من وحي الحج .. هجرة المسلمين إلى يثرب والبيت العتيق

توالت هجرة المسلمين إلي يثرب، فراراً بدينهم وأنفسهم من طغيان قريش.. تاركين وراءهم دورهم وأموالهم، مهاجرين إلي الله.. متجهين إلي طاقة الأمل التي فتحت لهم بالمدينة، ومخلفين وراءهم قري

رجائي عطية
 (13) توالت هجرة المسلمين إلي يثرب، فراراً بدينهم وأنفسهم من طغيان قريش.. تاركين وراءهم دورهم وأموالهم، مهاجرين إلي الله.. متجهين إلي طاقة الأمل التي فتحت لهم بالمدينة، ومخلفين وراءهم قريشاً وما أوغلت فيه من ضلالات ختي خلطت الشرك بالحج إلي البيت العتيق، فجعل هؤلاء الكفار يلبون تلبية حمقاء، مليئة بالشرك، ينقضون في ختامها ما بدأوا به التلبية.. يقولون: »لبيك اللهم لبيك«، ولكنهم يقرنون باقي التلبية بأن لله شريكا.. تعالي سبحانه عما يصفون.. يقولون في لغوهم: »: »لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك«!!!   وتتوالي هجرة المسلمين إلي يثرب، ويشهد أحد أحياء مكة الصحابي صهيب بن سنان وقد احتمل زاده وماله ومتاعه يلتمس طريقه إلي خارج مكة مهاجراً.. فيطير الخبر إلي قريش، ويخرج بعض طواغيتها في طلبه وقد أعماهم الغضب، ويلحقون به بظاهر مكة.. ولكن صهيبا يقف لهم قائلا: »لقد علمتم أني من أرماكم رجلاً.. وأيم الله لا تصلون إلي حتي أرمي بكل سهم معي في كنانتي.. ثم أضربكم بسيفي حتي لا يبقي في يدي منه شيء، فأقدموا إن شئتم!«.. وبعد جدال طويل ـ لا يجد القرشيون بدا من تركه يهاجر بعد أن دلهم علي ماله الذي خلفه بمكة، وأعطاهم أمارة لأخذه، بينما استأنف صهيب هجرته إلي الله.   ومن المدينة، تتوالي الأنباء بأنها فتحت أبوابها للمهاجرين القادمين من مكة.. وفتح الأنصار لهم الديار والأحضان والأمان.. لا يكاد يمضي يوم إلاّ ويفد إلي المدينة مهاجر قادم عبر الصحراء الموحشة إلي حيث الأمل الجديد للدعوة المحاصرة في مكة.. يمضي عبادة بن الصامت، صاحب البيعتين ونقيب عشيرته الخزرج، حاثاً إياهم أن يفتحوا ديارهم للمسلمين المهاجرين.. يقول لهم لقد بايعنا رسول الله صلي الله عليه وسلم علي أن نكون له وللمسلمين سنداً وظهيراً، لانخاف في الله لومة لائم.. يتحدث الرواة عن جود سعد بن عبادة وكرمه الذي يجل عن الوصف.. الرجل من الأنصار ينطلق إلي داره، بالواحد من المهاجرين، بينما ينطلق سعد بن عبادة بالعشرين.. ويسأل ربه المزيد!!.. بينما ينطلق سعد بن معاذ زعيم الأوس فيفتح كافة أبواب ديـار بنيعبد الأشهـل للمهاجرين، ويضـع أموالهم تحت تصرفهم في غير مَنِّ ولا أذي.. ولا حساب!!   ويمضيعبد الله بن رواحة، النقيب صاحب البيعتين ـ يمضي متفقداً أحوال المهاجرين بين الدور.. لايكل ولا يمل من بذل مالديه براً وتواصلاً وتكافلاً ورحمةً .. ويصـل الزبيـر بن العــوام، وطلحــة بن عبيد الله ، فيستقبلهما الأنصار بخير مايستقبلون به المهاجرين.   ثم يصل عبد الرحمن بن عوف، فينزل علي صديقه سعد بن الربيع.. وما يكاد سعد يكفكف عن المهاجر وعثاء الطريق، إلاّ ويبادره حانيا.. »أخي، أنا أكثر أهل المدينة مالاً، فانظر شطر مالي فخذه«. ولكن عبد الرحمن بن عوف يرد شاكراً: »بارك الله لك في أهلك ومالك.. وإنما فقط دلوني علي السوق«.. وخرج الصحابي عبد الرحمن، وكان مشمولا بالبركات.. فذهب إلي السوق يشتري، ويبيع، ويربح من عمل يده.   وفي الحبشة، تأتي الأخبار للمهاجرين بها وقد طالت أشواقهم إلي منبع الوحي.. تأتيهم الأخبار بأن الله تعالي قد أذن بالهجرة إلـي يثرب.. وأن الرسول صلي الله عليه وسلم قد أبلغ الإذن للمسلمين فأخذوا يخرجون تباعاً إلي حيث النور الذي بزغ.. ويتواعد علي الخروج رأساً من الحبشة إلي المدينة، جعفر بن أبي طالب، وخالد بن سعيد بن العاص.. ومن بقي معهما بالحبشة من طلائع الهجرة الأولي.. يبدأون رحلتهم وأنظارهم مشدودة إلي النور الذي هناك!   وفي مكة، أخذ عدد المسلمين يتناقص بقدر من يفلح في الهجرة واللحاق بيثرب.. تأتي الأخبار من هناك تؤكد أن الأنصار فتحوا ديارهم بكرم وأخوة ومحبة للمهاجرين.. نزل عمر بن الخطاب ومن لحق به من أهله لدي بني عمرو بن عوف بقباء، ونزل الزبير بن العوام وأبو سبرة عند منذر بن محمد بن عقبة.. ونزل صهيب بن سنان لدي خُبيب بن إساف، وطلحة بن عبيد الله لدي أسعد بن زرارة أخي بني النجار، ونزل مصعب بن عمير عند سعد بن معاذ، ونزل عثمان بن عفان عند أوس بن ثابت بن المنـذر، واستضـاف أسعـد بـن زرارة وبنـو عمرو بن عوف، حمزة بن عبد المطلب، ويزيد بن حارثة، ونزل عبد الرحمن بن عوف في رجال من المهاجرين لدي سعد بن الربيع .. ونزل عزاب المهاجرين عند سعد بن خيثمة.. راعوا أنه أعزب مثلهم …ولم يبق بيت من بيوت الأنصار إلاّ وفتح أبوابه مرحبا بتلقي المهاجرين إلي الله..   ومع توالي هجرة المسلمين، يتطلع أبو بكر الصديق شوقاً إلي الهجرة، يحادث الرسول صلي الله عليه وسلم في ذلك غير مرة، ولكنه لا يظفر بإجابة تشفي أشواقه.. يعاود الاستئذان من النبي صلي الله عليه وسلم حتي يلحق بإخوته المهاجرين في المدينة.. فيقول له النبي في رفقٍ ومودة: »لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحباً«، فيتأمل أبو بكر في كلمات الرسول مليا.. يأمل أن يكون في الصحبة التي فهم أن النبي صلي الله عليه وسلم يلمح إليها..