رجائى عطية
درجت بعض الصحف، علي إسباغ صفة رئاسة هيئة الدفاع علي أحد أو آخر من الزملاء المحامين في قضية أو أخري.. وقد تفضلت إحدي صحفنا الكبري بوصفي بذلك في قضية ضخمة كنت أزامل فيها أساتذة أكبر مني علما ومكانةً وأقدمية وتاريخا.. منهم أستاذي صاحب الأفضال محمد عبدالله محمد الذي أسبغ علي من أبوته وعلمه وأستاذيته ما لا عدد ولا حصر له، وآخرون من أعلام المحاماة، فسارعت بالاتصال بالمحرر ورئيس التحرير، مؤكداً ليس فقط أنني لست رئيسا لهيئة الدفاع، بل وأن المحاماة ورسالتها وأصولها لا تعرف بتاتا رئاسة لهيئة الدفاع، حتي وإن أسبغت علي أقدمهم وأميزهم وأكبرهم سنا وتاريخا، وقد سارعت الصحيفة بالتصحيح الذي طلبته، وكنا في منتصف ثمانينات القرن الماضي!
في زماننا كثرت الألقاب، وكلها غريبة علي المحاماة.. فالمحامي محامٍ وكفي.. لا يحمل لافتة بإنه مثلا محامي الحريات أو محامي الجماعات الإسلامية أو محامي الكبار أو الفنانين أو الصحفيين.. فالمحاماة أوسع وأشمل وأرقي وأعظم من أن يحتويها لقب أو تخصيص.. المحامي.. كل محام.. هو محام للحريات، وللكبار والصغار، وللإسلامي والمسيحي، وللفنان أو العاطل من موهبة الفن، وللصحفي أو الكاتب أو لمن لم يعمل قط بالصحافة أو الكتابة.. وهذا الاتساع والشمول هما سر تمكن وتميز المحامي والمحاماة.. حسبه أن يؤمن بالقضية التي يقبلها أيا كان عنوانها.. فالعناوين غير المضامين.. وقد يكون المتهم بالضرب البسيط مذنبا حتي النخاع، وقد يصادف أن يكون المتهم بالقتل العمد مع سبق الإصرار والترصد ـ بريئاً من الجريمة براءة الذئب من دم ابن يعقوب!
أما رئاسة أو ترأس هيئة الدفاع فهو تعبير جاهل جهول يناقض معني المحاماة ذاتها ورسالتها التي تتأبي علي أي إخضاع لرئاسة زميل أو رغبة حاكم أو توجيه جهاز أو توصية صاحب نفوذ.. بل ولا تخضع لرغبة المتهم ذاته.. المحامي يستمد مشروعية دوره من حريته وتخففه من أي قيود إلاّ ما يهديه إليه عقله وفنه وموهبته.. لا يملك أحد أن يراجعه أو يصادر عليه، حتي المتهم مع أنه الأصيل الذي يستمد منه المحامي وكالته في القضية.. هو يوكله ولكنه لا يملي عليه خطا في الدفاع، فقد يعترف المتهم في التحقيقات بالتهمة، ويبني المحامي دفاعه علي بطلان وعدم صدق الاعتراف، وقد ينكر التهمة ويمعن في نفيها وإنكارها، ويري المحامي أن يبني دفاعه علي طلب استعمال الرأفة لأسباب وأسانيد يراها أجدي للمتهم وأصوب لدفاعه.. وقد يوافق المتهم علي استجوابه بمعرفة المحكمة، فيرفض محاميه هذا الاستجواب، فلا يسع المحكمة إلاّ النزول علي رفض المحامي برغم موافقة الأصيل، لأن القانون اشترط للاستجواب أمام المحكمة أن يكون بموافقة المتهم ودفاعه معا، فـلا تغني موافقة أحدهما عن موافقة الآخر!
