وسط مشاهد العذاب التي كانت جارية بمكة لرد المسلمين عن دينهم، وإجبارهم علي الرجوع إلي الكفر، برز مشهد تعذيب عمّار بن ياسر وآله كصورة صارخة للطغيان والجبروت.. فقريش في ثورتها وتخبطها، اندفعت اندفاعاً محموماً لمطاردة المستضعفين من المسلمين، تنزل بهم من العذاب ألوانا.. ويبذل الصديق أبو بكر من ماله لعتق المعذبين من العبيد كما فعل لعتق بلال.. وتتحدث مكة عن حكاية امرأة قتلت تعذيباً لأنها رفضت أن ترجع عن الإسلام.. ولم يسلم النبي ذاته ـ صلي الله عليه وسلم ـ من أذي قريش، فكانت أم جميل زوجة أبي لهب تلقي النجس أمام بيته فيكتفي عليه السلام بأن يزيله، وكان أبو جهل يلقي عليه أثناء صلاته أمعاء الذبائح فيحمل الأذي ويذهب به إلي فاطمة لتزيله عنه وهي تغالب عبراتها علي ما يلقاه أبوها.. وتختار قريش لممارسة بطشها آل عمّار.. الأب ياسر بن عمّار وزوجته سمّية وابنهما عمّار.. يذهب أبوجهل علي رأس نفر من السفهاء فيحرقون دارهم تحريقا ويخربونها، ولا يكاد يمضي علي ذلك يوم إلاّ ويحملونهم إلي رمضاء مكة تحت وهج الشمس الملتهبة.. يتناوبون ضربهم بالسياط، ويضعون الأحجار الثقيلة علي صدورهم وبطونهم، وعلي أطرافهم جمرات النار.. لم يطرف لأحد من أبناء مكة جفن وهم يرون أفراد هذه الأسرة مجردين من ملابسهم، ملقون تحت الشمس المحرقة، ترتفع أنّاتهم مع ضربات السياط وهم يرددون مع الحشرجات : أحد.. أحد.. أحد أحد.. يمُر النبي ـ صلي الله عليه وسلم، ومعه عثمان بن عفان، فيفجعهما ما يريان، ولا يملك عليه السلام إلاّ أن يدعو ربه: »يا نار.. كوني برداً وسلاماً علي عمّار، كما كنتِ علي إبراهيم« .. ويلتفت عليه الصلاة والسلام إلي المعذبين فيدعوهم إلي الصبر ويدعو لهم: »اللهم اغفر لآل ياسر.. صبراً آل ياسر إن موعدكم الجنة« .
بيد أن أبا جهل لا يهدأ، ويصدمه أن أم عمّار ـ لم تبال بتهديداته، ويزداد هياجه فيسدد إليها بحربته طعنة قاتلة تخرج معها روحها إلي بارئها.. بينما تتزايد علي زوجها وابنها ضربات السياط وقذائف الأحجار، فما يزيد ياسر وعمّار عن ندائهما الأثير: أحد.. أحد.. أحد أحد.. فينقض أبو جهل علي ياسر ضارباً إياه ضربات غاشمة حتي شهق شهقة هائلة لحقت بعدها روحه بروح سمّية!
إزاء هذا الطغيان، وبطشات قريش، وفي دار الأرقم، جعل النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ يسمع إلي شكايات أصحابه: الزبير بن العوام، وعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، ومصعب بن عمير.. وغيرهم.. مما يلاقونه ويلاقيه المستضعفون من طغيان قريش.. فينظر عليه السلام إلـي صحابتـه حانيا رفيقاً وقد انفطر قلبه علي ما يلاقونه من هول ومن عذاب شديد في الله.. ويقـول لهم في عطف رحيم: »تفرقوا في الأرض.. فسيجمعكم الله تعالي« .. وحين يسألونه إلي أين؟ يقول لهم: »الحبشة.. فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتي يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه«!
