رجائى عطية:
شدتنى المحاماة ونقابتها، وأخذتنى من السياق الزمنى، حتى لا أترك أحد فصولها مبتورًا، فإن تركتها الآن فإلى حين لأعود إليها، فهى عشقى وحياتى. فى 29 نوفمبر1987، وصلت إلى مكتبى بطلعت حرب آنذاك، نحو الثانية عشرة ظهرًا، ليخبرنى الزملاء أن محمد حافظ إسماعيل مرّ علىّ ولم يجدنى، وأنه ترك لى مظروفًا.. لم تكن من عادة هذا العظيم أن يمرّ على أحد، فهو يُسعى إليه، ولى معه ذكريات ثرية سوف أعود إليها. فتحت المظروف متشوّقًا، فوجدت كتابه الذى خرج مـن مطابـع الأهرام لتوّه: «أمن مصر القومى فى عصر التحديات»، فتحت الغلاف لأجد إهداءً رقيقًا بخط قشيب لهذا القريب الكبير، الحبيب الغالى، الذى ملأ الدنيا بفضله وشغل الناس بكفاءته واستقامته ونزاهته وشرفه وغزير عطائه لمصر فى كل موقع تولاّه.. استقبلت كلماته بشوق ما لبث أن غمرته الدهشة من أريحية تجاوز كل حد.. لم أصدق أن يكتب ما كتبه.. جرت كلماته إلى عيناى: «العزيز رجائى. تقديرًا لإسهامكم الثمين فى صياغة هذا العمل. خالكم محمد 29 نوفمبر 1987».
نعم، كان قد أعطانى مسودة هذا الكتاب لأراجعه، ولكنى فى الواقع تمتعت بما قرأت، ولم أشارك أو أسهم فى صياغة، اللهم إلاّ أن أبدى إعجابى العميق بمادة الكتاب وبأسلوبه الرشيق الذى بارى به الأدباء، وسابقهم وسبقهم فى مضمارهم.. استكثرت كرمه الفياض أن ينسب إلىّ إسهامًا وثمينًا فى صياغة هذا العمل الذى لم يصغه ولم يبدعه سواه. قلت لنفسى هذه شيم الكبار، وهو كبير، أقر بعظمته الجميع، ولكن ما إن جلست مساءً إلى الكتاب بمنزلى لأعيد قراءته بعد أن كنت قد قرأته مخطوطًا، حتى فجأتنى مفاجأة أخرى تحت «عرفان وتقدير»، والعرفان والتقدير يجب أن يزجيا إليه، كتب يقول: «أتقدم بالشكر إلى كل من استحثنى أن أسجل رؤيتى لبعض أحداث الوطن التى عشتها.. وأشعر بامتنان عميق.. للدكتورة عائشة راتب وزيرة الشئون الاجتماعية وسفيرة مصر. والأستاذ عبد اللطيف حافظ «شقيقه الأصغر وآخر العنقود»، وكيل أول وزارة التخطيط. والسفير أحمد ماهر السيد «وزير الخارجية فيما بعد»، والأستاذ رجائى عطيه المحامى. الذين تفضلوا هكذا بكرمه! بأن أفردوا جانبا من وقتهم الثمين لكى يقرأوا مخطوطًا مبكرًا لهذا الكتاب، فأسهموا بذلك فى صياغتى النهائية له».
