رجائى عطية
بدا لى وأنا أتابع حافظ إسماعيل فى رؤيته الفوارق، أو بالأحرى اللافوارق، بين حزب المحافظين وحزب العمال فى بريطانيا، وكيف أن المقدم عندهما فيما يكاد يكون محل اتفاق حتى إن اختلفت الوسائل أو الأشكال هو أن المتحكم فى كل حزب هو تقديم المصالح البريطانية على أى اعتبار أياً كان . بدا لى وأنا أتابع ذلك، أن هذا قاسم مشترك فى أحزاب الدول الاستعمارية، تشترك فيه ولا تختلف، وهو ما نكاد نلمسه بين الحزب الجمهورى والحزب الديمقراطى فى سياسة الولايات المتحدة فى شأن القضايا الكبرى، أو إن شئت : المصلحة الأمريكية العليا .. وهو هو ذات ما يجرى بين أحزاب الربيبة إسرائيل، لا فرق فى الواقع بين حمائم وصقور، فكلهم صقور وراء مطامع إسرائيل فى العرب وفى فلسطين !!
يستشهد حافظ إسماعيل على اللا فارق بين حزب العمال وحزب المحافظين، بمقولة جون أوسبورن الكاتب البريطانى الساخر : «إن الإنسان لا يكاد يفرق بين الفتية والفتيات من شباب لندن إن نظر إليهم من الخلف .. أو حتى لو نظر إليهم من الأمام .. تماما كأحزاب بريطانيا» ! وهو ما ينطبق على حزبى العمال والمحافظين !!
ففى لقائه مع هارولد ويلسون رئيس حزب العمال، قبل أن يفوز حزبه فى الانتخابات، لم يفت حافظ إسماعيل رغم تمنيات الرجل الطيبة بأنه سوف يفتح مع مصر صفحة جديدة، لم يفته أن وجهات نظره تكاد لا تختلف فى جوهرها بل فى تفاصيلها عمّا تتبناه سياسة وزارة المحافظين، فى كل المسائل العريضة حول اليمن والجنوب العربى وتطلعات بريطانيا فيه وفى عدن، مع الوعود القشرية عن توازن العلاقات البريطانية مع كل من مصر وإسرائيل وبدا للخبير الاستراتيجى/ الدبلوماسى حافظ إسماعيل، أن الرياح الدولية آنذاك تسير فى اتجاه يساعد الخطط والأهداف البريطانية، فالولايات المتحدة متورطة فى جنوب شرقى آسيا ومشغولة هناك حتى النخاع، بما فرض أن تترك لبريطانيا مسئولية المواجهة فى شرق السويس، والصين قد أطلقت قنبلتها الذرية الأولى، وتنحى الزعيم السوفييتى خروتشوف، وكل منهما مشغولة بنحو أو بآخر بهذه المستجدات، سواء بتفجير الصين الذرى الأول، أم بما لابس وتلا تنحى الزعيم السوفييتى الكبير، بينما كانت الولايات المتحدة، إضافة لتورطها بجنوب شرق آسيا، تترقب إنتخاباتها الرئاسية القادمة، أما إسرائيل فكانت تسعى خدمةً لمصالحها لتعطيل انسحاب بريطانيا من جنوب شبه الجزيرة العربية . كان هذا هو تحليل حافظ إسماعيل للموقف، ومن ثم لم يأمل فى تعديل حقيقى فى خطط وزارة العمال القادمة عن سياسة حكومة المحافظين الراحلة !
وقد جاءت الجولات الثلاث التى عقدها حافظ إسماعيل مع جوردون ووكر بداية من 25 نوفمبر، جاءت مؤكدة على الإجمال لتوقعاته، وجاءت الحوارات معبرة رغم الهدوء الظاهر عن اختلافات نظام مصر الذى يهدف إلى التغيير، ونظام إنجلترا الذى يحارب معركته الأخيرة وهو ينسحب من منطقة حكمها ربع قرن ! وفى جولة الحوار الثالثة 22 ديسمبر أثار حافظ إسماعيل مع ووكر تحفظات مصر على النشاط الدبلوماسى العسكرى لإسرائيل فى بريطانيا للحصول على أسلحة منها، وفى نهاية الاجتماع وقد بلغت المناقشات نهايتها، أبدى ووكر أنهم يرون الوقت قد حان لإجراء محادثات فى القاهرة، وفى 17 يناير تلقى حافظ إسماعيل موافقة الرئيس جمال عبد الناصر على مبدأ زيارة وزير بريطانى للقاهرة، إلا أنه خلال شتاء 64/65 أخذ عدد من الأحداث يتوالى وتتراكم نتائجه، وبدا أن المنطقة تتعرض لعمليات استقطاب واسعة، وأن انجلترا تعتنق أن مصر مسئولة عن تدهور الأحوال أو أنها تتبنى سياسة جرّ الشكل مع الغرب، وتتابعت الأحداث بسرعة، ففشل مؤتمر آركويت واستأنفت القوات الملكية قتالها فى اليمن، وتصاعدت أزمة بين العرب وألمانيا بعد افتضاح دورها فى تسليح إسرائيل، وتدهورت العلاقات المصرية الأمريكية، ازدادت حدة التوتر فى الجنوب العربى، وتراجعت بريطانيا عن إيفاد أحد وزرائها إلى القاهرة !
