رجائى عطية
من نحو تسعة قرون، انتصر الإمام ابن القيسرانى عالم الحديث، للموسيقى والغناء، وساق أدلته من واقع السنة الصحيحة، والأحاديث المروية فى صحيحى البخارى ومسلم، وغيرهما، وما روى فى الأثر، ما يؤيد أن الإسلام لم يخرج بالموسيقى والغناء من دائرة الإباحة إلى التجريم، وأن آراء المانعين أو المضيقين أو المحرمين مرجوحة، على أن معظم هؤلاء لم يستطيعوا المنع بإطلاق، وإنما إذا أفضى إلى محظور، وهو ما لا يختلف عليه أحد، وكان عنه حديثنا عن أن الخير أو الشر ليس كامنًا فى ذاتية الشىء أو الآلة أو ما أشبه، وإنما فى استخدامنا له.. فالموسيقى والغناء، فن راق، ويبقى فى هذه الدائرة ما بقى ملتزما بأصوله ومراميه، ولا يخرج عنها إلاَّ إذا أسلس إلى المجون. فالمحظور هو المجون، لا ذات الموسيقى أو الغناء. وربما أدهشك وأنت تراجع ما قاله الأقدمون فى بحثهم عن موضع الموسيقى والغناء بين الإباحة والتحريم، أنهم أفردوا الحديث كما فعل النويرى فى نهاية الأرب عن كل آلة من الآلات الموسيقية التى كانت معروفة فى زمانهم، كالعود والطنبور وغيرهما من الآلات ذوات الأوتار والدفوف والمعازف.................. .
وقد صح ما استعرضه ابن القيسرانى فى أحاديث ومرويات أباحت الاستماع إلى الموسيقى والغناء، وصح أن بعض الصحابة والتابعين سمعوا الغناء وحضروا مجالسه، بل صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل بيت عائشة وعندها جاريتان تغنيان فلم ينهاهما، ثم دخل أبو بكر فانتهرهما فقال الرسول: «دعهما يا أبا بكر، وروى أنه................ عن إجازته مشاهدة لعب الأحباش بالحراب، أنه كى يعلم الآخرون أن فى الإسلام فسحة»، وأخرج........... فى تاريخه وأشار له السيوطى، أنه صلى الله عليه وسلم قال: «بعثت بالحنيفية السمحة، ومن خالف سنتى فليس منى».
ومما ورد فى الإحياء، للإمام الغزالى، قوله فى بيان الدليل على إباحة السماع: «أعلم أن قول
القائل: السماع حرام معناه أن الله تعالى يعاقب عليه، وهذا أمر لا يُعرف بمجرد العقل بالسمع ومعرفة الشرعيات محصورة فى النص أو القياس على النصوص، وأعنى بالنص ما أظهره صلى الله عليه وسلم بقوله أو بفعله وبالقياس المعنى للمفهوم من ألفاظه وأقواله، وأن لم يكن فيه نص ولم يستقم فيه قياس على منصوص بكل القول بتجريمه، وبقى فعلا من خرج فيه كسائر المباحات، ولا يدل على تحريم السماع نص ولا قياس، وقد دل النص والقياس جميعًا على إباحته».
حول ذلك كله، أدار ابن القيسرانى كتابه الضافى: السماع، فبدأ بوظيفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أدلة الأحكام التى يعتد بها، وطفق يستعرض الأحاديث التى وردت بصحيحى البخارى ومسلم، وأصول أدلة الإباحة عند الشافعى وابن عباس والشعبى، مبينا أنه لا تقبل شهادة إلاّ لشاهد العدل دون غيره، لا من يتظاهر بالورع تشبعًا للعامة واجتذابا لرضاهم، وأمثلة من المرويات التى يستدل منها على إباحة السماع، وقول الإمام مال والإمام الشافعى فى الغناء، وما روى عن مصعب الزبيرى من أنه حضر مجلس مالك بن أنس فسأله أبو مصعب عن السماع فقال: «ما أدرى، أهل العلم ببلدنا لا ينكرون ذلك، ولا يبتعدون عنه ولا ينكره إلاّ غبى جاهل، أو ناسك غليظ الطبع»، وما روى عن سماع أحمد بن حنبل وسماع جماعته من العلماء للغناء، وتناول الضرب بالدف وغيره من الآلات الموسيقية، وأن مجرد كراهية إنسان لشىء بطبعه لا يوجب تحريمه، وأن تحريم الحلال كتحريم الحرام لا يجوز.