ما ذكرت هذا لأتباهى به، وإنما لأبرز أحد جوانب العظمة فى هذا الوطنى الكبير، والإنسان الرائع.. تلمحه على البعد فترى صرامة صارمة، وجبينًا مقطبًا، فإذا أتيح لك أن تقترب منه، اكتشفت أن هذه الصرامة جديّة جادة، هى من العمل والعطاء، وأن وراءها فى الدهاليز قلبًا كبيرًا، ونقاءً مصفّى، وإخلاصًا لا تفوته الإنسانية فى معانيها الكبرى. لم تكن بالمخطوطة التى قرأتها وتمتعت بها، إهداءات
ولا تقديمات، ولا أوابد افتتاحية، وإذ بى أجد فى الكتاب المطبوع ما يورى بأننى أمام فيلسوف.. عرفته حجة فى العسكرية والاستراتيجية، كتب وهو شاب فى مستهل حياته العسكرية، مع فريد عبد القادر، كتابًا لا يزال مرجعًا، عن الحرب العالمية الثانية فى شمال أفريقيا وعلى حدود مصر الغربية، وحصل على أعلى الشهادات العسكرية، وعُدّ من خبراء الاستراتيجية المعدودين، وضمن ألمع القادة العسكريين المصريين، وعرفته بعد أن اختاره عبد الناصر ليدفع به إلى وزارة الخارجية ليعد هيكلة حديثة لها، فإذ به يبارى السفراء القدامى، وينجز عملاً فى تنظيم كيان الخارجية، لا يزال يشهد به الجميع، ثم يخوض بحور السياسة والدبلوماسية، فيبدو نابغًا وسط النابغين، لا يكاد ينتهى من مهمته فى تنظيم الوزارة، حتى يُدفع به سفيرًا لمصر فى لندن، وفى روما، وفى باريس مرتين، وفى موسكو، ورئيسًا للمخابرات العامة 1970، ومستشارً للأمن القومى من 1971 حتى 1974.. فيشغل الدنيا بكفاءته وعطائه، وبنزاهته واستقامته.. وعرفته أديبًا من خلال مراجعتى لمخطوطة الكتاب، ومن خلال متابعتى لما كان يكتبه من وقت لآخر من كتابات أو مقالات فى الصحف والمجلات المصرية والعربية حول الأمن القومى والسياسة الخارجية، لعل أشهرها لدى القراء المساجلات التى دارت بينه وبين الأستاذ محمد حسنين هيكل عبر مجلة المصور فى ضربة صحفية للعزيز صديق العمر مكرم محمد أحمد.
ولكنى أرى الآن على الغلاف الداخلى للكتاب أن للرجل أعماقًا فلسفية وإنسانية كانت متوارية وراء حجب كثيفة غزاها أن الرجل لا يميل إلى الاستعراض، فى أعماقه أكثر كثيرًا مما يظهر. وجدته قد اختار بأعلى الغلاف الداخلى أثيرة للفيلسوف الشاعر جورج سانتايانا تقول: «الذين لا يذكرون الماضى.. محكوم عليهم بأن يعيشوه مرة أخرى»، ثم وجدت إلى أسفل الغلاف، مثلاً عربيّا تجرى كلماته تقـول: «السلام حلم الحكماء.. والحرب هى تاريخ الإنسانية»، حتى الإهداء، وجدته متميزًا عما تعودناه.. كل كلمة فيه تشير إلى معانٍ تعرف مغزاها حين تقرأ الكتاب.. إنه يهديه تحية للرجال والنساء من شعب مصر الذين دافعوا عن حريتها واستقلالها، وخاضوا معارك أمنها وسلامتها.. وتحية لشباب مصر، وهو يتقدم ليتصدر الكفاح.. من أجل الحرية والسلام.. والرخاء.
