مؤتمر القمة الاقتصادية وتنظيم المدفوعات النقدية

من الأمور التي أسعدتني فعلاً ما تم نشره مؤخراً عن انعقاد مؤتمر القمة الاقتصادية العربية بشرم الشيخ في يناير المقبل، وتضمين جدول أعماله موضوع تنفيذ السوق العربية المشتركة، وهو الموضوع...

من الأمور التي أسعدتني فعلاً ما تم نشره مؤخراً عن انعقاد مؤتمر القمة الاقتصادية العربية بشرم الشيخ في يناير المقبل، وتضمين جدول أعماله موضوع تنفيذ السوق العربية المشتركة، وهو الموضوع الذي يتم الحديث عنه وتتداوله أجهزة الإعلام العربية منذ الموافقة علي اتفاقية السوق العربية المشتركة في عام 1965، والتي لم يتم تنفيذها حتي الآن، إلا في التصريحات الرسمية والحكومية، ولقد قيل إن إنشاء منطقة التجارة العربية الحرة في مطلع هذا القرن ما هو إلا بداية لإنشاء السوق، ثم تبين ان ذلك ليس صحيحاً، خاصة أن المنطقة نفسها مازالت تعترضها صعوبات حيث إن هناك أعضاء يضعون العراقيل في طريقها »الجزائر والسودان«.


كما أن ما أسعدني أكثر هو ما تضمنته مراحل تنفيذ السوق في البرنامج الزمني المعروض، بالنسبة لتبني نظام للمدفوعات وتحديد سياسات أسعار الصرف، وإصدار العملة العربية الموحدة، وإقامة بنك مركزي عربي واحد وتفعيل صندوق النقد العربي، الذي تم إنشاؤه في عام 1978!! وكلها أمور نقدية لم تتم مناقشتها من قبل لا من الصندوق ولا من مجلس الوحدة الاقتصادية العربية الذي تضمنت اتفاقيته أيضا هذه الأمور.


وإذا تركنا بعض البنود التي وردت في تصريح جامعة الدول العربية عن انعقاد مؤتمر القمة الاقتصادية التي تخص مجالات نقدية عن تنظيم المدفوعات بين الدول العربية، وهي بنود تم استبعادها من المناقشة في اجتماعات عديدة سابقة دون أسباب واضحة، فإنه يهمني التأكيد علي أن تسهيل المدفوعات بين الدول العربية التي وردت ضمن المادة الرابعة من اتفاقية صندوق النقد العربي كهدف أساسي، والتي وردت أيضا مؤخرا في تصريح جامعة الدول العربية كبند أساسي ضمن إنشاء السوق العربية المشتركة في مرحلتها الثالثة تحت عبارة »تبني نظام للمدفوعات«، لا تعني مجرد تسهيل إجراءات إدارية أو اختصار خطوات عملية، ولكن لها مضمونها النقدي الذي يمتد الي أبعد من ذلك بكثير.


إن تسهيل المدفوعات بين الدول العربية أصبح أمراً ميسراً وسهلاً جداً في عالم الاتصالات السريعة وتكنولوجيا المعلومات الذي نعيشه حالياً، غير أن المطلوب لتنفيذه والاستفادة منه أن يغطي عدداً من المحاور لكي يمكن أن ينتج الأثر الذي تقرر من أجله منذ بدأ التفكير فيه عندما وضعت اتفاقية خاصة له في عام 1953 هي اتقاقية »تسويد المدفوعات الجارية وانتقال رؤوس الأموال بين الدول العربية« التي لم تنفذ أيضاً، بالرغم من ان اتحاد المدفوعات الأوروبي أخذ من الأفكار الواردة بها، خاصة فيما يتعلق بتصفية المقاصة المتعددة الأطراف بين الدول الأعضاء:


1ـ المحور الأول ويتعلق بالخطوات والإجراءات التي يتم اتخاذها لإتمام التحويلات النقدية بين دولة وأخري، التي كانت تستغرق وقتاً طويلاً في الماضي حيث يبدأ التحويل بطلب من المستورد للبنك المحلي ثم من البنك المحلي الي البنك المركزي المحلي ثم الي البنك المركزي في الدولة المصدرة ومنه الي البنك المحلي الذي يقوم بالاتصال بالمصدر وإبلاغه بوجود تحويل باسمه من المستورد، وبعد ذلك تبدأ العملية التجارية في التنفيذ التي كانت تستغرق وقتاً طويلاً أيضاً، وهو ما كان يمكن اختصاره بعض الوقت طالما ان هناك اعتماداً مفتوحاً لصالح المصدر، أما في هذا العصر بعد ثورة الاتصالات والتكنولوجيا فإنه يمكن اختصار كل هذه الخطوات في خطوة واحدة وفي يوم واحد فقط، حيث تبدأ العملة التجارية في التنفيذ فوراً بعد التحويل مباشرة ولا تستغرق إلا أياما قليلة تتضمن الوقت اللازم للشحن والتفريغ والتسليم والتسلم، وهو ما لجأت اليه جميع التنظيمات النقدية الإقليمية التي استطاعت مضاعفة معدلات حجم التجارة البيئية نتيجة هذا التطور.


