ما بعد حرق الزرع جيرة!!

 رجائي عطية   المفترض في المفاوضات، أي مفاوضات، أنها تتغيا الوصول إلي صيغةٍ يرتضيها المتفاوضون، ومن المحال أن يرتضي المتفاوضون حلولاً جانحة تميل علي طرف لحساب آخر، فتفقد »العد

رجائي عطية

المفترض في المفاوضات، أي مفاوضات، أنها تتغيا الوصول إلي صيغةٍ يرتضيها المتفاوضون، ومن المحال أن يرتضي المتفاوضون حلولاً جانحة تميل علي طرف لحساب آخر، فتفقد »العدل« وهو أساس الرضاء والتفاهم والتراضي.

والمفاوضات المباشرة التي دُفِعَ الفلسطينيون للالتقاء فيها مع الإسرائيليين، تفترض أن غايتها سلام عادل يرتضيه الطرفان، يرتفع به السلاح، ويرفع غصن الزيتون، وترفرف حمامة السلام..

لذلك فلا معني للمفاوضة إذا تضمن موقف أحد الطرفين المصادرة المسبقة علي المطلوب. ومن هنا لم أفهم ولا أظن أن أحداً يمكن أن يفهم كيف تجري مفاوضات ويقبل الفلسطينيون المضي فيها، بينما تتمسك إسرائيل بيهودية الدولة، وبوقف تجميد بناء المستوطنات. إن التمسك بيهودية الدولة معناه تكريس للعنصرية وإهدار تام لحقوق الفلسطينيين الباقين في إسرائيل، وتغليق الأبواب في وجه أصحاب الحق في العودة إلي ديارهم التي طردوا منها. والغريب أن يلقي هذا التعصب الضرير قبولاً من الولايات المتحدة التي لم تجد أي غضاضة في أن تعلن أنها تقر »يهودية« إسرائيل.. فماذا لو حذت دول العالم حذو إسرائيل، فأعلنت كل دول أوروبا الغربية والشرقية، وبها أغلبية مسيحية ـ »مسيحية« الدولة، وحذت حذوها دول الأمريكيتين، ورأت الدول ذات الأغلبية الإسلامية أنها لا يجوز عدلاً أن تتخلف عـن مجاراة ذلك، فأعلنت كل منها ـ بدورها ـ »إسلامية« الدولة، ليتحول العالم كله إلي دول »مسيحية« ودول »إسلامية«، لا لشيء إلاّ لأن الكيان الإسرائيلي، وهو الوحيد في العالم الغالب فيه اليهود، يريد إشهار »يهودية« الدولة، وتكريس زرع العنصرية الدينية التي سوف يعاني العالم كله من ويلاتها إذا تركت إسرائيل وما تريده!!

والغريب جدا أن ينفي محمود عباس الرئيس الفلسطيني المنتهية ولايته ـ أن يكون قد اعترض علي طلب سلطات الاحتلال الاعتراف بـ»يهودية« إسرائيل، وتطوع سيادته فأبدي ـ لا فض فوه! ـ خلال لقائه بقادة اللوبي الصهيوني وجمعيات أمريكية في نيويورك ـ أبدي أن من حق إسرائيل أن تسمي نفسها بما تشاء لأن ذلك شأن إسرائيلي داخلي لا يهم سيادته! وزاد فأجاب بالإيجاب علي سؤال عما إذا كان الفلسطينيون سيؤيدون قراراً من الكنيست بإعلان إسرائيل دولة يهودية، وقال بالفم المليان : نعم!!!

وفي الوقت الذي يطلق الرئيس الفلسطيني هذه التصريحات الخايبة، فإن ليبرمان يدعو لبحث ترحيل »عرب 48« وكان نتن ياهو قد صرح مراراً أنه يجب علي الفلسطينيين التخلي وصرف النظر عن حق العودة إلي ديارهم!!!

