الصحافة والحرية..

رجائى عطية: فى لقاء شيق حار، مشمول بدفء الفهم المتبادل المشترك، جلست من سنوات فى قاعة المحاضرات بالأهرام إلى عدد كبير من الصحفيين.. معظمهم من الشباب، وجيل الوسط.. لأتحدث إليهم...

رجائى عطية:

فى لقاء شيق حار، مشمول بدفء الفهم المتبادل المشترك، جلست من سنوات فى قاعة المحاضرات بالأهرام إلى عدد كبير من الصحفيين.. معظمهم من الشباب، وجيل الوسط.. لأتحدث إليهم حديثاً موصولاً عن مشاغل الصحافة هذه الأيام وشاغلناـ الكلمة التى باتت مصابة فى زماننا بفصام وأدران.. إلى أين؟، غايتها وضوابطها وحدودها، لتسهم- فى ميدان صاحبة الجلالة- فى إعطاء مدد فكرى ومعنوى لقضية حقوق الإنسان فى مصرنا المحروسة، وكيف يمكن أن تقوم بدورها البنّاء والضرورى واللازم فى مناقشة القضايا العامة، وتنوير الرأى العام، وحماية مصر والمصريين مما عساه يفرط من الإدارة تعديًّا على حقوق المصريين، وعلى ما يجب كفالته لهم ولاحتفاظ الدولة بأسسها كدولة دستورية تحترم الدستور والقانون، وتحترم الشعب وحقوقه، ولا تجاوز حدودها أو تتعداها!

جميل أن تلتقى الصحافة، مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائى، على بحث دراسة رعاية حقوق الإنسان ودعم حرية الصحافة باعتبارها فى مقدمة أولويات كفالة حرية الرأى والتعبير، ومنارة الناس للإلمام بالمعلومات والرؤى ومعايشة الأحداث الجارية- المحلية، والعربية، والعالمية، معايشة تكفل قاعدة معلوماتية واسعة- أفقيا ورأسيا، وتحقق قدرة البحث الموضوعىالمدقق القائم على هذه القاعدة، واستخلاص الرؤى والآراء والأفكار للمساهمة الواعية الفاهمة الرشيدة فى نهرالحياة الذى لا يتوقف.

وجميل أيضا هذه التلبية الملحوظة، والمشهودة، لجيل الوسط، ولشباب الصحفيين الذين دلت كثافة تواجدهم، وثراء مداخلاتهم وأسئلتهم ومناقشاتهم، على أن فيهم شعلة واعدة ومبشرة، تورى بأن الكساد الذى ران على فئات مهنية متعددة لظروف كثيرة متراكمة متراكبة، لم يطل شريحة هامة وواعدة من شباب الصحفيين، والذين ربما حفظهم من «البارومة» المتفشية- أنهم يمتلكون بحكم عملهم وتغطياتهم لكثير من الأحداث الجارية، ويلمسون عن قرب عواملها ومؤثراتها ويلمون بأسرارها وعناصرها الفاعلة بما يتيح مساحة أوسع من الفهم والقدرة على التحليل، يغذى ذلك ويثريه أن العمل الصحفى يتيح الإقتراب من رموز ومن أدباء ومن مفكرين وفنانين ومن حكام ومن مسئولين.. وهؤلاء على اختلافهم-يمثلون عقل الأمة، ويعبرون عن مجمل إهتماماتها وقضاياها، وعلى قدر أكثر من العقل والفهم يزيد عن فهم وإلمام أوساط الناس ومَنْ دونهم، الأمر الذى يحقق للصحفى الطموح الجاد الواعى المنتبه الملتفت- مساحة واسعة من استقبال ما لدى هؤلاء من علم وثقافة ومعرفة وفهم وفكر.