(يتبع)
من نحو تسعة قرون، انتصر الإمام ابن القيسرانى عالم الحديث، للموسيقى والغناء، وساق أدلته من واقع السنة الصحيحة، والأحاديث المروية فى صحيحى البخارى ومسلم، وغيرهما، وما روى فى الأثر، ما يؤيد أن الإسلام لم يخرج بالموسيقى والغناء من دائرة الإباحة إلى التجريم، وأن آراء المانعين أو المضيقين أو المحرمين مرجوحة، على أن معظم هؤلاء لم يستطيعوا المنع بإطلاق، وإنما إذا أفضى إلى محظور، وهو ما لا يختلف عليه أحد، وكان عنه حديثنا عن أن الخير أو الشر ليس كامنًا فى ذاتية الشىء أو الآلة أو ما أشبه، وإنما فى استخدامنا له.. فالموسيقى والغناء، فن راق، ويبقى فى هذه الدائرة ما بقى ملتزما بأصوله ومراميه، ولا يخرج عنها إلاَّ إذا أسلس إلى المجون. فالمحظور هو المجون، لا ذات الموسيقى أو الغناء. وربما أدهشك وأنت تراجع ما قاله الأقدمون فى بحثهم عن موضع الموسيقى والغناء بين الإباحة والتحريم، أنهم أفردوا الحديث كما فعل النويرى فى نهاية الأرب عن كل آلة من الآلات الموسيقية التى كانت معروفة فى زمانهم، كالعود والطنبور وغيرهما من الآلات ذوات الأوتار والدفوف والمعازف.................. .
وقد صح ما استعرضه ابن القيسرانى فى أحاديث ومرويات أباحت الاستماع إلى الموسيقى والغناء، وصح أن بعض الصحابة والتابعين سمعوا الغناء وحضروا مجالسه، بل صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل بيت عائشة وعندها جاريتان تغنيان فلم ينهاهما، ثم دخل أبو بكر فانتهرهما فقال الرسول: «دعهما يا أبا بكر، وروى أنه................ عن إجازته مشاهدة لعب الأحباش بالحراب، أنه كى يعلم الآخرون أن فى الإسلام فسحة»، وأخرج........... فى تاريخه وأشار له السيوطى، أنه صلى الله عليه وسلم قال: «بعثت بالحنيفية السمحة، ومن خالف سنتى فليس منى».
ومما ورد فى الإحياء، للإمام الغزالى، قوله فى بيان الدليل على إباحة السماع: «أعلم أن قول
القائل: السماع حرام معناه أن الله تعالى يعاقب عليه، وهذا أمر لا يُعرف بمجرد العقل بالسمع ومعرفة الشرعيات محصورة فى النص أو القياس على النصوص، وأعنى بالنص ما أظهره صلى الله عليه وسلم بقوله أو بفعله وبالقياس المعنى للمفهوم من ألفاظه وأقواله، وأن لم يكن فيه نص ولم يستقم فيه قياس على منصوص بكل القول بتجريمه، وبقى فعلا من خرج فيه كسائر المباحات، ولا يدل على تحريم السماع نص ولا قياس، وقد دل النص والقياس جميعًا على إباحته».
حول ذلك كله، أدار ابن القيسرانى كتابه الضافى: السماع، فبدأ بوظيفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أدلة الأحكام التى يعتد بها، وطفق يستعرض الأحاديث التى وردت بصحيحى البخارى ومسلم، وأصول أدلة الإباحة عند الشافعى وابن عباس والشعبى، مبينا أنه لا تقبل شهادة إلاّ لشاهد العدل دون غيره، لا من يتظاهر بالورع تشبعًا للعامة واجتذابا لرضاهم، وأمثلة من المرويات التى يستدل منها على إباحة السماع، وقول الإمام مال والإمام الشافعى فى الغناء، وما روى عن مصعب الزبيرى من أنه حضر مجلس مالك بن أنس فسأله أبو مصعب عن السماع فقال: «ما أدرى، أهل العلم ببلدنا لا ينكرون ذلك، ولا يبتعدون عنه ولا ينكره إلاّ غبى جاهل، أو ناسك غليظ الطبع»، وما روى عن سماع أحمد بن حنبل وسماع جماعته من العلماء للغناء، وتناول الضرب بالدف وغيره من الآلات الموسيقية، وأن مجرد كراهية إنسان لشىء بطبعه لا يوجب تحريمه، وأن تحريم الحلال كتحريم الحرام لا يجوز.
(يتبع)