من أرشيف الذكريات (46)

رجائى عطية: انفجرت الخلافات على أشدها بين الفرقاء فى نقابة المحامين، واشتعلت حرب الدعاوى القضائية، وكانت الكحكة التى جرى التقاتل عليها هى نقابة المحامين الفرعية بالقاهرة، هل تكون نقابة واحدة

رجائى عطية:

انفجرت الخلافات على أشدها بين الفرقاء فى نقابة المحامين، واشتعلت حرب الدعاوى القضائية، وكانت الكحكة التى جرى التقاتل عليها هى نقابة المحامين الفرعية بالقاهرة، هل تكون نقابة واحدة كما هى، أم نقابتين أخذًا بظاهر النص الذى قرر فى قانون المحاماة نقابة فرعية لكل دائرة محكمة إبتدائية.. كان هذا هو الظاهر، أما الباطن فهو حساسية أعضاء مجلس النقابة العامة والنقيب، من النشاط الطاغى للأستاذ محمد فهيم أمين، وتحفظهم على أسلوبه الانفرادى فى إدارة الأمور، والتحسب من أن يصير نقيبًا للقاهرة بحجمها الكبير فيصير موقعه موازيًا بالتقريب لموقع النقيب العام.. أخذ سيل الدعاوى يتتابع، البعض مع التقسيم إلى نقابتين فرعيتين للقاهرة.. أى مع مجلس النقابة العامة، والبعض مع الوحدة أى مع الأستاذ فهيم أمين.. وقد كشف العزيز الراحل الأستاذ مصطفى عويس فى كتابه الضافى «الحرب الأهلية فى نقابة المحامين» عما كان قد صرح له به الأستاذ فهيم أمين عن نيته تقسيم نقابة القاهرة إذا فاز الأستاذ أحمد شنن بمنصب النقيب العام، ولكن الآراء سرعان ما تتغير تبعًا لتغير المواقف. ظلت الأمور تتفاقم، ودعا البعض إلى جمعية عمومية غير عادية مهددين فى حالة امتناع النقيب أحمد الخواجه عن عقدها، بأنها ستنعقد تلقائيا بنهاية مهلة الثلاثين يوما التى حددتها المادة 128 من ق 17/1983 من تاريخ تقديم الطلب بعقدها. ورفع زميلان دعوى لإلزام النقيب بعقدها، ثم قرر المجلس فى 12/1/1986 فتح باب الترشيح لمركز النقيب وعضوية المجلس لنقابتى القاهرة : شمال وجنوب، فطعن الأستاذ أحمد شنن أمام القضاء الإدارى على هذا القرار، وكذلك بعض الزملاء، بينما لم يتوقف راغبو الترشيح عن ترشيح أنفسهم، وقضت محكمة القضاء الإدارى فى 13/3/1986 بعد ضم الدعاوى، بوقف تنفيذ قرارى مجلس النقابة العامة، ثم عقد 128 محاميا جمعية عمومية غير عادية رفضت التقسيم وقررت دمج شمال وجنوب القاهرة فى نقابة واحدة، ومع هذا الصراع الضارى تم تجميد معهد المحاماة، واتخذ مجلس النقابة العامة لسحب البساط موقفًا إيجابيًا من الإضراب العام الذى نجح فى وضع بعض التوصيات الإيجابية، وطفق السباق على المؤتمرات، ثم على إصدار المجلات لخطب ود المحامين، فأصدر المجلس فى نوفمبر 1986 أول أعداد مجلة “ أخبار المحاماة “ كملحق لمجلة المحاماة، رد عليها البعض بمجلة الدفاع الإسلامى، وجرى التراشق فى المجلتين وفى نشرات غير دورية، وعقدت النقابة العامة مؤتمرًا فى 9/1/1987 حول دستورية قانون المحاماة 17/1983، ثم جلسة فى 26/7/1987 لمناقشة ظاهرة الاعتداء على المحامين، وحدد يوم 30/6/1987 للإضراب العام بتعاون بين القضاة والمحامين، ثم دخل الأستاذ الدكتور محمد عصفور إلى ساحة العراك، واتهمه النقيب ومجلس النقابة العامة بأنه يستمد رؤيته من الأستاذ أحمد ناصر، واجتمع مجلس النقابة العامة فى 11/7/1988 بعد الاعتداء على المحامين أمام محكمة الجنايات فى قضية تعذيب المتهمين المنسوبة لبعض ضباط الشرطة، وأصدر المجلس بيانا قويا، بينما استأنف المتنافسون الحرب على نقابة القاهرة : نقابة واحدة أم نقابتين، وقطع الحرب مؤقتا حفل تابين المرحوم الأستاذ فتحى رضوان مساء السبت 1988/11/18، وسبقه صدور قرار النيابة العامة فى 1988/10/11 بحفظ التحقيق فى بلاغات الأستاذ محمد فهيم أمين ضد الأستاذ محمد علوان وآخرين، ولكن الأمور لم تهدأ، وجعلت تتفاقم فى اتجاه جعل ينذر بأشد الأخطار.. كان مشهدا مؤسفا أن ترفع الأحذية فى اجتماع مجلس النقابة العامة، وبدأت الحرب تتصاعد، والاتهامات تتبادل، وجعل بعض الفرقاء فى اجتماع الجمعية العمومية 1988/11/25 يهتفون : «الميزانية يا حرامية».. وفى صباح اليوم التالى خرجت صحيفة الوفد بقرارات للجمعية تضمنت رفع معاش المحامى إلى 28 جنيها شهريا على كل سنة اشتغال بالمحاماة، مع رفع رسوم القيد وزيادة فئات دمغات المحاماة، بيد أن القرار الأخطر الذى أعلنته الجريدة نقلا عن المجلس هو الموافقة على تقسيم القاهرة إلى نقابتين، ثم عادت جريدة الوفد لتكذب يوم 11/27 ما نشرته فى اليوم السابق، ثم عادت فنشرت تصحيح المجلس بالعودة إلى ما كان قد نشر بالوفد يوم 1988/11/26!!


