وتوجيه المسئوليات واللعنات من بعضهم لبعض، واعتيادهم تبشيع بعضهم لبعض من جراء هذا كله!
ومن هنا فإن »مثالية الكراهية« ـ حسب التعبير المجازي الذي اخترناه ـ واقع حاصل، لها ألوان وصور تجمعت بالتراكم مما يمكن أن نسميه »عبادة« الإنسان اليائس المهزوم الحائر، لا يري أمامه سوي أن يتعبد بهذه العبادة إلي ذاته ومصيره، ولكنه تعبد ليس كالتعبد الذي نعرفه لرب العالمين، وإنما هو تعبد يجد طقوسه في العداوة وما تفرزه، لا يجد اليائس القانط المحبط ـ لا يجد لها بديلا لأن المصاب أمرضه حتي فقد مقدرته علي عبادة ربه عز وجل بالمحبة، لذلك تجتمع »مثاليات« الكراهية علي صناعة الكراهية وإفراز الكره وتمجيده وكل ما يتصل بهذا الكره من المشاعر .. كالقسوة وعدم المبالاة وسوء الظن والغضب والخصام، والّلدد والعناد والحقد والضغن والتشفي والشماتة والالتذاذ بألم الغير وبالتدمير، وتجتمع ـ في المقابل ـ علي إزدراء الرحمة وحسن الظن والمودة والمسالمة والتفاهم والإنصاف والاعتراف بحقوق الغير واحترام الحقيقة والحق، وفي تضاعيف وتلافيف هذه الآفات المرضية ـ شغف عميق هائل بتحدي الشرائع والقوانين والأخلاق والعادات، والاستهانة بحاضر بل وبحضارة البشر، بل وبالفطرة البشرية نفسها، وهذه كلها لا تعيش إلاَّ علي »عداوة« وعلي »عدو« تتغذي وتتربي علي عداوتها له، وتفرز وتكرس وتنمي هذه العداوة وتقويها باطراد،، وتجهد نفسها في بحث ودرس وإعداد وترتيب كيفيات وأساليب وطرائق إيذاء هذا العدو أو تدميره إن أمكن!
والغريب أن هذه »المثالية« في الكراهية، لا تخاصم ولا تنكر بل وتشارك غيرها من المثاليات الصحيحة أو الصحية، وهذا موطن خطورتها علي الدعوات الدينية ومنها الدعوة الإسلامية .. ذلك أن المتعلقين بهذه »الكراهية« المتحمسين لها، يبذلون فيها ومن أجلها كل ما يستطيعون، ويقدمون ـ هذه الكراهية! ـ علي الأهل والأصدقاء وعامة الناس، وعلي مصالح المجموع، ويصبرون في سبيلها ـ أو علي مذبحها ـ صبرا غريباً علي الصعاب والشدائد، بل ويسترخصون من أجلها الحياة، ولا يبالون بالموت في عمليات انتحارية يسوغون لأنفسهم أسبابها، ويعتقدون أنهم بذلك الفداء ـ الزائف! ـ يجذبون الأنظار إلي استبسالهم وتضحياتهم، ويحملون الناس بذلك علي احترامهم واحترام دعاواهم!!
ذلك أنه قد ضعف التفات معظم الناس إلي أن البسالة يجب أن تستمد قيمتها من موضوعها وغايتها، ومع فتور أو ضعف هذا الالتفات، شاع في نفوس الكثيرين ربط مجرد الإصرار والاستبسال ـ بالصدق والحق، مع أن الصدق والحق أبعد ما يكونا عن اندفاعات ضريرة تتسمي بالإصرار أو الشجاعة أو البسالة، وبرغم أن البسالة ليست محض مخاطرة، وإنما هي قيمة من قيم الفروسية وقوامها باقة من الشمائل والسجايا لا تستقيم مع الكراهية ولا تستقيم الكراهية معها!!
وغني عن البيان، وهذا هو سبب لزوم لفت أنظار أهل التقريب إلي »مثالية« الكراهية ـ غني عن البيان أن الإسلام قوامه المحبة، وأن المحبة والكراهية نقيضان لا يتفقان، ومن المحال أن يوجد بينهما اشتراك أو أي نوع من أنواع المشاركة ـ في باحة الإسلام، أو أن يحدث بينهما ـ وهما نقيضان ـ أي التقاء . فالإسلام محبة كاملة لله وفي الله، واستسلام كامل تام شامل للمحبوب الأوحد عز وجل، ومحبة خالصة للخلق من أجل هذه المحبة لله الودود الرءوف الرحمن الرحيم .. الإسلام وفاء لله ولعباد الله، وحسن ظن بالخلق، وإيثار للمحبة والصدق والرحمة والإنصاف وصلة للرحم والجوار، أو هو إن شئت: رعاية للحقوق وأداء الأمانات ـ وسلام وسلامة ومسالمة من المسلم للناس أجمعين .
في كتابه الرائع: »معالم التقريب«، يشير أستاذنا الجليل محمد عبدالله محمد، المحامي الفقيه المفكر الشاعر الأديب، إلي أنه يلزم أن يلتفت أهل التقريب خاصة ـ إلي ما أطلق عليه: »مثالية الكراهية«.. فإنها علي سلبيتها، مثالية سقم ومرض يشتبه أمرها بالمثاليات الصحيحة أو الصحية ـ في بعض المظاهر والظواهر، ولكنها تختلف عنها وتعارضها، بل وتعاديها في الجوهر .