ولكن الحوار المصرى البريطانى، استؤنف ما بين يونيو وسبتمبر 1965، ورغم الغيوم وإصرار كل من مصر وبريطانيا على أن انسحابها من الجنوب العربى سيسبب الفوضى فى المنطقة، فقد مضى الحوار تحت عنوان رغبة بريطانيا فى إيفاد وزيرها جورج طومسون إلى القاهرة، فى الوقت الذى كان فيه
عبد الناصر قد التقى والملك فيصل لقاءً أسفر عن اتفاقية جدة .. اتفق فيه الطرفان على استحالة نصر عسكرى لأى من الطرفين المتقاتلين فى اليمن، وعلى ضرورة الرجوع للشعب لتقرير مصيره فى استفتاء اقتُرِحَ أن يكون فى 23 نوفمبر 1966.
وفى 18 أغسطس 1965، أعلنت بريطانيا عن زيارة وزيرها جورج طومسون لمنطقة الشرق الأوسط فى جولتين : تتضمن الأولى سوريا ولبنان والأردن وإيران، والثانية مصر والسعودية .. وفى 24سبتمبر غادر طومسون لندن إلى القاهرة، مشيعاً بمقال وقف خلفه حزب المحافظين، كتب المقال جوليان إيميرى بعنوان «أهمية ناصر» .. كان من أقذع ما وجه من هجوم ضد مصر منذ وصول حافظ إسماعيل إلى لندن، وفى الوقت الذى بدأت فيه مباحثات طومسون مع محمود رياض والدكتور محمود فوزى بالقاهرة انتظاراً لموعد مقابلته مع الرئيس عبد الناصر، أصدرت بريطانيا ظهر 25 سبتمبر قراراً بوقف العمل بدستور عدن، وإقالة حكومة عبد القوى مكاوى، وقيام الحاكم العام بسلطات الحكم مباشرة، ولم يخف على القاهرة «مغزى» وتوقيت هذا القرار ! وعلى الفور ألغى عبد الناصر مقابلته لطومسون ! وهكذا أسدل الستار على المحاولة الثانية لتطوير علاقات مصر وبريطانيا، وأسدلت القاهرة ستاراً كثيفاً من النسيان على علاقتها ببريطانيا، واقترن الخلاف الذى دب فى اجتماع «حرض» الذى عقد تحت إشراف مصر والسعودية، بالإعلان عن أكبر صفقة أسلحة للسعودية شهدها الشرق الأوسط من أعوام، فيما اعتبرته مصر جزءاً من مؤامرة أمريكية / بريطانية لتدمير جبهتها !
وهكذا، وبنهاية خريف 1965، جاء قرار قطع العلاقات الدبلوماسية بين مصر وبريطانيا فى 16 ديسمبر، جاء تعبيرًا هادئاً عن موقف اتخذته القاهرة منذ 25 سبتمبر، وتزامن مع ذلك قرار وزراء الخارجية الأفارقة، فى أديس أبابا، بقطع علاقات بلادهم الدبلوماسية ببريطانيا فى 15 ديسمبر إذا لم تتخذ إجراءات فعالة لسحق النظام العنصرى فى روديسيا، ومع تلقى حافظ إسماعيل بعد منتصف الليل قرار القاهرة بقطع العلاقات مع بريطانيا، شد رحاله فى اليوم التالى فى طريقه إلى لقاهرة بعد انتهاء مهمة شاقة، توقع عبد الناصر صعوبتها ومشقتها، ليستعد للقيام بمهمة أخرى فى وقت ملئ بالصعاب والتحديات !!
