رجائى عطية
قَدَر لحافظ إسماعيل أن يعيش سفيرا دبلوماسيا لمصر فى روما، وقلبه ووجدانه وخبراته العسكرية والاستراتيجية مع مصر والقوات المسلحة فى القاهرة.. فما كاد الرجل يتجه إلى إيطاليا عبر الأدرياتيك، إلاَّ وتفجرت حرب 1967 التى توقعها.. وأبدى توقعاته لها للدكتور محمود فوزى قبل أن يغادر القاهرة.. كان تقديره للموقف الذى أبداه لفوزى، أن إسرائيل ستحاول الاستيلاء على شرم الشيخ وغزة والقدس، وأن تحاول تحقيق صفقة سياسية من هذا المنطلق، ولم يدر بخلده أن تهاجم إسرائيل ثلاث جبهات عربية فى وقت واحد لتحقيق الأبعاد التاريخية للصهيونية العالمية!
فى إيجاز وتمكن، استهل حافظ إسماعيل هذا الفصل الذى اختلطت فيه الحرب بالدبلوماسية، ببيان مقدمات حرب يونيو 1967 التى قدر أنها بدأت منذ أكتوبر 1966.. ذلك أن القوات المصرية المسلحة كانت معلقة فى اليمن، وذلك وضع مغرٍ لأطماع إسرائيل، وبذلت القيادة السياسية كل جهد ممكن للتوصل إلى تسوية فى اليمن، وذهبت فى «اتفاقية جدة» إلى المدى الذى لا يمكن تجاوزه، دون تعريض مركز قيادتها ومستقبل اليمن للفشل والإحباط. وبانهيار مؤتمر «حرض»، وفشل أهداف الاتفاق المصرى السعودى، وعودة الملكيين لاستئناف نشاطهم فى اليمن، صار واضحا أن معركتنا فى اليمن ستطول، مما يحتم بقاء قواتنا هناك، إلاَّ أنه كان من الضرورى تخفيض حجمها لتصحيح أوضاعنا الاستراتيجية لتعديل ميزان القوى فى مواجهة إسرائيل، وعلى ذلك اكتفت استراتيجيتنا الجديدة فى اليمن بالتزام «دفاع إيجابى» بتركيز قواتنا للدفاع عن مثلث صنعاء تعز الحديدة.
بدا لحافظ إسماعيل أن اسرائيل طبقاً لهذه الأوضاع، لم تعد بحاجة للمساعدة المباشرة لتوجيه ضربتها لمصر كما فعلت عام 1956، وأورى بذلك العمليات الإسرائيلية المتوالية على جبهتى الأردن وسوريا لخلق مبررات الحرب، فعقدت مصر وسوريا اتفاق الدفاع المشترك فى أكتوبر 1966، وتواترت أنباء من الأسبوع الثانى من مايو 1967، عن حشد إسرائيلى على حدود سوريا، فيما صرح كل من ليفى أشكول رئيس الوزراء، وموسى ديان رئيس الأركان باحتمال قيام اسرائيل بغزو شامل لسوريا.
وفى ظنى أن هذا كان طُعْمًا، فقد سمعت شخصيا فى أقوال شمس بدران أثناء محاكمته فى أعقاب النكسة، أن مصر أوفدت الفريق أول فوزى إلى سوريا، حيث عاد نافيا وجود حشود على حدودها، إلاَّ أن الأحداث كما يروى حافظ اسماعيل جعلت تتلاحق فى إيقاع سريع.. ففى 14 مايو حشدت مصر قواتنا فى سيناء، وفى 18 مايو طلبت مصر سحب القوات الدولية، وفى 22 مايو أعلن عبد الناصر إغلاق مضايق تيران فى وجه الملاحة الإسرائيلية. وفى ردود فعل يبدو أنها كانت مرسومة سلفا، أعلنت إسرائيل أن هذا القرار يعد بمثابة حالة حرب يعطى لها حق الدفاع وفقا للمادة 51 من ميثاق الأمم
المتحدة.
ومع أن عبدالناصر أعلن أن مصر لن تبادئ بالعدوان، وقبلت إيفاد نائب الرئيس زكريا محيى الدين إلى واشنطن لمناقشة الأزمة، إلاَّ أن عجلة الحرب المرسومة كانت تدار، وقبل يوم من موعد وصول محيى الدين إلى أمريكا، دقت مدافع الحرب التى بدأت بقصف جوى اسرائيلى مكثف على مصر، تلقى حافظ اسماعيل أنباءه وهو على السفينة “ الجزائر “ فى مياه الأدرياتيك، وبحسه العسكرى، لم يخدعه البث الإعلامى، وقدر قبل أن ينتصف النهار أن شيئا خطيرا قد حدث، ولم يخف عليه أن سلاحنا الجوى قد دمر، وأن المعركة البرية الدائرة على حدودنا الشرقية يمكن أن يتقرر مصيرها فى أيام. وقد للأسف
كان!