خطة الدفاع هي بنات فكر وعلم وثقافة وخبرة وفن المحامي، لا تقبل بطبيعتها إملاءً من أحد، حتي ولو كان زميلاً أطول وأعرض باعاً وخبرةً وأقدميةً ومكانةً في المحاماة.. ومن يعرف طبيعة القضايا وما تثيره من أفكار ووجهات نظر، يعرف أن رئيس المحكمة نفسه وإن ترأس الهيئة إلاّ أنه لا وصاية له علي رأي أعضائها، ولهذا فإن التصويت في المداولات في الأحكام يبدأ بالأحدث ثم الأقدم ثم الرئيس حتي لا يتأثر عضو المحكمة بأقدمية زميله أو رئاسة رئيس الهيئة!
أما المحامي فهو متخفف من أي قيد شكلي أو إداري أو موضوعي، هو سيد نفسه وابن أستاذيته هو وعلمه هو.. يحلق فوق السحاب، ولا يشده شئ مهما كان إلي الأرض أو إلي سحاب آخر لا يقنعه أو لا يريده.. هذه الحرية هي قوام المحاماة وعدة المحامي، وهي هي سبب الحصار أو التطويق الجاري محاولة فرضه من أكثر من نصف قرن علي نقابة المحامين.. تضيق النظم المستبدة بالرأي الآخر، وتسعي ما وسعتها الطاقة لمصادرته، والمحاماة هي الأرض البكر للآراء الحرة والتعبير الفاهم المتمكن.. والمحامي هو طاقة لا قيمة لمضمونها بغير حريتها.. وهذه الحرية محققة للمحامي من كونه لا يخضع لقيد إداري أو وظيفي أو حتي نقابي.. رزقه علي الله، وعلي علمه وكفاءته.. لا سبيل لاحتوائه، لذلك كانت النقابة هي المستهدفة بقصد تعقيم المحامين من خلال تطويق النقابة!
علي أن كل محاولات السلطة، في كل عهد، لمحاصرة النقابة، لم تُجد في محاصرة أو تطويق المحامي.. سيبقي المحامي حراًّ متخففا من أي قيد أو رئاسة ما بقيت المحاماة رسالةً حرة تحفظ للمجتمع والأفراد أمانهم وحريتهم وتكفل حماية وتحقيق العدالة!
درجت بعض الصحف، علي إسباغ صفة رئاسة هيئة الدفاع علي أحد أو آخر من الزملاء المحامين في قضية أو أخري.. وقد تفضلت إحدي صحفنا الكبري بوصفي بذلك في قضية ضخمة كنت أزامل فيها أساتذة أكبر مني علما ومكانةً وأقدمية وتاريخا.. منهم أستاذي صاحب الأفضال محمد عبدالله محمد الذي أسبغ علي من أبوته وعلمه وأستاذيته ما لا عدد ولا حصر له، وآخرون من أعلام المحاماة، فسارعت بالاتصال بالمحرر ورئيس التحرير، مؤكداً ليس فقط أنني لست رئيسا لهيئة الدفاع، بل وأن المحاماة ورسالتها وأصولها لا تعرف بتاتا رئاسة لهيئة الدفاع، حتي وإن أسبغت علي أقدمهم وأميزهم وأكبرهم سنا وتاريخا، وقد سارعت الصحيفة بالتصحيح الذي طلبته، وكنا في منتصف ثمانينات القرن الماضي!
في زماننا كثرت الألقاب، وكلها غريبة علي المحاماة.. فالمحامي محامٍ وكفي.. لا يحمل لافتة بإنه مثلا محامي الحريات أو محامي الجماعات الإسلامية أو محامي الكبار أو الفنانين أو الصحفيين.. فالمحاماة أوسع وأشمل وأرقي وأعظم من أن يحتويها لقب أو تخصيص.. المحامي.. كل محام.. هو محام للحريات، وللكبار والصغار، وللإسلامي والمسيحي، وللفنان أو العاطل من موهبة الفن، وللصحفي أو الكاتب أو لمن لم يعمل قط بالصحافة أو الكتابة.. وهذا الاتساع والشمول هما سر تمكن وتميز المحامي والمحاماة.. حسبه أن يؤمن بالقضية التي يقبلها أيا كان عنوانها.. فالعناوين غير المضامين.. وقد يكون المتهم بالضرب البسيط مذنبا حتي النخاع، وقد يصادف أن يكون المتهم بالقتل العمد مع سبق الإصرار والترصد ـ بريئاً من الجريمة براءة الذئب من دم ابن يعقوب!