أعرف أن الكتاب نفد من سنين، وأن الجميع قد قصروا فى إعادة طبعه، وقد أعادتنى هذه الذكريات التى أسطرها إليه، فوجدت أننا أحوج ما نكون ونحن نواجه ما نواجه الآن، للإطلال بعمق فى فصول هذا الكتاب المتميز.. بابه الأول: عن بعث المؤسسة العسكرية المصرية. ورحلته فيها منذ تخرجه فى الكلية الحربية وكان ترتيبه الأول وإن لم يذكر طوال سنوات الدراسة، وفى سنة التخرج التى تخرج فيها سنة 1937 على رأس دفعة ضمت الفريق أول عبد المحسن كامل مرتجى والفريق على جمال الدين والفريق صلاح الحديدى والفريق أنور القاضى وضمت صديقه الضابط الفارس الأديب يوسف السباعى، وكيف كانت خطواته الأولى فى فيلق الضباط حتى استوى على القمة، فى رحلة طويلة عبر الحرب العالمية الثانية، وحرب فلسطين، والتدريس بكلية أركان حرب، واستوائه المتميز فى القيادة العامة، ودوره فى كسر احتكار السلاح والصفقة الكبرى التى تولاها لتسليح الجيش المصرى 1954 / 1955 مع تشيكوسلافيا والاتحاد السوفييتى، وانتصار الثورة فى معركة تأميم قناة السويس، والعدوان الثلاثى 1956، ومراحله الثلاثة: بداية من إسقاط قوات المظلات الإسرائيلية عند الطرف الشرقى من ممر متلا، ودراسة وتقدير الموقف، والتحرك لمواجهته بتحريك المجموعات المدرعة شرقًا، ثم تمثيلية التدخل البريطانى الفرنسى وإعلانهما عدم الالتزام بالإعلان الثلاثى، وتعطيلهما انعقاد مجلس الأمن ليتاح تنفيذ مؤامرة العدوان الثلاثى المتفق عليها، ثم المعركة التى دارت فى سيناء (31 أكتوبر 5 نوفمبر)، والتحركات على الجبهة السياسية، ثم معركة السويس (5 7 نوفمبر)، ثم المرحلة الثالثة لهذه الحرب منذ نوفمبر 1956 حتى مارس 1957، ولا يفوت حافظ إسماعيل فى تقييمه للموقف، أن يسجل لعبد الناصر حكمته وشجاعته فى إدارة هذه المعركة، وأنه على امتداد سبعة أشهر ونصف دارت أعظم معارك التاريخ المصرى الحديث، واستطاعت مصر فى نهايتها أن تحافظ على استقلالها، وأن تؤكد حقها، وأن ترغم قوى العدوان على الانسحاب وتحرمها من تحقيق أهدافها وكيف أن الرئيس عبد الناصر أدار هذه المعركة بكل ما اتصف به من حكمة وشجاعة وضبط نفس، وتقدير كامل لكل أدوات الصراع..السياسية والعسكرية والاقتصادية، وأن أخطر أسلحته كانت هى ثقته فى جماهير شعب مصر، وقدرته على تعبئتها وتأييدها الكامل له وإصرارها على مواصلة القتال معه. ولتبدأ بعد هذا الانتصار مباحثات الوحدة مع سوريا التى اشترك حافظ إسماعيل فى مباحثاتها إلى جوار عبد الناصر وعامر والسرّاج وعفيف البرزى، وتوّجت بإعلان الوحدة فى أول فبراير 1958، وليبدأ بعدها إعادة البناء العسكرى للقوات المصرية المسلحة.
المدهش، وهو ليس بمدهش لمن يعرف شخصية هذا الوطنى الرائع، أنك لا ترى ذاته ولا مناصبه
ولا التنويه بما قام به، خلال سرده وتقييمه لهذه الأحداث الكبرى التى كان طرفًا مشاركًا فيها، وشغل خلالها أرفع المواقع الفنية فى القيادة العامة للقوات المسلحة، وشغل منصب رئيس أركان حرب القيادة المشتركة، حتى إذا ما كان صيف 1960، أبدى الرئيس جمال عبد الناصر رغبته فى أن يتولى حافظ إسماعيل منصب وكيل وزارة الخارجية ليقوم بتحديث هيكلتها وتنظيمها، وليبدأ الرجل مهمة أخرى فى معقل الدبلوماسية التى يبدى أن عينه ظلت فيها على القوات المسلحة، وأنه ظل يتابع من هناك عثراتها وانتصاراتها، ويعمل من أجل توفير أكثر الظروف الدولية ملاءمة لتحقيق مهامها الوطنية والقومية. وليؤدى فى معقل الدبلوماسية، دورًا مختلفًا، يرى فيه أن الدبلوماسية أداة كفاح وطنى، وعن ذلك يجرى حديث حافظ إسماعيل فى الباب الثانى من كتابه الضافى: «أمن مصر القومى فى عصر التحديات».