ويتوقف القتال على جبهة مصر وقد حققت اسرائيل كامل هدفها الاستراتيجى، باحتلال سيناء والوصول إلى قناة السويس وإعادة فتح خليج العقبة للملاحة، وتوقف القتال فى الأردن باحتلال القدس والضفة الغربية، وفى سوريا باحتلال هضبة الجولان!
من بعيد فى روما تلقى حافظ مع رفاقه هناك نبأ قرار الرئيس عبد الناصر بالاستقالة باعتباره مسئولا عن الهزيمة، كان وقعها عليهم ثقيلا، فلم تكن فى نظرهم مجرد “ تنحى “ زعيم أو محض استسلام نظام، بل كانت تعنى هزيمة مصر وشعبها..
ولكن الروح عادت تدب فى النفوس المأزومة، حين أعلن عبد الناصر عودته إلى مركز السلطة والمسئولية، رافعا شعار «ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة»، تأكيدا لاستمرار النضال، وإيذانا ببدء عملية إعادة تنظيم القوات المسلحة، واقترن ذلك باللاءات الثلاثة التى قررها مؤتمر القمة العربى فى الخرطوم : لا مفاوضات، ولا صلح، ولا اعتراف بإسرائيل. ومن اليمن بدأ انسحاب قواتنا، لإعادة التوازن لموقفنا العسكرى فى مصر.
كان تقدير البعض أن يتحقق انسحاب إسرائيل سريع على غرار ما حدث عام 1956، إلاَّ أنه بدا لحافظ إسماعيل من واقع رؤية وتقدير الموقف، أنه لا محل للقياس.. ومنذ نهاية العمليات الحربية، استأثرت الولايات المتحدة بتطبيق استراتيجية السلام، ومساندة إسرائيل فى رفض انسحابها من الأراضى العربية قبل التوصل إلى اتفاق سلام نهائى، وبدا أن قرار مجلس الأمن 242، قد صدر وفقاً للمبادئ التى تحكم التسوية السياسية وفقاً لما تريده الولايات المتحدة :
إقامة سلام عادل ودائم فى الشرق الأوسط، قوامه انسحاب القوات الإسرائيلية من «الأراضى» وفقاً للقراءة العربية ومن «أراض» وفقاً للقراءة الاسرائيلية الأمريكية التى احتلتها إسرائيل فى النزاع الأخير، وإنهاء حالة الحرب. واحترام والاعتراف بالسيادة ووحدة الأراضى والاستقلال السياسى لكل دول المنطقة، وبحقها فى العيش فى سلام فى نطاق حدود آمنة معترف بها.
وضمان حرية الملاحة فى الممرات المائية الدولية بالمنطقة، بينما إْقتُصِرَ على تسوية للجانب الإنسانى لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين. مع الدعوة إلى تعيين ممثل خاص للسكرتير العام للمنظمة الدولية للمساعدة فى الوصول إلى التسوية.
هنا يتوقف حافظ إسماعيل، ليبرز ثلاث محاور لا يمكن تجاهلها..
1ـ أن القضية الفلسطينية قضية عربية.. مسئولية الجميع.
2ـ أن مصر لتسعة عشر عاماً قد عطلت حركة إسرائيل، ومنعتها من ابتلاع فلسطين، ولم ينتفع العالم العربى بفسحة الوقت التى أتاحتها مصر للعمل العربى.
3ـ أن تحول مصر فى عام 1967 إلى جبهة إسرائيل قد جاء كرد فعل وإن كان خاطئاً لحمله استفزاز قادتها ضدها بعض الدول العربية، مما دفعها إلى تعديل أولوياتها من قبل تعديل توازنها الاستراتيجى.
● ● ●
فى روما بدأ حافظ إسماعيل مهمة دبلوماسية واسعة، عينه فيها على أوضاع مصر الاستراتيجية والسياسية، وعلى أوضاع قواتها المسلحة التى بدأ السعى لإعادة تنظيمها وبنائها.. وكان الأمل أن تجد إيطالياً فى موقف فرنسا فور بدء الحرب مثلاً تحتذيه، مما يدعم موقف فرنسا ويزيد من ثقل أصدقائنا فى المجموعة الأوروبية، إلاَّ أنه بدا أن احتمال تورط القوتين الأعظم آنذاك فى النزاع، أدى إلى تسليم الدول الغربية للولايات المتحدة بإدارة الصراع، وظلت إيطاليا تتشبث برغم مصالحها الخاصة بالموقف الغربى عامة.. الرئيس ساراجات يلتزم بدعم إسرائيل وتأييدها.