أما رئاسة أو ترأس هيئة الدفاع فهو تعبير جاهل جهول يناقض معني المحاماة ذاتها ورسالتها التي تتأبي علي أي إخضاع لرئاسة زميل أو رغبة حاكم أو توجيه جهاز أو توصية صاحب نفوذ.. بل ولا تخضع لرغبة المتهم ذاته.. المحامي يستمد مشروعية دوره من حريته وتخففه من أي قيود إلاّ ما يهديه إليه عقله وفنه وموهبته.. لا يملك أحد أن يراجعه أو يصادر عليه، حتي المتهم مع أنه الأصيل الذي يستمد منه المحامي وكالته في القضية.. هو يوكله ولكنه لا يملي عليه خطا في الدفاع، فقد يعترف المتهم في التحقيقات بالتهمة، ويبني المحامي دفاعه علي بطلان وعدم صدق الاعتراف، وقد ينكر التهمة ويمعن في نفيها وإنكارها، ويري المحامي أن يبني دفاعه علي طلب استعمال الرأفة لأسباب وأسانيد يراها أجدي للمتهم وأصوب لدفاعه.. وقد يوافق المتهم علي استجوابه بمعرفة المحكمة، فيرفض محاميه هذا الاستجواب، فلا يسع المحكمة إلاّ النزول علي رفض المحامي برغم موافقة الأصيل، لأن القانون اشترط للاستجواب أمام المحكمة أن يكون بموافقة المتهم ودفاعه معا، فـلا تغني موافقة أحدهما عن موافقة الآخر!
خطة الدفاع هي بنات فكر وعلم وثقافة وخبرة وفن المحامي، لا تقبل بطبيعتها إملاءً من أحد، حتي ولو كان زميلاً أطول وأعرض باعاً وخبرةً وأقدميةً ومكانةً في المحاماة.. ومن يعرف طبيعة القضايا وما تثيره من أفكار ووجهات نظر، يعرف أن رئيس المحكمة نفسه وإن ترأس الهيئة إلاّ أنه لا وصاية له علي رأي أعضائها، ولهذا فإن التصويت في المداولات في الأحكام يبدأ بالأحدث ثم الأقدم ثم الرئيس حتي لا يتأثر عضو المحكمة بأقدمية زميله أو رئاسة رئيس الهيئة!
أما المحامي فهو متخفف من أي قيد شكلي أو إداري أو موضوعي، هو سيد نفسه وابن أستاذيته هو وعلمه هو.. يحلق فوق السحاب، ولا يشده شئ مهما كان إلي الأرض أو إلي سحاب آخر لا يقنعه أو لا يريده.. هذه الحرية هي قوام المحاماة وعدة المحامي، وهي هي سبب الحصار أو التطويق الجاري محاولة فرضه من أكثر من نصف قرن علي نقابة المحامين.. تضيق النظم المستبدة بالرأي الآخر، وتسعي ما وسعتها الطاقة لمصادرته، والمحاماة هي الأرض البكر للآراء الحرة والتعبير الفاهم المتمكن.. والمحامي هو طاقة لا قيمة لمضمونها بغير حريتها.. وهذه الحرية محققة للمحامي من كونه لا يخضع لقيد إداري أو وظيفي أو حتي نقابي.. رزقه علي الله، وعلي علمه وكفاءته.. لا سبيل لاحتوائه، لذلك كانت النقابة هي المستهدفة بقصد تعقيم المحامين من خلال تطويق النقابة!
علي أن كل محاولات السلطة، في كل عهد، لمحاصرة النقابة، لم تُجد في محاصرة أو تطويق المحامي.. سيبقي المحامي حراًّ متخففا من أي قيد أو رئاسة ما بقيت المحاماة رسالةً حرة تحفظ للمجتمع والأفراد أمانهم وحريتهم وتكفل حماية وتحقيق العدالة!