هاجر من هاجر من المسلمين إلي الحبشة فراراً من طغيان وجبروت وبطش قريش التي أقامت خطاًّ من التعاون مع اليهود بالمدينة للتآمر علي الإسلام ورسوله، بيد أن قريشاً لم يرضها أن يهاجر من هاجر من المسلمين إلي الحبشة، ولا أرضاها أن الأنباء تناهت إليها بأنهم يلقون معاملة حسنة في الحبشة النصرانية، فيجتمع الملأ من قريش علي انتداب من يسافرون إلي الحبشة لتسقط الأخبار هناك وإفساد الأمور علي المسلمين، وتختار قريش لهذه المهمة عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة اللذين لم يألوا جهداً لأداء مهمتهما، فاجتمعا ببطارقة الحبشة لتأليبهم علي المسلمين، وتوسلوا بهم إلي مقابلة النجاشي لتحريضه علي المهاجرين بقالة إنهم من السفهاء الذين فارقوا دين قومهم، وأن ما يدينون به يخالف النصرانية وما تراه في المسيح عليه السلام، بيد أن النجاشي يأبي أن يستجيب إلي طلبهم إبعاد هؤلاء إلاّ بعد أن يدعوهم ويسألهم، فلما فعل، واستمع إلي ما أبداه جعفر بن أبي طالب من توضيح، تأثر النجاشي بما سمع، وبكي حتي اخضلت لحيته، وقال لمن حوله: »إن هذا والذي جاء به عيسي ليخرج من مشكاة واحدة« .. ثم ينهر عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة، ويردهما عن بلاده دون أن يجيبهما إلي ما أرادا به الكيد للمسلمين!
لم تهدأ قريش، بل وزاد سعارها بعد أن أسلم عمر بن الخطاب بعد إسلام حمزة بن عبد المطلب.. فجعل تعرضهم لمحمد ـ صلي الله عليه وسلم ـ يزداد، وأخذوا يتفننون في إيذائه والتعرض له والتحرش به، وأزمع بعضهم أن يعتدوا عليه بالمسجد أثناء صلاته.. وأخذت قريش تتميز غيظا، ويطيش ما بقي من عقلها.. لا تدري ما تفعل لمحاصرة هذه الدعوي التي أقضت مضاجعها وتنتشر يوما بعد يوم.. ورغم كل شيء.. يتساءلون ما سر هذا الإسلام الذي فعل ويفعل بهم الأفاعيل؟! هو إذن محمد، ولا نجاة لقريش، ولا وأد للإسلام، ما لم يحاصروا محمداً وبني هاشم أجمعين..
يجتمع رءوس الكفر في منتدي قريش، تحضره جميع بطون وأفخاذ القبيلة، يجترون ما سلف من إخفاقهم وخذلانهم، ويلومون أنفسهم علي أنهم لم يقتلوا محمداً، وطاشت محاولاتهم محاصرة دعوته حتي أسلم حمزة ثم عمر.. فلا بد إذن من الحصر والحصار، وأجمع الحاضرون علي منابذة بني هاشم وإخراجهم جميعا من مكة إلي الشِّعَب.. وأجمعوا علي »صحيفة« كتبوها وعلقوها في جوف الكعبة.. تعاقدوا وتعاهدوا فيها علي ألاّ ينكحوا بني هاشم ولا ينكحوا إليهم ولا يبيعوهم شيئا ولا يبتاعوا منهم، ولا يقبلوا منهم صلحاً، ولا تأخذهم بهم رحمة ولا شفقة ولا رأفة حتي يسلّموا إليهم الرسول ـ صلي الله عليه وسلم ـ ليقتلوه!!!
(للحديث بقية)
!من وحي الحج (3)
وسط مشاهد العذاب التي كانت جارية بمكة لرد المسلمين عن دينهم، وإجبارهم علي الرجوع إلي الكفر، برز مشهد تعذيب عمّار بن ياسر وآله كصورة صارخة للطغيان والجبروت.. فقريش في ثورتها...