في‮ »‬كمبيوتر‮« ‬الخلائق‮!‬

محمود گامل   لم يعد من الممكن أن نقبل أسئلة تنتظر »إجابات مقولية«، ولا أن نقبل إجابة عن »أسئلة لم توجه بعد« في تصور من صاحب السؤال أن لدينا قدرة...

محمود گامل

لم يعد من الممكن أن نقبل أسئلة تنتظر »إجابات مقولية«، ولا أن نقبل إجابة عن »أسئلة لم توجه بعد« في تصور من صاحب السؤال أن لدينا قدرة سحرية علي قراءة أسئلة الضمير، ذلك أننا - في زمن الريبة هذا - مطالبون جميعًا »بصراحة القول« - سؤالاً وإجابة - بحثًا عن الحقيقة الغائبة، وحتي لا نعود إلي قديم »الخوف« من السلطة الغاشمة التي كانت »تحاسب« الناس »تعذيبًا« عما في ضمائرهم، بغير توجيه اتهام محدد، لعدم وجود تهمة أصلاً تلذذًا بسادية التعذيب عند بشر فقدوا كل إحساس بشري، بطول استمتاعهم بآهات التعذيب، و»الأنّات« الخارجة من نخاع عظام المعذبين، خلال تكسير تلك العظام مقدمة لتحويل أعظم ما خلق الله إلي كومة من »عظم ولحم« يلحقها الموت براحة الهرب إلي الله، حيث لا يظلم عنده أحد، مسجلاً في »دفاتر كونه« بالدقيقة واللحظة كل ما يتعرض له المخلوق، وكل ما يفعل في الفراغ الزمني الواقع بين لحظتي الميلاد.. والموت!

وكما أن شجاعة »المواجهة« والتمسك بالمواقف مهما كانت النتائج »جينات موروثة«، فإن الخوف من كل شيء، وأي شيء هو »عادة مكتسبة« بحكم مناخ في التربية يأخذ »بمبدأ السلامة« التي لن تنقص من المقدور ولن تزيد، ذلك أن كل ما يتعرض له المرء في حياته مسجل في دفاتر مكتوبة داخل »كمبيوتر الخلائق« الذي لا تفوته صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وهو ما تعلمته - صبيا في الثامنة - من أبي رحمة الله عليه ضمن خريطة تصرفات التزمت بها من لحظتها، وحتي أوان الرحيل بقوله: إن إنسانًا »مهما كان نفوذه« لا يملك أن يطيل عمرك يومًا، ولا أن يخصم من رزقك قرشًا، فتصرف في حياتك علي أساس هذه الحقيقة، وكان ذلك أعظم الميراث، به واجهت متاعب كثيرة إلي أن تعلمت - قبل نهاية العمر - حقيقة إن كل شيء بيد الله بعد أن نبذل كل الجهد البشري الممكن لنترك نتائج الختام لصاحب الأمر كله، وأدركت معها أن »الملتزم فقط« هو الذي يربح - في نهاية المطاف - احترام الخلق مع الطمع في رحمة الله!

ولعل أعظم ما حققته »ثورة يناير« هو أن المصريين قد نجحوا في »كسر حاجز الخوف« الذي بناه جهاز أمن مبارك الجهنمي، والذي سقط مع سقوطه مبارك نفسه، وإن لم يسقط نظام حكمه بعد، وهو ما يستحق جهدًا مصريا أكبر من جهد إسقاط رأس النظام الذي يشبه كثيرًا قطع رأس الأفعي، بينما ذيلها ما زال يلعب في كل مكان مع محاولة من بعض »جراحي النظام« إعادة الرأس إلي بقية الأفعي في محاولة لن تنجح، ذلك أن الأفعي نفسها كانت عجوزاً جداً وفي النزع الأخير عندما سقط علي رأسها سيف الثورة، وسوف تكون أمام المصريين مهمة شاقة هي قتل كل الأفاعي الصغيرة الناتجة عن بيض كثير للأفاعي طوال ثلاثة عقود، موجود في كل شق، وتحت كل شجرة، وبعض هذا البيض خلف قضبان محكمة بطيئة لا ندري ما إذا كانت تلك المحاكمة هي رقود علي البيض حتي يفقس، أم أنها ترك للبيض دون رقاد حتي يموت سكان ذلك البيض الخبيث!

ولم يعد أمامنا - لحماية ثورة يناير - سوي »شفافية المصارحة« في كل شيء، وفي كل مكان، ذلك أن الشفافية وحدها هي »الريح الصرصر« التي تكتسح كل الغيوم الجاري الآن - لسبب لا نعلمه، وخطة لا نفهمها - تجميعها في سماء الحياة المصرية، بعضها بفعل الحرائق التي يشعلها البلطجية في كل مكان في حماية مجهولين لم نعد نفهم هل هم معنا أم علينا، وإن كانت كل تصرفاتهم - من يوم الثورة حتي اليوم - تؤكد أنهم ليسوا معنا وإن كانوا »واقفين في صفوفنا« ضمن انعدام كامل لشفافية القرار، أو حتي فهم لأسبابه، ذلك أن كل القرارات تصدر في غيبتنا مع أننا حاضرون، وهو المكر الذين سوف يحيق قريبًا.. وقريبًا جدًا بأهله!