( يتبع)
بدا لى وأنا أتابع حافظ إسماعيل فى رؤيته الفوارق، أو بالأحرى اللافوارق، بين حزب المحافظين وحزب العمال فى بريطانيا، وكيف أن المقدم عندهما فيما يكاد يكون محل اتفاق حتى إن اختلفت الوسائل أو الأشكال هو أن المتحكم فى كل حزب هو تقديم المصالح البريطانية على أى اعتبار أياً كان . بدا لى وأنا أتابع ذلك، أن هذا قاسم مشترك فى أحزاب الدول الاستعمارية، تشترك فيه ولا تختلف، وهو ما نكاد نلمسه بين الحزب الجمهورى والحزب الديمقراطى فى سياسة الولايات المتحدة فى شأن القضايا الكبرى، أو إن شئت : المصلحة الأمريكية العليا .. وهو هو ذات ما يجرى بين أحزاب الربيبة إسرائيل، لا فرق فى الواقع بين حمائم وصقور، فكلهم صقور وراء مطامع إسرائيل فى العرب وفى فلسطين !!
يستشهد حافظ إسماعيل على اللا فارق بين حزب العمال وحزب المحافظين، بمقولة جون أوسبورن الكاتب البريطانى الساخر : «إن الإنسان لا يكاد يفرق بين الفتية والفتيات من شباب لندن إن نظر إليهم من الخلف .. أو حتى لو نظر إليهم من الأمام .. تماما كأحزاب بريطانيا» ! وهو ما ينطبق على حزبى العمال والمحافظين !!
ففى لقائه مع هارولد ويلسون رئيس حزب العمال، قبل أن يفوز حزبه فى الانتخابات، لم يفت حافظ إسماعيل رغم تمنيات الرجل الطيبة بأنه سوف يفتح مع مصر صفحة جديدة، لم يفته أن وجهات نظره تكاد لا تختلف فى جوهرها بل فى تفاصيلها عمّا تتبناه سياسة وزارة المحافظين، فى كل المسائل العريضة حول اليمن والجنوب العربى وتطلعات بريطانيا فيه وفى عدن، مع الوعود القشرية عن توازن العلاقات البريطانية مع كل من مصر وإسرائيل وبدا للخبير الاستراتيجى/ الدبلوماسى حافظ إسماعيل، أن الرياح الدولية آنذاك تسير فى اتجاه يساعد الخطط والأهداف البريطانية، فالولايات المتحدة متورطة فى جنوب شرقى آسيا ومشغولة هناك حتى النخاع، بما فرض أن تترك لبريطانيا مسئولية المواجهة فى شرق السويس، والصين قد أطلقت قنبلتها الذرية الأولى، وتنحى الزعيم السوفييتى خروتشوف، وكل منهما مشغولة بنحو أو بآخر بهذه المستجدات، سواء بتفجير الصين الذرى الأول، أم بما لابس وتلا تنحى الزعيم السوفييتى الكبير، بينما كانت الولايات المتحدة، إضافة لتورطها بجنوب شرق آسيا، تترقب إنتخاباتها الرئاسية القادمة، أما إسرائيل فكانت تسعى خدمةً لمصالحها لتعطيل انسحاب بريطانيا من جنوب شبه الجزيرة العربية . كان هذا هو تحليل حافظ إسماعيل للموقف، ومن ثم لم يأمل فى تعديل حقيقى فى خطط وزارة العمال القادمة عن سياسة حكومة المحافظين الراحلة !
وقد جاءت الجولات الثلاث التى عقدها حافظ إسماعيل مع جوردون ووكر بداية من 25 نوفمبر، جاءت مؤكدة على الإجمال لتوقعاته، وجاءت الحوارات معبرة رغم الهدوء الظاهر عن اختلافات نظام مصر الذى يهدف إلى التغيير، ونظام إنجلترا الذى يحارب معركته الأخيرة وهو ينسحب من منطقة حكمها ربع قرن ! وفى جولة الحوار الثالثة 22 ديسمبر أثار حافظ إسماعيل مع ووكر تحفظات مصر على النشاط الدبلوماسى العسكرى لإسرائيل فى بريطانيا للحصول على أسلحة منها، وفى نهاية الاجتماع وقد بلغت المناقشات نهايتها، أبدى ووكر أنهم يرون الوقت قد حان لإجراء محادثات فى القاهرة، وفى 17 يناير تلقى حافظ إسماعيل موافقة الرئيس جمال عبد الناصر على مبدأ زيارة وزير بريطانى للقاهرة، إلا أنه خلال شتاء 64/65 أخذ عدد من الأحداث يتوالى وتتراكم نتائجه، وبدا أن المنطقة تتعرض لعمليات استقطاب واسعة، وأن انجلترا تعتنق أن مصر مسئولة عن تدهور الأحوال أو أنها تتبنى سياسة جرّ الشكل مع الغرب، وتتابعت الأحداث بسرعة، ففشل مؤتمر آركويت واستأنفت القوات الملكية قتالها فى اليمن، وتصاعدت أزمة بين العرب وألمانيا بعد افتضاح دورها فى تسليح إسرائيل، وتدهورت العلاقات المصرية الأمريكية، ازدادت حدة التوتر فى الجنوب العربى، وتراجعت بريطانيا عن إيفاد أحد وزرائها إلى القاهرة !
