شريف عطية
رغم أن تركيبة الداخل اللبناني .. هي الأكثر صعوبة ومشقة في رأب اختلافاتها، بالمقارنة بالأوضاع الداخلية لدول عربية غير قليلة، فإن لبنان يكاد أن يستبق غيره من العرب المنقسمين علي أنفسهم.. إذ شارف منذ ساعات علي لئم الشروخ بين الفريقين المتناظرين الذي يتوزع بينهما اللبنانيون (8 و14 آذار).. ليتوافقا علي تشكيل حكومة ائتلاف وطني.. من المنتظر إعلانها قبل أول أغسطس المقبل - المتوافق مع الاحتفال بيوم الجيش.. وليحضره كل من رئيس الجمهورية »ميشيل سليمان« ورئيس الوزراء المنتظر »الحريري«.. جنباً إلي جنب مع رئيس البرلمان »بري«? وحيث من المأمول أن يقع علي كاهل هذه »الترويكا« قيادة البلاد في مرحلة حرجة من تاريخها ومن مستقبل مسار العمل العربي علي السواء، إذ إن لبنان بمثابة »رمانة الميزان«? لديمقراطيته التوافقية و»انفتاحه الاقليمي والدولي، بالنسبة للعالم العربي الذي يواجه في المرحلة الراهنة من التحديات المطلوب حسمها.. سواء في اتجاه ما يسمي »المصالحة التاريخية« بين القوميتين العربية واليهودية، أو بالنسبة للغطاء التنظيمي المالي الذي توفره إيران لحركات الإسلام السياسي العربية، فيما تركيا »الأطلسية« عند الثقب الأسود.. في انتظار ما تسفر عنه الملحمتان العربيتان في سجالهما التاريخي مع كل من اسرائيل وإيران، فإما أن يحافظ العرب -كالآخرين- علي ذاكرتهم الجماعية.. أو أن تطوي تسويات الانظمة .. صفحاتهم المضيئة، لصالح الصهيونية القديمة ـ المتجددة.. الأكثر اجتراحا علي العرب، أو لحساب الشهية الجيوسياسية للقوميتين الفارسية والطورانية المنفتحتين مؤخراً علي المقدرات العربية.. التي تبدو - إن لم تنفض عن نفسها العجز- وكأن ريحها سوف يتوزع علي الجارات الثلاث غير العربيات.
إلي ذلك، يأتي دور لبنان.. هذا البلد الصغير، الكبير بموقعه ونوافذه الفكرية المفتوحة لينوب عن العرب المتأرجحين مثل بندول الساعة ما بين التطبيع مع اسرائيل ذات السياق الاوروبي، أو في التماهي مع النموذج الايراني لـ»ولاية النقية«? أو في محاكاة النموذج التركي المنقسم ما بين الليبرالية الاسلامية.. وعلمانية العسكر، وليأخذ لبنان إذا استطاع أن يمسك بزمام مصيره.. بيد العالم العربي للخروج معاً من هذا التحدي الثلاثي الذي يحدق بهم.. ومن ذلك الركود الذي أغرقه فيه نصف قرن من الاستبداد والديكتاتورية، إذ إن اللبنانيين ـ بتنوعهم الثقافي والسياسي ـ أكثر قدرة من الآخرين علي مصالحة العالم العربي مع نفسه.. ومع العالم.
إلي هذا السياق، لا يبدو مستغرباً تلك الحمية التي تأخذ بقيادات لبنانية 28 يوليو.. غيرة علي دور مصر العروبي في الستينيات وفي الحرص علي عدم إهداره »جنبلاط«? فيما ترفض قيادات أخري 10 يونيو الماضي السلام مع اسرائيل دون بقية المسارات »الحريري«- وهو الذي يطالب في 28 يوليو الحالي بتنظيم كل العلاقات الفلسطينية - اللبنانية علي أساس من المصلحة المشتركة القائمة علي دعم »حق العودة«? وفيما يتصالح الفرقاء اللبنانيون في الداخل.. المارون، والدروز، إلي حزب الله والسنة.. إلخ، توطئة لأن يأخذوا بأيديهم الملف اللبناني الخاص بالتسوية مع إسرائيل، إذ يسبب هذا الملف - لمحوريته - حالة من الارباك إقليميا ودوليا، ذلك لاشتباكه بأكثر من قضية في آن واحد.. وبتوجهات مختلفة، مما يقلق اسرائيل والامريكيين. سواء لشروطهم بالنسبة للحل الوسط الاقليمي، أو بالنسبة لقرار مجلس الأمن 1701 الذي صدر لتقييد دور حزب الله ونشاطه العسكري.. فيما الحدود اللبنانية الشمالية مع اسرائيل هي أكثر الجهات توتراً.. مما يعوق الرغبة الاسرائيلية في السلام الاقليمي أو في التفاوض مع سوريا علي حد سيان.
لقد كان لبنان.. الدولة المرشحة التالية لتوقيع السلام مع اسرائيل بعد مصر، ولكن بسبب قناعته بأن مصالحه وازدهاره مرتبطان باستراتيجية العمل العربي الموحد، فإنه سيكون -علي حد تصريحات مختلفة مسئولة عن جميع المستويات.. ومن مختلف الاطياف، سوف يكون آخر من يوقع اتفاقاً للسلام مع اسرائيل، وليثبت من خلال تطور الأحداث في العقود الماضية من العام 1975 إلي اليوم، أن لبنان -بحق - هو بالنسبة للعالم العربي »رمانة الميزان«.
»رمانة الميزان« العربي
شريف عطية رغم أن تركيبة الداخل اللبناني .. هي الأكثر صعوبة ومشقة في رأب اختلافاتها، بالمقارنة بالأوضاع الداخلية لدول عربية غير قليلة، فإن لبنان يكاد أن يستبق غيره من العرب...