‮»‬الفلسطينيون‮.. ‬وتاريخ طويل من المفاوضات العقيمة‮«‬

السفير اسماعيل حافظ    مرت سنوات عديدة منذ أن بدأت عملية السلام والمفاوضات غير المباشرة والمباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ومنذ 19 عاماً حيث عقد مؤتمر مدريد، وحتي استؤنفت &raq

السفير اسماعيل حافظ

مرت سنوات عديدة منذ أن بدأت عملية السلام والمفاوضات غير المباشرة والمباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ومنذ 19 عاماً حيث عقد مؤتمر مدريد، وحتي استؤنفت »المفاوضات المباشرة« بينهما من جديد في واشنطن في 9/2 من أجل تحقيق اتفاق سلام وقيام دولة فلسطين مستقلة برعاية الرئيس الأمريكي باراك أوباما، شهدت المفاوضات السابقة صعوبات وتعقيدات في جميع المراحل والمحطات التي مرت بها هذه المفاوضات.

1- كان »مؤتمر مدريد« الدولي لسلام الشرق الأوسط عام 1991 الذي عقد برعاية الرئيس الأمريكي بوش الأب بداية محطة رئيسية في عملية السلام، حيث رأي الرئيس بوش أهمية عقد هذا المؤتمر لإرضاء الدول العربية التي تحالفت مع الولايات المتحدة في الحرب التي استهدفت طرد القوات العراقية التي احتلت الكويت، وأرسي هذا المؤتمر مبدأ »الأرض مقابل السلام« كمرجعية للمفاوضات علي أساس إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية والفلسطينية مقابل السلام، لكن نتنياهو تجاهل هذا المبدأ ورفض العودة إلي حدود 1967، ثم ركز علي أهمية وأولوية الأمن بالنسبة لإسرائيل وتحول بذلك إلي مبدأ آخر هو »الأمن مقابل السلام«. وللتذكرة كذلك فإن اسحق شامير كان وقت مؤتمر مدريد غير راغب في عقد المؤتمر أو حضوره، ولكن بوش الأب أرغمه علي ذلك، وخرج شامير من المؤتمر لينسب إليه قول إن اسرائيل ستفاوض الفلسطينيين عشر سنوات، وكان المعني أن إسرائيل ستتفاوض من أجل التفاوض دون التوصل إلي نتائج لأمد طويل.

2- جرت بعد ذلك مفاوضات بين الفلسطينيين وحكومة أسحق رابين، وبالتوازي لها جرت مفاوضات سرية بين الطرفين أسفرت عن »اتفاق أوسلو« (1) الذي وقع برعاية الرئيس الأمريكي كلينتون في واشنطن في سبتمبر 1993، وتضمن تبادل إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية الاعتراف، ووُقع إعلان مبادئ لحكم ذاتي فلسطيني لفترة انتقالية مدتها 5 سنوات، وفي مايو 1994 تم الاتفاق علي الحكم الذاتي لغزة وأريحا في القاهرة، وقضي الاتفاق بانسحاب إسرائيل من %70 من أراضي غزة ومن أريحا بالضفة الغربية.

3- ووقع »اتفاق أوسلو« (2) في واشنطن في سبتمبر 1995 لتوسيع نطاق الحكم الذاتي الفلسطيني في الضفة الغربية اعقبه »اتفاق واي بلانتيشن« بالولايات المتحدة في أكتوبر 1998 لترتيب بعض الانسحابات من الضفة الغربية.

ورعي الرئيس كلينتون محادثات قمة مع الراحل ياسر عرفات وإيهود باراك في كامب ديفيد في يوليو 2000 استمرت حوالي أسبوعين، أعقبها أيضا محادثات قمة أخري في البيت الأبيض في ديسمبر 2000، لكن تحطم اتفاق الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني علي صخرة تقرير مصير القدس واللاجئين الفلسطينيين، وكان دخول أرييل شارون إلي ساحة المسجد الأقصي بحراسة الجنود الإسرائيليين استفزازاً خطيراً فجّر الانتفاضة الثانية للفلسطينيين في 28 سبتمبر 2000.