كان المشهد مؤسفاً، والتصارع على أشده، وغابت وحدة المحامين ومعها تقاليد المحاماة، وهاجم المجلس فى بيان أصدره 10 يناير 1989 هاجم الأستاذ أحمد ناصر هجوماً شديداً، رد عليه بدوره، وأخذ عليه المجلس أنه دعا إلى جمعية عمومية وحدد موعدها 1989/1/5 دون أن ينتظر قرار مجلس النقابة رغم أنه عضو فيه، ثم لجأ فى 1989/1/16 إلى قاضى الأمور الوقتية بمحكمة جنوب القاهرة الابتدائية بطلب عقد الجمعية العمومية، ولكن صدر الأمر الوقتى 56 لسنة 1989 فى 1989/1/17 برفض الأمر، ولم يطعن عليه الأستاذ احمد ناصر، ولكن رتب لدخول مبنى النقابة العامة ليلاً مساء الأربعاء 1989/1/18 مع بعض أعوانه لإقامة سرادق تنعقد فيه الجمعية العمومية الخميس 1989/1/19، وفى ذلك اليوم جرت بمبنى وحديقة النقابة أحداث مؤسفة بين جبهتين، أعلنت إحداهما التى على رأسها كل من الدكتور محمد عصفور والأستاذ أحمد ناصر اكتمال النصاب القانونى للجمعية وأنها أصدرت قرارات تضمنت سحب الثقة من المجلس نقيباً وأعضاء بمن فيهم بداهة وبالتبعية الأستاذ أحمد ناصر نفسه الذى كان عضوًا بذات المجلس المقول بسحب الثقة منه، واستطرد هذا الفريق فضمن قراراته تشكيل لجنة مؤقتة لإدارة النقابة برئاسة الدكتور محمد عصفور، على أن تتولى الإعداد لانتخابات جديدة فى موعد أقصاه 1989/4/20، وعلى أن يتم فتح باب الترشيح من يوم السبت 1989/1/21، وأما جبهة المجلس الشرعى القائم برئاسة الأستاذ أحمد الخواجة، فلم تعترف بالجمعية ورفضت ما ذهبت إليه الجبهة الأخرى، وصدرت الصحف فى الأيام التالية وفى عناوينها الرئيسية : محاولة اقتحام السور والدخول للنقابة مساء الأربعاء 1989/1/18 عن طريق نقابة الصحفيين! إقتحام الباب الخارجى للنقابة عنوة! اشتباك بالأسلحة البيضاء وصدام بالأيدى والكراسى! طلق نارى يثير الذعر وينذر بكارثة! اقتحام غرفة النقيب تحت وابل من الطوب والزجاج المتطاير حرب التصريحات بين الخواجة وعصفور! إبلاغ النيابة بالتحقيق فى جرائم البلطجة! مازالت نقابة المحامين مشتعلة لليوم الثالث على التوالى! بيانات من بعض النقابات الفرعية لمناصرة المجلس الشرعى القائم مؤتمر صحفى للأستاذ أحمد الخواجة نقيب المحامين لإعلان قرارات مجلس النقابة انتقال المواجهات إلى الساحة الداخلية لدار القضاء العالى حيث دارت أحداث مؤسفة! الدكتور حلمى مراد يرفض عضوية المجلس المؤقت المطعون على انعقاد الجمعية التى شكلته المجلس الشرعى القائم يؤكد بطلان هذا الانعقاد ويستنكره فشل كافة الجهود لاحتواء الأزمة نيابة أمن الدولة تحقق مع المحامين المعتصمين بالنقابة وفيهم الأستاذ أحمد ناصر وتوجه إليهم تهم الشروع فى القتل ومقاومة السلطات! الحوار فى نقابات المثقفين بالمسدسات والكراسى! سباق المصالح الشخصية يهدد النقابة! النقابات الفرعية تستنكر الأحداث أحمد الخواجة يتهم الوفد بتصدير خلافاته إلى النقابة! اتهام الدكتور عصفور بأنه يردد كلام أحمد ناصر دون فهم ودون دراية! الدكتور عصفور يردد أنه جاء لإنقاذ السفينة من الغرق ويتهم الخواجة بأنه أعطى للناصريين دورًا أكبر من حجمهم اتحاد المحامين العرب يعرب عن أسفه للأحداث!!