يومها ساهم فى إثراء الندوة، والحوار، أن القضية بكافة أبعادها تشغل الصحافة والصحفيين من زمن، وتثير فى جانب من جوانبها المتصلة بالمسئولية وعيارها وعوادمها أو جزاءاتها- تثير إلتهابا وغضبا يجمح أحيانا ليعبرعن نفسه فى صورة بالغة الغضب والإنفعال، تستهجن كيف يمكن تعرض الصحفى للحبس الإحتياطى أو الحبس العقابى التنفيذى على أدائه لعمله فى محراب صاحبة الجلالة التى هى روح وعين وضمير الناس ووسيلتهم للإطلال على العوالم الظاهرة والخفية، والإحاطة بأسرار كان يمكن أن تظل وراء أستار الخفاء لولا الصحافة التى تتعب وتكد وتستقصى وتخاطر وتجالد وتعارك أحيانا- حتى تجمع فى الجراب زادها لتقدمه من بعد إلى جمهور الناس مشفوعاً ومضفراً برؤيتها وأفكارها ونقدها!

يومها تحدثنا عن أن الضوابط اللازمة لاحترام ميثاق العمل الصحفى، وعدم الجور على حقوق الناس، يمكن تحديدها دون أن تنال من حرية الصحافة ووجوب أن يبقى باب ممارستها مفتوحًا للصحفى على مصراعيه، لا يقيده شىء إلاّ قيد عدم الإساءة المتعمدة للغير، وبسوء نية، وبلاغاية مشروعة.. وهو قيد لا يختلف عليه أحـد، ولا ينطوى فى الواقع على أى مصادرة على حرية الصحفى وحقه الواسع فى المعالجة والنقد والإخبار إذا فهم القواعد الحاكمة لهذا كله، وهى قواعد تنطوى على بحبوحة واسعة.. بل شديدة الإتساع، طالما إلتزم الصحفى وإلتزمت الكلمة بغايتها المحمودة فى النقد الموضوعى وفى الإخبار والإنباء والتعليق ومهما اشتدت أو جمحت أو قست عبارته، مادام هدفه المصلحة العامة، ومادام عمله خال من الغرض المغلوط فى الإيذاء لذاته !

إن حق الصحفى فى النقد، وفى الإخبار والإنباء، حق دستورى، وفرع على نظرية عامة شاملة هى نظرية إستعمال الحق.. المقننة فى المادتين 7، 60 من قانون العقوبات المصرى. وهى نظرية تفرعت عنها حقوق وإباحات عديدة، كحق الدفاع أو التأديب.. وفى مقدمة هذه الحقوق حق الإنباء والإخبار عموماً، وبالأخبار القضائية، وحق النقد.

لا يجوز بزعم هذه الرعاية الواجبة لحقوق الآخرين المصادرة على حرية الصحفى والصحافة. إن حرية الرأى المرعية دستوريا تُحمل فى رحاب الفكر وواجب حملها فى رحاب القضاء- على أوسع معانيها، فيدخل فى باب حرية الرأى المعلومات والأنباء، وتقديرات الحوادث والأشخاص والتصرفات والأشياء والأعمال سواء كان أساسها العقل أو الشعور.. وتشمل الإعراب فيما يتعلق بالمسائل العامة أو التى تهم مصلحة عامة- عن كافة المشاعر المردودة إلى التقدير من غضب وخوف ويأس وحزن، أو من رضا وأمل وفرح واستحسان.. كما تشمل الإعراب عن أية فكرة تنفى خطأً أو تثبت صواباً أو تبين حقيقةً أو ترفضها ببرهان عقلى أو فكرى أو علمى..

وحق النقد، فرع هام جدا على هذه الحرية النابعة من نظرية إستعمال الحق التى تعطى الصحافة والصحفى مشروعية الوجود والأداء والحماية.. وحق النقد هو لب جوهر حرية القول والفكر.. وهى ممارسة لاتتجه أساساً إلى القذف والسـب والإهانـة- ولا يقصـد منها التشهير والمساس بشرف الغير أو إعتباره أو سمعته، وإنما يتجه النقد أساسـاً إلـى النعـى علـى «تصرفـات» أو «سـلوكيات».