علي أن الولايات المتحدة لم تجد ولا من يوالونها، ذريعة أو تعلة لإقرار »الاستيطان« أو الدفاع عن المضي فيه.. فالاستيطان تكريس صريح للاحتلال المتغيا ـ بالمفاوضات ـ الإقلاع عنه ليكون للفلسطينيين دولتهم علي المتبقي لهم من وطنهم الذي اغتالته الصهيونية. فكيف يتفاوض الفلسطينيون علي استرداد أراضيهم المحتلة وإقامة دولتهم عليها، بينما إسرائيل ماضية في بناء المستوطنات علي ذات الأرض المفترض أن تقوم عليها الدولة الفلسطينية حسبما يقال إنه هدف المفاوضات المباشرة لإمكان إحلال السلام ؟!

لقد توالت »المناشدات« لإسرائيل، وآخرها من الرئيس أوباما في خطابه من أيام أمام الجمعية العامة بالأمم المتحدة، أن تمد تجميد ـ لا إلغاء!!! ـ بناء المستوطنات، وحاذاها تصريحات ومناشدات متعددة صادرة من الرباعية الدولية، وسكرتير عام الأمم المتحدة، ومن رؤساء الدول الغربية الكبري، ترجو إسرائيل وتمعن في الرجاء ـ أن تتفضل بمد » تجميد« بناء المستوطنات، لأن رفـع »التجميد« واستئناف البناء ينسف المفاوضات نسفا ويفرغها من أي مضمون أو غايـة يرتضيـها العقلاء!

ومع أن الرئيس الفلسطيني قد انزلق إلي التصريح بأن »يهودية« إسرائيل شأن داخلي لها لا يعنيه، ولم يعترض ـ هكذا!! ـ عليه، إلاّ أنه لم يجد بداًّ من التصريح بأن استئناف العمل بالمستوطنات يعني نسف وإنهاء المفاوضات فورا!

واعتراض الرئيس الفلسطيني، يراه معه العالم بأسره، إلاّ إسرائيل.. وهي لا تعدم تسريب التعلات بأن نتن ياهو لا يستطيع اتخاذ هذا القرار وإلاّ انفجر إئتلافه الحكومي! فإذا كانت هذه »التعلة« صادقة، فإن معناها أعمق وأدهي وأخطر، وهي أن المجتمع الإسرائيلي برمته مجتمع حرب لا يرتضي السلام.. ما دام لا يرتضي التوقف عن الاستيطان ويستمرئ استمراره في الأراضي المحتلة المفترض أن تعاد إلي الفلسطينيين لتقام عليها دولتهم الموعودة!

وهذا التعلل بالتيارات الإسرائيلية المعارضة لتجميد الاستيطان، يكشف للمشكلة أبعاداً أعمق وأخطر يغدو معها الاستمرار علي طاولة المفاوضات المباشرة أو غير المباشرة، نوعاً من الخبل والخرف والهطل والبلاهة، فضلا عن التفريط! لا تملك إلا أن تتابع مدهوشا المناشدات والرجوات العالمية الموجهة إلي إسرائيل، ومن الولايات المتحدة ولية نعمتها فضلا عن الدول الغربية الكبري ذات الأثر، بينما تتمنع إسرائيل، ولا تعطي سوي أذن من طين وأخري من عجين، ومع ذلك لا تزال النوايا العربية الحسنة ـ أو الغافلة ـ آملة لماذا لست أدري، في أن تنتج المفاوضات حلاًّ برغم هذه المصادرة التي لا تبذل إسرائيل أي جهد ولو لمداراتها!!

أيها السادة.. لا معني للتفاوض إذا أصرت إسرائيل علي »يهودية« الدولة وعلي إستئناف الاستيطان. بل لا معني للتفاوض ما لم تقلع إسرائيل إقلاعاً واضحاً عن سياسة الاستيطان التي لا معني لها سوي تكريس الاحتلال وفرض إسرائيل فرضاً علي كل فلسطين التي سوف تصير أثرا بعد عين، بل أطلالاً لوطن كان قبل أن يغتاله أبناء صهيون!

أيها السادة. لن ينال السلام من لا يكون قادراً علي الحرب!!