فلماذا يلزم الالتفات إليها إذن ؟! تعرف الجواب حين تتأمل حال المرض، فالداء لا يغسل يد المبتلي به ولا أيدي المهتمين بشأنه من اجب الالتفات إليه لتحليله ودراسته وتشخيصه وعلاجه . وعلي ذات الوتيرة فإن نقطة البداية في أمر »الكراهية« ـ هي الإقرار بأنها آفة من آفات العصور المادية، توالدت وظلت تتوالد باستمرار من تراكم المشاكل العاطفية والمادية وغلبة استعصائها علي الحل، وتفشي اليأس في نفوس الناس من إمكانية انتزاعها، ومن قدرة الأنظمة ذاتها بكل إمكانياتها علي حلّها، ومن ثم انقطاع رجاء غالبية الناس في تحسين أحوالهم تبعا لذلك، واعتيادهم أمام الإحساس بالاختناق والعجز ـ علي توزيع الاتهامات من بعضهم علي بعض، وتوجيه المسئوليات واللعنات من بعضهم لبعض، واعتيادهم تبشيع بعضهم لبعض من جراء هذا كله!
ومن هنا فإن »مثالية الكراهية« ـ حسب التعبير المجازي الذي اخترناه ـ واقع حاصل، لها ألوان وصور تجمعت بالتراكم مما يمكن أن نسميه »عبادة« الإنسان اليائس المهزوم الحائر، لا يري أمامه سوي أن يتعبد بهذه العبادة إلي ذاته ومصيره، ولكنه تعبد ليس كالتعبد الذي نعرفه لرب العالمين، وإنما هو تعبد يجد طقوسه في العداوة وما تفرزه، لا يجد اليائس القانط المحبط ـ لا يجد لها بديلا لأن المصاب أمرضه حتي فقد مقدرته علي عبادة ربه عز وجل بالمحبة، لذلك تجتمع »مثاليات« الكراهية علي صناعة الكراهية وإفراز الكره وتمجيده وكل ما يتصل بهذا الكره من المشاعر .. كالقسوة وعدم المبالاة وسوء الظن والغضب والخصام، والّلدد والعناد والحقد والضغن والتشفي والشماتة والالتذاذ بألم الغير وبالتدمير، وتجتمع ـ في المقابل ـ علي إزدراء الرحمة وحسن الظن والمودة والمسالمة والتفاهم والإنصاف والاعتراف بحقوق الغير واحترام الحقيقة والحق، وفي تضاعيف وتلافيف هذه الآفات المرضية ـ شغف عميق هائل بتحدي الشرائع والقوانين والأخلاق والعادات، والاستهانة بحاضر بل وبحضارة البشر، بل وبالفطرة البشرية نفسها، وهذه كلها لا تعيش إلاَّ علي »عداوة« وعلي »عدو« تتغذي وتتربي علي عداوتها له، وتفرز وتكرس وتنمي هذه العداوة وتقويها باطراد،، وتجهد نفسها في بحث ودرس وإعداد وترتيب كيفيات وأساليب وطرائق إيذاء هذا العدو أو تدميره إن أمكن!
والغريب أن هذه »المثالية« في الكراهية، لا تخاصم ولا تنكر بل وتشارك غيرها من المثاليات الصحيحة أو الصحية، وهذا موطن خطورتها علي الدعوات الدينية ومنها الدعوة الإسلامية .. ذلك أن المتعلقين بهذه »الكراهية« المتحمسين لها، يبذلون فيها ومن أجلها كل ما يستطيعون، ويقدمون ـ هذه الكراهية! ـ علي الأهل والأصدقاء وعامة الناس، وعلي مصالح المجموع، ويصبرون في سبيلها ـ أو علي مذبحها ـ صبرا غريباً علي الصعاب والشدائد، بل ويسترخصون من أجلها الحياة، ولا يبالون بالموت في عمليات انتحارية يسوغون لأنفسهم أسبابها، ويعتقدون أنهم بذلك الفداء ـ الزائف! ـ يجذبون الأنظار إلي استبسالهم وتضحياتهم، ويحملون الناس بذلك علي احترامهم واحترام دعاواهم!!
ذلك أنه قد ضعف التفات معظم الناس إلي أن البسالة يجب أن تستمد قيمتها من موضوعها وغايتها، ومع فتور أو ضعف هذا الالتفات، شاع في نفوس الكثيرين ربط مجرد الإصرار والاستبسال ـ بالصدق والحق، مع أن الصدق والحق أبعد ما يكونا عن اندفاعات ضريرة تتسمي بالإصرار أو الشجاعة أو البسالة، وبرغم أن البسالة ليست محض مخاطرة، وإنما هي قيمة من قيم الفروسية وقوامها باقة من الشمائل والسجايا لا تستقيم مع الكراهية ولا تستقيم الكراهية معها!!
وغني عن البيان، وهذا هو سبب لزوم لفت أنظار أهل التقريب إلي »مثالية« الكراهية ـ غني عن البيان أن الإسلام قوامه المحبة، وأن المحبة والكراهية نقيضان لا يتفقان، ومن المحال أن يوجد بينهما اشتراك أو أي نوع من أنواع المشاركة ـ في باحة الإسلام، أو أن يحدث بينهما ـ وهما نقيضان ـ أي التقاء . فالإسلام محبة كاملة لله وفي الله، واستسلام كامل تام شامل للمحبوب الأوحد عز وجل، ومحبة خالصة للخلق من أجل هذه المحبة لله الودود الرءوف الرحمن الرحيم .. الإسلام وفاء لله ولعباد الله، وحسن ظن بالخلق، وإيثار للمحبة والصدق والرحمة والإنصاف وصلة للرحم والجوار، أو هو إن شئت: رعاية للحقوق وأداء الأمانات ـ وسلام وسلامة ومسالمة من المسلم للناس أجمعين .