(يتبع)
شدتنى المحاماة ونقابتها، وأخذتنى من السياق الزمنى، حتى لا أترك أحد فصولها مبتورًا، فإن تركتها الآن فإلى حين لأعود إليها، فهى عشقى وحياتى. فى 29 نوفمبر1987، وصلت إلى مكتبى بطلعت حرب آنذاك، نحو الثانية عشرة ظهرًا، ليخبرنى الزملاء أن محمد حافظ إسماعيل مرّ علىّ ولم يجدنى، وأنه ترك لى مظروفًا.. لم تكن من عادة هذا العظيم أن يمرّ على أحد، فهو يُسعى إليه، ولى معه ذكريات ثرية سوف أعود إليها. فتحت المظروف متشوّقًا، فوجدت كتابه الذى خرج مـن مطابـع الأهرام لتوّه: «أمن مصر القومى فى عصر التحديات»، فتحت الغلاف لأجد إهداءً رقيقًا بخط قشيب لهذا القريب الكبير، الحبيب الغالى، الذى ملأ الدنيا بفضله وشغل الناس بكفاءته واستقامته ونزاهته وشرفه وغزير عطائه لمصر فى كل موقع تولاّه.. استقبلت كلماته بشوق ما لبث أن غمرته الدهشة من أريحية تجاوز كل حد.. لم أصدق أن يكتب ما كتبه.. جرت كلماته إلى عيناى: «العزيز رجائى. تقديرًا لإسهامكم الثمين فى صياغة هذا العمل. خالكم محمد 29 نوفمبر 1987».
نعم، كان قد أعطانى مسودة هذا الكتاب لأراجعه، ولكنى فى الواقع تمتعت بما قرأت، ولم أشارك أو أسهم فى صياغة، اللهم إلاّ أن أبدى إعجابى العميق بمادة الكتاب وبأسلوبه الرشيق الذى بارى به الأدباء، وسابقهم وسبقهم فى مضمارهم.. استكثرت كرمه الفياض أن ينسب إلىّ إسهامًا وثمينًا فى صياغة هذا العمل الذى لم يصغه ولم يبدعه سواه. قلت لنفسى هذه شيم الكبار، وهو كبير، أقر بعظمته الجميع، ولكن ما إن جلست مساءً إلى الكتاب بمنزلى لأعيد قراءته بعد أن كنت قد قرأته مخطوطًا، حتى فجأتنى مفاجأة أخرى تحت «عرفان وتقدير»، والعرفان والتقدير يجب أن يزجيا إليه، كتب يقول: «أتقدم بالشكر إلى كل من استحثنى أن أسجل رؤيتى لبعض أحداث الوطن التى عشتها.. وأشعر بامتنان عميق.. للدكتورة عائشة راتب وزيرة الشئون الاجتماعية وسفيرة مصر. والأستاذ عبد اللطيف حافظ «شقيقه الأصغر وآخر العنقود»، وكيل أول وزارة التخطيط. والسفير أحمد ماهر السيد «وزير الخارجية فيما بعد»، والأستاذ رجائى عطيه المحامى. الذين تفضلوا هكذا بكرمه! بأن أفردوا جانبا من وقتهم الثمين لكى يقرأوا مخطوطًا مبكرًا لهذا الكتاب، فأسهموا بذلك فى صياغتى النهائية له».