وجرت بعد ذلك مفاوضات في »طابا« المصرية في نهاية ديسمبر وأوائل يناير أحرزت تقدماً، إلا أنها لم تحقق اتفاقاً، حيث جرت الانتخابات الإسرائيلية وأسفرت عن هزيمة باراك وحزب العمل، وتولي شارون علي رأس حكومة يمينية لم تكن راغبة في اتفاق سلام مع الفلسطينيين.

4- وتبنت القمة العربية التي انعقدت في بيروت عام 2000 »مبادرة السلام العربية« دعماً للفلسطينيين والدول العربية المحتلة أراضيها، بطرح هذه المبادرة التي تقضي بانسحاب إسرائيلي من الأراضي المحتلة عام 1967، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة علي خطوط 4 يونيو 1967، وإيجاد حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين وفقاً لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 مقابل اتفاق سلام بين الدول العربية وإسرائيل والتطبيع معها، مع ذلك تجاهلت هذه المبادرة حكومة شارون والحكومات الإسرائيلية اللاحقة، لكن التصريحات الأخيرة لوزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون بعد إطلاق المفاوضات المباشرة من واشنطن، أكدت في عمان (الأردن) في 9/15 أهمية المبادرة العربية وألمحت إلي الإسرائيليين قائلة »اقرأوها فهي وثيقة صادرة عن الزعماء العرب وتطرح حلاً سلمياً قائماً علي حل الدولتين«.

5- وبعد صدور المبادرة العربية للسلام، سعت واشنطن إلي إخراج وثيقة خطة »خريطة الطريق« الدولية عام 2003، وتعهدت اللجنة »الرباعية الدولية« لسلام الشرق الأوسط المكونة من الولايات المتحدة - روسيا- الاتحاد الأوروبي- والأمم المتحدة، الإشراف علي تنفيذ خريطة الطريق التي اتخذت من مبادرة السلام العربية إحدي مرجعياتها - وذلك علي3 مراحل تبدأ من مايو 2003 وتنتهي في ديسمبر 2005 وتعالج القضايا الست الجوهرية للنزاع وهي: الحدود - المستوطنات - القدس - اللاجئون - المياه - الأمن. وبهدف إقامة دولة فلسطينية مستقلة ديموقراطية بنهاية المرحلة الثالثة.

ورغم أن المرحلة الأولي من خريطة الطريق التي أعلنت الحكومة الإسرائيلية الالتزام بها وحدها - تنص علي التزامين متقابلين هما ضبط الأمن بالضفة الغربية من الجانب الفلسطيني وهو ما تحقق فعلاً بإشراف الجنرال الأمريكي دايتون علي قوي الأمن الفلسطيني بالضفة، والتزام إسرائيلي بالوقف الكامل للنشاط الاستيطاني، مع ذلك استمر الاستيطان وتوغل في الضفة وفي القدس الشرقية المحتلة قاضبا أراضي الدولة الفلسطينية المستقبلية.

6- وأهمل الرئيس بوش الابن دفع المفاوضات لانشغاله بالحرب في أفغانستان وفي العراق، إلي أن حلت السنة الأخيرة من عهده حيث دعا إلي عقد »مؤتمر أنابوليس« الدولي للسلام برعايته في نوفمبر 2007، وحضرته حوالي 50 دولة ومنظة دولية بحضور الأطراف المعنية بالنزاع، ووعد بوش بالعمل علي إقامة دولة فلسطينية مستقبلة ضمن حل الدولتين، وتكثفت المفاوضات بعد المؤتمر بين السلطة الفلسطينية وحكومة أولميرت برعاية كوندوليسا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية، وتحقق تقدم في تسوية معظم القضايا الجوهرية ومنها الحدود والترتيبات الأمنية، لكن المفاوضات انهارت كنتيجة لعدوان حكومة أولميرت علي غزة بنهاية ديسمبر 2008 من أجل فرض الاستسلام علي شعب غزة والقضاء علي حكومة حماس وحكومتها القائمة، لكن الهدف السياسي للحرب لم ينجح.