ولكن الحوار المصرى البريطانى، استؤنف ما بين يونيو وسبتمبر 1965، ورغم الغيوم وإصرار كل من مصر وبريطانيا على أن انسحابها من الجنوب العربى سيسبب الفوضى فى المنطقة، فقد مضى الحوار تحت عنوان رغبة بريطانيا فى إيفاد وزيرها جورج طومسون إلى القاهرة، فى الوقت الذى كان فيه
عبد الناصر قد التقى والملك فيصل لقاءً أسفر عن اتفاقية جدة .. اتفق فيه الطرفان على استحالة نصر عسكرى لأى من الطرفين المتقاتلين فى اليمن، وعلى ضرورة الرجوع للشعب لتقرير مصيره فى استفتاء اقتُرِحَ أن يكون فى 23 نوفمبر 1966.
وفى 18 أغسطس 1965، أعلنت بريطانيا عن زيارة وزيرها جورج طومسون لمنطقة الشرق الأوسط فى جولتين : تتضمن الأولى سوريا ولبنان والأردن وإيران، والثانية مصر والسعودية .. وفى 24سبتمبر غادر طومسون لندن إلى القاهرة، مشيعاً بمقال وقف خلفه حزب المحافظين، كتب المقال جوليان إيميرى بعنوان «أهمية ناصر» .. كان من أقذع ما وجه من هجوم ضد مصر منذ وصول حافظ إسماعيل إلى لندن، وفى الوقت الذى بدأت فيه مباحثات طومسون مع محمود رياض والدكتور محمود فوزى بالقاهرة انتظاراً لموعد مقابلته مع الرئيس عبد الناصر، أصدرت بريطانيا ظهر 25 سبتمبر قراراً بوقف العمل بدستور عدن، وإقالة حكومة عبد القوى مكاوى، وقيام الحاكم العام بسلطات الحكم مباشرة، ولم يخف على القاهرة «مغزى» وتوقيت هذا القرار ! وعلى الفور ألغى عبد الناصر مقابلته لطومسون ! وهكذا أسدل الستار على المحاولة الثانية لتطوير علاقات مصر وبريطانيا، وأسدلت القاهرة ستاراً كثيفاً من النسيان على علاقتها ببريطانيا، واقترن الخلاف الذى دب فى اجتماع «حرض» الذى عقد تحت إشراف مصر والسعودية، بالإعلان عن أكبر صفقة أسلحة للسعودية شهدها الشرق الأوسط من أعوام، فيما اعتبرته مصر جزءاً من مؤامرة أمريكية / بريطانية لتدمير جبهتها !
وهكذا، وبنهاية خريف 1965، جاء قرار قطع العلاقات الدبلوماسية بين مصر وبريطانيا فى 16 ديسمبر، جاء تعبيرًا هادئاً عن موقف اتخذته القاهرة منذ 25 سبتمبر، وتزامن مع ذلك قرار وزراء الخارجية الأفارقة، فى أديس أبابا، بقطع علاقات بلادهم الدبلوماسية ببريطانيا فى 15 ديسمبر إذا لم تتخذ إجراءات فعالة لسحق النظام العنصرى فى روديسيا، ومع تلقى حافظ إسماعيل بعد منتصف الليل قرار القاهرة بقطع العلاقات مع بريطانيا، شد رحاله فى اليوم التالى فى طريقه إلى لقاهرة بعد انتهاء مهمة شاقة، توقع عبد الناصر صعوبتها ومشقتها، ليستعد للقيام بمهمة أخرى فى وقت ملئ بالصعاب والتحديات !!
( يتبع)