ما ذكرت هذا لأتباهى به، وإنما لأبرز أحد جوانب العظمة فى هذا الوطنى الكبير، والإنسان الرائع.. تلمحه على البعد فترى صرامة صارمة، وجبينًا مقطبًا، فإذا أتيح لك أن تقترب منه، اكتشفت أن هذه الصرامة جديّة جادة، هى من العمل والعطاء، وأن وراءها فى الدهاليز قلبًا كبيرًا، ونقاءً مصفّى، وإخلاصًا لا تفوته الإنسانية فى معانيها الكبرى. لم تكن بالمخطوطة التى قرأتها وتمتعت بها، إهداءات
ولا تقديمات، ولا أوابد افتتاحية، وإذ بى أجد فى الكتاب المطبوع ما يورى بأننى أمام فيلسوف.. عرفته حجة فى العسكرية والاستراتيجية، كتب وهو شاب فى مستهل حياته العسكرية، مع فريد عبد القادر، كتابًا لا يزال مرجعًا، عن الحرب العالمية الثانية فى شمال أفريقيا وعلى حدود مصر الغربية، وحصل على أعلى الشهادات العسكرية، وعُدّ من خبراء الاستراتيجية المعدودين، وضمن ألمع القادة العسكريين المصريين، وعرفته بعد أن اختاره عبد الناصر ليدفع به إلى وزارة الخارجية ليعد هيكلة حديثة لها، فإذ به يبارى السفراء القدامى، وينجز عملاً فى تنظيم كيان الخارجية، لا يزال يشهد به الجميع، ثم يخوض بحور السياسة والدبلوماسية، فيبدو نابغًا وسط النابغين، لا يكاد ينتهى من مهمته فى تنظيم الوزارة، حتى يُدفع به سفيرًا لمصر فى لندن، وفى روما، وفى باريس مرتين، وفى موسكو، ورئيسًا للمخابرات العامة 1970، ومستشارً للأمن القومى من 1971 حتى 1974.. فيشغل الدنيا بكفاءته وعطائه، وبنزاهته واستقامته.. وعرفته أديبًا من خلال مراجعتى لمخطوطة الكتاب، ومن خلال متابعتى لما كان يكتبه من وقت لآخر من كتابات أو مقالات فى الصحف والمجلات المصرية والعربية حول الأمن القومى والسياسة الخارجية، لعل أشهرها لدى القراء المساجلات التى دارت بينه وبين الأستاذ محمد حسنين هيكل عبر مجلة المصور فى ضربة صحفية للعزيز صديق العمر مكرم محمد أحمد.
ولكنى أرى الآن على الغلاف الداخلى للكتاب أن للرجل أعماقًا فلسفية وإنسانية كانت متوارية وراء حجب كثيفة غزاها أن الرجل لا يميل إلى الاستعراض، فى أعماقه أكثر كثيرًا مما يظهر. وجدته قد اختار بأعلى الغلاف الداخلى أثيرة للفيلسوف الشاعر جورج سانتايانا تقول: «الذين لا يذكرون الماضى.. محكوم عليهم بأن يعيشوه مرة أخرى»، ثم وجدت إلى أسفل الغلاف، مثلاً عربيّا تجرى كلماته تقـول: «السلام حلم الحكماء.. والحرب هى تاريخ الإنسانية»، حتى الإهداء، وجدته متميزًا عما تعودناه.. كل كلمة فيه تشير إلى معانٍ تعرف مغزاها حين تقرأ الكتاب.. إنه يهديه تحية للرجال والنساء من شعب مصر الذين دافعوا عن حريتها واستقلالها، وخاضوا معارك أمنها وسلامتها.. وتحية لشباب مصر، وهو يتقدم ليتصدر الكفاح.. من أجل الحرية والسلام.. والرخاء.
