نـــــــــــــــــاى .. وثمـــــــــــــن البقـــــــــــــــاء

احمد رضوان ناى، هو اسم ابنتى التى جعلها الله جنة عمرى وما فيها،آه من ضحكة تنتشلنى من طول يوم أليم، آه من خطوات حفرت على قلبى جل ألوان السعادة، بكاؤها...

احمد رضوان

ناى، هو اسم ابنتى التى جعلها الله جنة عمرى وما فيها،آه من ضحكة تنتشلنى من طول يوم أليم، آه من خطوات حفرت على قلبى جل ألوان السعادة، بكاؤها يعصرنى، كلماتها الأولى منقوشة فى ذاكرة محوت منها كل ما كان، هى الحياة، وما أجملها من حياة، هى الأمس وكل ما أريده فى غدى المجهول، هى كل شىء، ما منحنى الله أهم منها، وما اخاف أن يسلبنى الله إلاهى .


يا ناى إنى احب هذا البلد، ولكن أهلها وضعوك على حافة الخطر، انهم يتبادلون صورة طفلة فى عمرك قتلها الغدر فى بلاد بعيدة، لكنهم لن يثوروا لو اصابك أى مكروه، فهم منافقون انتهازيون لا يعرفون للدم حرمة إلا إذا كانت لهم مصلحة فى ذلك، ينادون بالجهاد فى كل مكان إلا فى بلادهم، وحينما تأتيهم فرصة الجهاد يفرون الى جحورهم، يرون الظلم والقهر والعدوان فى مشارق الأرض ومغاربها، ولا يرونها فى وطنهم الموجوع .

يا ناى فى بلادنا المنكوبة شعارات لا تفنى ولا تستحدث من العدم، أهلنا يتحدثون عن شريعة لا أعرفها، يقاتلون من أجل اغلاق مواقع اباحية ويتركون معابر الطرق والسكك الحديدية دون حماية، يحتشدون من اجل فتاة غيرت دينها طواعية، ولا يثيرهم منظر أم تبحث عن لقمة عفنة فى القمامة لرضيعها الذى أوشك الجوع ان يفتك به، ينبذون أهل الفكر، يحاربون العلم، ويقدسون الخرافة والمخرفين، لا يتوانون فى الدفاع عن ظالم طالما كان منهم، ولا يخجلون من قهر المختلفين معهم ولو كانوا على حق وعدل ومنطق .

خمسون طفلا أو يزيدون من إخوانك قتلوا امس يا ناى دون أن تهتز شعرة فى رأس من ينادون بشرع الله، خمسون ملاكا ضاعت أرواحهم ثمنا لإفاقة مجتمع ميت متعفن قتلته تناقضاته الأزلية، خمسون أسرة يا ابنتى الحبيبة يبكون دما على فلذات أكبادهم وأنا أكتب هذا المقال التعيس بقلب منفطر على ما ينتظرك من هذا المجتمع المريض .

هل تعلمين يا ناى أن بعض هؤلاء الضحايا فقدوا فرصة الحياة بسبب عدم وجود سيارات إسعاف كافية ومستشفيات مجهزة وأطباء على مستوى جيد؟ أتعرفين لماذا لا توجد هذه الأشياء العادية البسيطة فى وطننا؟ لأن حكومتنا فضلت الإنفاق على رواتب ترسانتها الأمنية على حساب رشفة دواء لمريض وراتب مناسب لعيش طبيب، إنها إرادة الحكومة يا ناى وليست إرادة الله، الله لم يقسم موازنة الدولة، الله لم يمنع الإنفاق على تطوير وسائل النقل وحمايتها، الله لم يهب رجال الأعمال مساندات من اموال دافعى الضرائب الذين لا يجدون العلاج والمأوى، الله برىء منهم .

إنهم ينادون بشرع الله .. وهل يعرفون الله؟ هل يدركون حرمة النفس؟ كيف لقلب قاس وعقل خاوٍ ونفس مريضة أن تعرف لله طريقا؟ كيف لحكومة يقودها الدراويش أن تبحث لكِ يا ناى عن عالم أفضل يدرك أهمية وجودك؟ كيف لمجتمع جل ما يهتم به هو مسواك ولباس قصير ولحية، أن يفتش عن أسباب السعادة لكِ ولغيرك؟ كيف لشعب يفكر فى زواجك وأنت قاصر قبل أن ينضج عقلك، أن يقف إلى صفك وقت حاجة، أو ينصرك إذا ما فقدت الأب .

يا ناى حين قتل الإهمال إخوانك وهم فى طريقهم لأخذ نصيب ضئيل من تعليم متخلف مفروض عليهم، قال الشيوخ وبكل بساطة إن قتلهم محض قضاء وقدر .. ألم يكن قتل الأطفال فى غزة قضاء وقدراً ! ؟ هل تحاربون فى غزة قضاء الله وقدره وتستسلمون له فى وطنكم؟

أبى الذى يحبنى : لماذا تصر أن يأتى قدر الله فى بلد لا يوجد به مستشفى بإمكانيات جيدة، أو تأمين طبى يتحمل تكلفة العلاج؟ لماذا تصر أن يأتى هذا القدر وسط مجتمع يمدح المخطئ ويعاقب المصيب، لماذا يأتى وسط من يتعاملون مع الجهل والفقر والمرض على أنها أقدار، لماذا لا يأتى فى دولة حشدت كل طاقاتها لمواجهة أعاصير لو مرت بنا لاقتلعت بلادنا من جذورها؟

قرة عينى ناى : أحاول أن أغير هذا الواقع لا أن أهرب منه .. لكنى يا حبيبتى وبكل أسف لا أعرف من سيتحمل تكلفة تكرار المحاولة .. لا أعرف من سيدفع ثمن البقاء !

الناى يفضح جرحنا المنسي . يفتح سرنا للاعتراف

الاعتراف بكل ما نخفى وراء قناعنا . كنا نحب

كنا نحب نساءنا . كنا نصدق ماءنا وهواءنا . كنا نخاف

كنا نخاف نهاية الأشياء فينا عندما كنا نشب

كنا نشب على الخرافة . باسم من نهدى ونرفع حلمنا

هل حلمنا يا ناى كنز ضائع أم حبل مشنقة؟

محمود درويش..فانتازيا الناى