ورئيس الوزراء ألدو مورو تبنى الموقف الغربى العام فى الأمم المتحدة وفى المنظمات الأخرى.
والتزم مورارى مستشار الرئيس ساراجات بضرورة التوصل إلى حل نهائى وإبرام الصلح عن طريق التفاوض وإن لم يكن ضرورياً أن يكون مباشراً الآن، مع معارضته لقرارات الخرطوم، والاكتفاء بالحل الإنسانى لمشكلة اللاجئين، وقبول تعديلات فى خطوط 1967، وضرورة التوصل إلى تسوية نهائية قبل انسحاب إسرائيل من الأراضى المحتلة.
أما فانفانى، فيرى حافظ إسماعيل أن موقفه أتى بعد دراسة متأنية، ولهذا كان يميل لتبنى الموقف الفرنسى، بحيث يصبح البلدان فى مركز المحايد والوسيط. وتقدم بفكرة إعداد «جدول زمنى» يحدد مراحل تنفيذ قرار مجلس الأمن 242 بدلاً من إضاعة الوقت فى انتظار إجابة إسرائيل، مقدراً أن مناقشة الجدول الزمنى لن تضعف موقف مصر، لكنها ستكشف موقف إسرائيل.
هكذا وبينما كان عبد الناصر يقود معركة عريضة من القاهرة، حدد فيها إستراتيجية مصر التى تبلورت فى رفض الاستسلام، وعدم الرضوخ لشروط إسرائيل بالتفاوض وإبرام الصلح، وحتمية البناء العسكرى. كان حافظ إسماعيل يدير تحركاً دبلوماسيّاً واسعاً من روما، أوجد فيه طاقة من خلال الحزب الشيوعى الإيطالى المتميز بقوته وثقله، للتأثير على موقف الحكومة الإيطالية، وطفق يلتقى بقادة الأحزاب الأخرى، ابتداء من الحزب الليبرالى فى أقصى اليمين حتى الحزب الاشتراكى الديموقراطى، لتحريك المواقف، ملاحظاً أن تصور فانفانى لدور إيطالى يتوازى مع الدور الفرنسى، كان له رد فعل إيجابى داخل الأحزاب الإيطالية المعتدلة.. وقبل أن يمضى عام على مهمته فى روما، بدا أن الرئيس عبد الناصر أراده لمهمة جديدة، أكثر دقة وأوسع تأثيراً.. فأتاه اتصال هاتفى من القاهرة يبلغه بأنه قد اختير سفيراً لمصر فى باريس، حيث كانت الأمل فى أن تحقق بقيادة ديجول توازناً أوروبيا مع الموقف الأمريكى المغرق فى تأييده لإسرائيل!
قَدَر لحافظ إسماعيل أن يعيش سفيرا دبلوماسيا لمصر فى روما، وقلبه ووجدانه وخبراته العسكرية والاستراتيجية مع مصر والقوات المسلحة فى القاهرة.. فما كاد الرجل يتجه إلى إيطاليا عبر الأدرياتيك، إلاَّ وتفجرت حرب 1967 التى توقعها.. وأبدى توقعاته لها للدكتور محمود فوزى قبل أن يغادر القاهرة.. كان تقديره للموقف الذى أبداه لفوزى، أن إسرائيل ستحاول الاستيلاء على شرم الشيخ وغزة والقدس، وأن تحاول تحقيق صفقة سياسية من هذا المنطلق، ولم يدر بخلده أن تهاجم إسرائيل ثلاث جبهات عربية فى وقت واحد لتحقيق الأبعاد التاريخية للصهيونية العالمية!
فى إيجاز وتمكن، استهل حافظ إسماعيل هذا الفصل الذى اختلطت فيه الحرب بالدبلوماسية، ببيان مقدمات حرب يونيو 1967 التى قدر أنها بدأت منذ أكتوبر 1966.. ذلك أن القوات المصرية المسلحة كانت معلقة فى اليمن، وذلك وضع مغرٍ لأطماع إسرائيل، وبذلت القيادة السياسية كل جهد ممكن للتوصل إلى تسوية فى اليمن، وذهبت فى «اتفاقية جدة» إلى المدى الذى لا يمكن تجاوزه، دون تعريض مركز قيادتها ومستقبل اليمن للفشل والإحباط. وبانهيار مؤتمر «حرض»، وفشل أهداف الاتفاق المصرى السعودى، وعودة الملكيين لاستئناف نشاطهم فى اليمن، صار واضحا أن معركتنا فى اليمن ستطول، مما يحتم بقاء قواتنا هناك، إلاَّ أنه كان من الضرورى تخفيض حجمها لتصحيح أوضاعنا الاستراتيجية لتعديل ميزان القوى فى مواجهة إسرائيل، وعلى ذلك اكتفت استراتيجيتنا الجديدة فى اليمن بالتزام «دفاع إيجابى» بتركيز قواتنا للدفاع عن مثلث صنعاء تعز الحديدة.