أعرف أن الكتاب نفد من سنين، وأن الجميع قد قصروا فى إعادة طبعه، وقد أعادتنى هذه الذكريات التى أسطرها إليه، فوجدت أننا أحوج ما نكون ونحن نواجه ما نواجه الآن، للإطلال بعمق فى فصول هذا الكتاب المتميز.. بابه الأول: عن بعث المؤسسة العسكرية المصرية. ورحلته فيها منذ تخرجه فى الكلية الحربية وكان ترتيبه الأول وإن لم يذكر طوال سنوات الدراسة، وفى سنة التخرج التى تخرج فيها سنة 1937 على رأس دفعة ضمت الفريق أول عبد المحسن كامل مرتجى والفريق على جمال الدين والفريق صلاح الحديدى والفريق أنور القاضى وضمت صديقه الضابط الفارس الأديب يوسف السباعى، وكيف كانت خطواته الأولى فى فيلق الضباط حتى استوى على القمة، فى رحلة طويلة عبر الحرب العالمية الثانية، وحرب فلسطين، والتدريس بكلية أركان حرب، واستوائه المتميز فى القيادة العامة، ودوره فى كسر احتكار السلاح والصفقة الكبرى التى تولاها لتسليح الجيش المصرى 1954 / 1955 مع تشيكوسلافيا والاتحاد السوفييتى، وانتصار الثورة فى معركة تأميم قناة السويس، والعدوان الثلاثى 1956، ومراحله الثلاثة: بداية من إسقاط قوات المظلات الإسرائيلية عند الطرف الشرقى من ممر متلا، ودراسة وتقدير الموقف، والتحرك لمواجهته بتحريك المجموعات المدرعة شرقًا، ثم تمثيلية التدخل البريطانى الفرنسى وإعلانهما عدم الالتزام بالإعلان الثلاثى، وتعطيلهما انعقاد مجلس الأمن ليتاح تنفيذ مؤامرة العدوان الثلاثى المتفق عليها، ثم المعركة التى دارت فى سيناء (31 أكتوبر 5 نوفمبر)، والتحركات على الجبهة السياسية، ثم معركة السويس (5 7 نوفمبر)، ثم المرحلة الثالثة لهذه الحرب منذ نوفمبر 1956 حتى مارس 1957، ولا يفوت حافظ إسماعيل فى تقييمه للموقف، أن يسجل لعبد الناصر حكمته وشجاعته فى إدارة هذه المعركة، وأنه على امتداد سبعة أشهر ونصف دارت أعظم معارك التاريخ المصرى الحديث، واستطاعت مصر فى نهايتها أن تحافظ على استقلالها، وأن تؤكد حقها، وأن ترغم قوى العدوان على الانسحاب وتحرمها من تحقيق أهدافها وكيف أن الرئيس عبد الناصر أدار هذه المعركة بكل ما اتصف به من حكمة وشجاعة وضبط نفس، وتقدير كامل لكل أدوات الصراع..السياسية والعسكرية والاقتصادية، وأن أخطر أسلحته كانت هى ثقته فى جماهير شعب مصر، وقدرته على تعبئتها وتأييدها الكامل له وإصرارها على مواصلة القتال معه. ولتبدأ بعد هذا الانتصار مباحثات الوحدة مع سوريا التى اشترك حافظ إسماعيل فى مباحثاتها إلى جوار عبد الناصر وعامر والسرّاج وعفيف البرزى، وتوّجت بإعلان الوحدة فى أول فبراير 1958، وليبدأ بعدها إعادة البناء العسكرى للقوات المصرية المسلحة.
المدهش، وهو ليس بمدهش لمن يعرف شخصية هذا الوطنى الرائع، أنك لا ترى ذاته ولا مناصبه
ولا التنويه بما قام به، خلال سرده وتقييمه لهذه الأحداث الكبرى التى كان طرفًا مشاركًا فيها، وشغل خلالها أرفع المواقع الفنية فى القيادة العامة للقوات المسلحة، وشغل منصب رئيس أركان حرب القيادة المشتركة، حتى إذا ما كان صيف 1960، أبدى الرئيس جمال عبد الناصر رغبته فى أن يتولى حافظ إسماعيل منصب وكيل وزارة الخارجية ليقوم بتحديث هيكلتها وتنظيمها، وليبدأ الرجل مهمة أخرى فى معقل الدبلوماسية التى يبدى أن عينه ظلت فيها على القوات المسلحة، وأنه ظل يتابع من هناك عثراتها وانتصاراتها، ويعمل من أجل توفير أكثر الظروف الدولية ملاءمة لتحقيق مهامها الوطنية والقومية. وليؤدى فى معقل الدبلوماسية، دورًا مختلفًا، يرى فيه أن الدبلوماسية أداة كفاح وطنى، وعن ذلك يجرى حديث حافظ إسماعيل فى الباب الثانى من كتابه الضافى: «أمن مصر القومى فى عصر التحديات».
(يتبع)