7- وعندما تولي الرئيس أوباما في 20 يناير 2009 -وعلي عكس الرؤساء الأمريكيين السابقين- أظهر اهتماماً كبيراً منذ الأيام الأولي لعهده بالقضية الفلسطينية وإنهاء النزاع العربي - الإسرائيلي برمته وتحقيق سلام شامل. وأعلن في اليوم الثالث من ولايته تعيين السيناتور السابق الوسيط المحنك الذي ساعد علي حل مشكلة أيرلندا العويصة - مبعوثاً رئاسياً خاصاً بسلام الشرق الأوسط. وتولد لدي الفلسطينيين والعرب شعور بأن الرئيس أوباما رجل صادق وراغب في حل الصراع وفتح صفحة جديدة مع العالمين الإسلامي والعربي، خاصة بعد خطابه من جامعة القاهرة في 4 يونيو 2009 والذي أكد فيه »حل الدولتين« وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة القابلة للحياة إلي جانب إسرائيل والمطالبة بالوقف الكامل للاستيطان الإسرائيلي في الأراضي المحتلة باعتباره غير شرعي.

8- وقام المبعوث الأمريكي ميتشيل بأكثر من 20 جولة مكوكية بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني وبزيارات للدول العربية الرئيسية المهتمة بالسلام وعلي رأسها مصر، إلا أن اتصالاته وسعيه لوقف الاستيطان بالكامل فشل بسبب التصلب الإسرائيلي، إلي أن نجحت جهود الرئيس أوباما والمجتمع الدولي في قبول نتنياهو بوقف جزئي ومؤقت للاستيطان في الضفة الغربية لمدة 10 أشهر ابتداء من 26 نوفمبر 2009 إلي 26 سبتمبر 2010. لكن مع استباحة نتنياهو للاستيطان والتهديد في القدس الشرقية المحتلة، ورفضت السلطة الفلسطينية الدخول في مفاوضات مع إسرائيل، إلي أن أفلحت الإدارة الأمريكية وميتشيل في إقناع الطرفين بإجراء »مباحثات التقريب« Proximity Talks من أجل تقريب وجهات نظرهما بخصوص قضيتي الأمن والحدود، إلا أن هذه المباحثات لم تحرز تقدماً وكان مقرر لها 4 شهور ابتداء من 5/9 بسبب مراوغات نتنياهو وإصراره علي تناول قضيتي الأمن والحدود وباقي قضايا الحل النهائي عبر »مفاوضات مباشرة« وجهاً لوجه مع السلطة الفلسطينية للاستفراد بها ومحاولة فرض شروطه وهو الطرف الأقوي في المعادلة مع الفلسطينيين دون تدخل أو ضغوط من أي جهة كانت بما فيها إدارة أوباما.

9- ونتيجة تعثر المباحثات عن قرب، ولإصرار نتنياهو فقد طرحت الإدارة الأمريكية الدخول في مفاوضات مباشرة ودعت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون، نتنياهو والرئيس أبومازن في 8/20 إلي استئناف المفاوضات المباشرة التي توقفت لمدة 20 شهراً - في واشنطن في 9/2. وقد رحب الطرفان بالدعوة، وبدأت المفاوضات بالفعل، لكن واجه استمرارها عقدة توجه حكومة نتنياهو إلي عدم تمديد تجميد الاستيطان بعد 9/26.

وهكذا بات مصير المفاوضات المباشرة بل والتسوية برمتها معلقاً علي موقف نتنياهو وكذلك علي موقف إدارة أوباما التي رمت بثقلها وراء هذه المفاوضات ورعتها وقادتها إلي مستقبل مشوب بالضبابية وعدم اليقين، وعليها وعلي المجتمع الدولي مسئولية انضباط حكومة نتنياهو والتزامها بالشرعية الدولية.