2ـ المحور الثاني وهو الذي يتعلق بالائتمان بين المستوردين والمصدرين في الدول الأعضاء داخل التنظيم، حيث لم يعد الدفع النقدي ضروريا في أغلب الحالات، ويمكن تجزئته علي دفعات تؤدي الي انسياب العملية التجارية دون تأجيل نتيجة عدم توافر السيولة لدي المستوردين وعدم تقاضي القيمة نقداً بالنسبة للمصدرين، وهو ما كان عاملاً مهماً في زيادة حجم التجارة البينية الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية ومن خلال التنظيم الذي تم وضعه في »اتحاد المدفوعات الأوروبي«، وذلك عندما نضبت العملات الأجنبية لدي الدول الأوروبية بينما كانت هذه الدول تتهيأ لإعادة فتح مصانعها وتشغيل العاملين بها وزيادة إنتاج السلع التي تغطي احتياجات المواطنين في كل منها مع فائض للتصدير الي الدول الأوروبية الأخري، ومن هنا بدأت فكرة المقاصة التي قام علي أساسها »اتحاد المدفوعات الأوروبي« والتي تقوم علي تحديد مركز واحد دائن أو مدين لكل دولة من الدول الأوروبية مقابل الدول الأخري.


3ـ المحور الثالث والمهم جداً، والذي قد يتناساه المخططون في الدول العربية هو إنشاء الصناديق التي تعمل علي سداد المراكز المدينة من واقع المراكز الدائنة التي تتقاضي مستحقاتها علي دفعات زمنية تختلف حسب الأرصدة التي تسفر عنها المراكز المدينة والدائنة، وبحيث تحصل كل دولة دائنة علي القيمة التي ساهم بها في الاتحاد بالشروط والآجال التي وافقت عليها دون إجبار لها ومقابل استمرار التجارة بينها وبين الدول الأعضاء في التنظيم دون توقف، وعندما رُئي ان الدول الدائنة في الاتحاد قد لا تستطيع المساهمة في تمويل المراكز المدينة بالنسبة المطلوبة منها أو بنسبة أكبر، فإنه يكون مطلوبا من بعض الدول الأعضاء الأخري وذات الفائض النقدي ان تساهم بحصة في التمويل لكي لا تتوقف عمليات التجارة مع بعض الدول التي تسفر مراكزها النهائية عن مديونية كبيرة، وإلي أن تتمكن هذه الدول من استعادة نشاطها الإنتاجي وتحقيق فائض تجاري قبل الاتحاد يساعدها علي سداد مديونيتها كبديل عن السداد النقدي، ومن المعروف أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت تساهم في تمويل »اتحاد المدفوعات الأوروبي« بمبالغ كبيرة كدعم منها لاستعادة التقدم الأوروبي وإعلان حرية تحويل العملات الأوروبية الذي تم فعلا عام 1961.


4ـ المحور الرابع، وهو الأكثر أهمية في التنظيم المطلوب، هو إنشاء صناديق لتمويل إنشاء المشروعات الإنتاجية المطلوبة في دول العجز لإنتاج سلع وخدمات تغطي غرضين، الغرض الأول لزيادة القوي الإنتاجية المحلية اللازمة لاستهلاك المواطنين والتي تساعدهم علي الحد من الاستيراد من خارج المنطقة، وتؤدي تدريجيا إلي توازن في الميزان التجاري مع باقي الدول الأعضاء، والغرض الثاني لإنتاج سلع تتطلبها دول الفائض وتستوردها من دول العجز سدادا لدائنيتها عليها، وبالشكل الذي يساعد علي تخفيض الرصيد النقدي المطلوب للدول الدائنة، ومن الطبيعي أن الدول الدائنة في التنظيم ستفضل الشراء من الدول المدينة لأنه يساعد علي استمرار التجارة البينية بين جميع دول المنطقة واقتضاء مديونيتها لدي الاتحاد، وغالباً ما يشترك خبراء إنتاج من الدول الدائنة في خطة تقرير السلع المطلوبة من الدول المدينة، بالاستعانة بخبراء فنيين من الدول المتقدمة ومن مشروعات الإنتاج المثيل في هذه الدول، بالإضافة إلي خبراء عالميين في إنتاج السلع المماثلة كالسيارات والإطارات والسلع الهندسية والمعدنية وجميع السلع الغذائية والسلع المغذية الأخري.


أقول إن تنظيم المدفوعات بين الدول العربية الذي سيعرض علي مؤتمر القمة لتنفيذه في المرحلة الثالثة للسوق العربية المشتركة، وهو ما أعلن في اجهزة الإعلام مؤخراً، يتعين ان ينتقل الي المرحلة الأولي بدلاً من الثالثة، لأن به وعن طريقه فقط سيتم إنشاء السوق العربية المشتركة التي تتم مناقشة تنفيذها خلال ما يزيد علي خمسين عاماً دون تنفيذ، ولكن عرضه يتطلب وضوحاً كاملاً لخطواته وأهدافه التي لا يمكن صياغتها في مشروع متكامل إلا عن طريق البنوك المركزية العربية.


والله يوفق المؤتمر إلي التركيز علي هذا الموضوع وإصدار القرار العملي اللازم بشأنه.