لم أكن طرفًا فى هذا العراك، ولم أرتضه بداهة، وكنت لا أزال أحمل للأطراف مشاعر الود والزمالة، ولكن حين ذهبت الأمور إلى المحاكم، ما بين القضاء المستعجل، ومجلس الدولة، طلب إلىّ الأستاذ النقيب أحمد الخواجه أن أحضر مع المجلس الشرعى للنقابة، وأن أنهض بواجب المرافعة فى تلك القضايا.. ومما يُحكى، أنه بإحدى الجلسات بمجلس الدولة، وتقديرًا منىّ للدكتور عصفور، ومكانته بالقضاء الإدارى وتاريخه فيه، أبديت فى مستهل مرافعتى عبارة تقدير لأستاذية الدكتور عصفور ومكانته وعلمه، ولكنه بدلاً من أن يتلقاها بما يجب، أفلتت منه عبارة خانها التوفيق، فلم أسكت عليها، وعدت فذكرت أمام المحكمة أن ما أبديته من باب المجاملة ليس إلاّ، وتعكر لسنوات ما بينى وبين الدكتور عصفور، إلى أن فوجئت بابنه المرحوم هشام بعد سنوات، فى مضمار نادى الجزيرة، ينقل إلىّ أن والده يحمل لى تقديرًا كبيرًا، وأنه ذكر له ولآخرين معه أننى مثقف كبير، وأنه يتمنى أن أكون نقيبًا للمحامين، فأبديت لنجله شكرى وطلبت منه أن ينقل إليه عظيم احترامى وتقديرى.. وبعد فترة، فوجئت باتصال تليفونى من الدكتور عصفور، يستأذن فى أن يزورنى بمكتبى ليعهد إلىّ بقضيتين جنائيتين لنجل آخر له، إحداهما يريد أن أتولى كتابة طعن بالنقض فى الحكم الصادر فيها، فعرضت جادًا صادقًا أن أذهب إليه بمكتبه، ولكنه أبى إلاّ أن يتفضل بزيارتى، وتوليت القضيتين، ونشأت بينى وبين الأستاذ الكبير مودة صافية صادقة، وأسى مشترك على عوادم ما كان، وظلت هذه المودة حتى وفاته إلى رحمة الله، ليخبرنى بعدها تلميذه النجيب المحامى الكبير عصام الإسلامبولى أن الدكتور عصفور نقل إليه ما يحمله من تقدير كبير

رآه فى شخصى، وأضاف أن ما نقله إليه عنّى كان سببًا فى تغير موقف الأستاذ الإسلامبولى منّى، والذى ظل وللآن زميلاً عزيزًا وصديقًا حميمًا منذ أفضى له الدكتور عصفور بما أضفاه علىّ متكرمًا.. بدا جليا أن الزبد إنما يذهب جفاءً، وأن القيم تعلو ولا يُعلى عليها.. أما النقابة، فيبدو أن الأقدار كانت تدفع بها إلى ما هو أسوأ!!