أو «أعمال». أو «سياسات» واقعة أو حاصلة أو حادثة فعلاً واتصلت بجمهور الناس فى شأن من الشئون العامة، ولأن النقد أو التعليق لا يجرى بطبيعة الحال لمصلحة أو على هوى ورغبة المنقود، كذلك فإن حرية النقد تنبع من مفهوم أن القانون وإن كان يحمى «شرف» كل شخص واعتباره «حمايـة عامـة»، إلاّ أنه لا يقـدس ولا يحمى «التصرفات» التى تصب لدى الرأى العام الذى يملك وحده الإزدراء والرفض، أو المجد والنعمة يوزعها دون أن يكون فى مقدور أحد أو سلطة أن تمنع هذه أو تضمن تلك لأحد من العباد!

خذ مثلا المادة 302 من قانون العقوبات المصرى، إنها تجرم القذف، ومع ذلك فإنها تخرج من دائرة التجريم الطعن فى «أعمال» الموظف العام أو ذى الصفة النيابية العامة أو المكلف بخدمة عامة متى حصل بسلامة نية، وكان صادقا، ولم يتعد «أعمال» الوظيفة العامة أو ما فى حكمها.. هذا التناول للأعمال والتصرفات من النقد المباح الذى لا خلاف على إباحته، فهو لا يسب الأشخاص وإنما يقدم خدمات جليلة للرأى العام.

خذ مثلاً حق نشر أنباء المحاكمات، فذلك فرع على علانيتها وامتداد واستيفاء لهذه العلانية. فكما أن مشاهدة المحاكمة العلنية حق مكفول للكافة كذلك نشر أخبارها، يملكه الصحفى وغير الصحفى. ومهما كان فى النشر من مساس بشرف أشخاص أو اعتبارهم، باعتباره أثراً حتمياً لا فكاك منه لمبدأ العلنية..

الحوار حول نشر أنباء الجرائم والمحاكمات، حوار عالمى موصول وممتد.. تستدعيه ظواهر عديدة، ولا بأس ولا ضير من النشر طلما يلتزم الأمانة والدقة والحيدة والاعتدال، وحين يبعد عن الإثارة المغلوطة التى تقصد لذاتها أو تقصد إشفاء الغليل كذبًا بغير حق.

يومها نجحت الصحافة، وإن لم يتحقق كل المطلوب، فى أن تدفع الدولة سنة 2006 إلى إدخال تعديلات جوهرية على كثير من المواد التى كانت تقرر حبس الصحفيين، وأدت هذه الغاية إلى إلغاء هذه العقوبة فى السب والقذف بإجمال تحاشيًّا لمخالفة مبدأ المساواة، وهو مبدأ دستورى تؤدى مخالفته إلى عدم دستورية القانون.

لم يكن فى حسبان أحد، أنه لن تمضى خمس سنوات، إلاّ وترتد الإدارة المصرية، وللأسف بعد ثورة أملنا فيها خيرًا، لتنقض على الصحافة، فتتراجع عما كان قد تقدم إليه بشأنها النظام السابق، وتحبك عملية أخونة الصحافة القومية من خلال عملية مؤسفة تمت فى فترة الريبة التى كان مجلس الشورى ينتظر الحكم المؤكد بحله لأنه قد شاب تشكيله ذات ما شاب تشكيل مجلس الشعب، ثم طفقت الإدارة تتابع مسيرة تضرب الصحافة والإعلام من خلال مطاردة الصحفيين بالإحالة إلى محكمة الجنايات، وإغلاق قنوات، والتهديد بإلغاء غيرها، والإطاحة برئيس تحرير الجمهورية وعدم احترام الحكم القضائى القاضى ببطلان عزله وبإعادته إلى موقعه.. وَجَعَل الانهيار يتداعى حتى بتنا نرى الصحافة معتقلة والصحفيين مهددين ليس فقط فى مواقعهم وأرزاقهم، بل فى حيواتهم، ولم يكن ما حدث حول مدينة الإنتاج الإعلامى والاعتداء على بعض الصحفيين والإعلاميين إلاّ مؤشرًا ونذيرًا لمخطط عام لم يعد يخجل أو يستحى من أنه سيلاحق الصحفيين والإعلام لتعتقل الحرية وتعتقل الكلمة اعتقالاً ربما أشد وأنكى مما كانت تعانيه!!