بدا لحافظ إسماعيل أن اسرائيل طبقاً لهذه الأوضاع، لم تعد بحاجة للمساعدة المباشرة لتوجيه ضربتها لمصر كما فعلت عام 1956، وأورى بذلك العمليات الإسرائيلية المتوالية على جبهتى الأردن وسوريا لخلق مبررات الحرب، فعقدت مصر وسوريا اتفاق الدفاع المشترك فى أكتوبر 1966، وتواترت أنباء من الأسبوع الثانى من مايو 1967، عن حشد إسرائيلى على حدود سوريا، فيما صرح كل من ليفى أشكول رئيس الوزراء، وموسى ديان رئيس الأركان باحتمال قيام اسرائيل بغزو شامل لسوريا.
وفى ظنى أن هذا كان طُعْمًا، فقد سمعت شخصيا فى أقوال شمس بدران أثناء محاكمته فى أعقاب النكسة، أن مصر أوفدت الفريق أول فوزى إلى سوريا، حيث عاد نافيا وجود حشود على حدودها، إلاَّ أن الأحداث كما يروى حافظ اسماعيل جعلت تتلاحق فى إيقاع سريع.. ففى 14 مايو حشدت مصر قواتنا فى سيناء، وفى 18 مايو طلبت مصر سحب القوات الدولية، وفى 22 مايو أعلن عبد الناصر إغلاق مضايق تيران فى وجه الملاحة الإسرائيلية. وفى ردود فعل يبدو أنها كانت مرسومة سلفا، أعلنت إسرائيل أن هذا القرار يعد بمثابة حالة حرب يعطى لها حق الدفاع وفقا للمادة 51 من ميثاق الأمم
المتحدة.
ومع أن عبدالناصر أعلن أن مصر لن تبادئ بالعدوان، وقبلت إيفاد نائب الرئيس زكريا محيى الدين إلى واشنطن لمناقشة الأزمة، إلاَّ أن عجلة الحرب المرسومة كانت تدار، وقبل يوم من موعد وصول محيى الدين إلى أمريكا، دقت مدافع الحرب التى بدأت بقصف جوى اسرائيلى مكثف على مصر، تلقى حافظ اسماعيل أنباءه وهو على السفينة “ الجزائر “ فى مياه الأدرياتيك، وبحسه العسكرى، لم يخدعه البث الإعلامى، وقدر قبل أن ينتصف النهار أن شيئا خطيرا قد حدث، ولم يخف عليه أن سلاحنا الجوى قد دمر، وأن المعركة البرية الدائرة على حدودنا الشرقية يمكن أن يتقرر مصيرها فى أيام. وقد للأسف
كان!
ويتوقف القتال على جبهة مصر وقد حققت اسرائيل كامل هدفها الاستراتيجى، باحتلال سيناء والوصول إلى قناة السويس وإعادة فتح خليج العقبة للملاحة، وتوقف القتال فى الأردن باحتلال القدس والضفة الغربية، وفى سوريا باحتلال هضبة الجولان!
من بعيد فى روما تلقى حافظ مع رفاقه هناك نبأ قرار الرئيس عبد الناصر بالاستقالة باعتباره مسئولا عن الهزيمة، كان وقعها عليهم ثقيلا، فلم تكن فى نظرهم مجرد “ تنحى “ زعيم أو محض استسلام نظام، بل كانت تعنى هزيمة مصر وشعبها..
ولكن الروح عادت تدب فى النفوس المأزومة، حين أعلن عبد الناصر عودته إلى مركز السلطة والمسئولية، رافعا شعار «ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة»، تأكيدا لاستمرار النضال، وإيذانا ببدء عملية إعادة تنظيم القوات المسلحة، واقترن ذلك باللاءات الثلاثة التى قررها مؤتمر القمة العربى فى الخرطوم : لا مفاوضات، ولا صلح، ولا اعتراف بإسرائيل. ومن اليمن بدأ انسحاب قواتنا، لإعادة التوازن لموقفنا العسكرى فى مصر.
كان تقدير البعض أن يتحقق انسحاب إسرائيل سريع على غرار ما حدث عام 1956، إلاَّ أنه بدا لحافظ إسماعيل من واقع رؤية وتقدير الموقف، أنه لا محل للقياس.. ومنذ نهاية العمليات الحربية، استأثرت الولايات المتحدة بتطبيق استراتيجية السلام، ومساندة إسرائيل فى رفض انسحابها من الأراضى العربية قبل التوصل إلى اتفاق سلام نهائى، وبدا أن قرار مجلس الأمن 242، قد صدر وفقاً للمبادئ التى تحكم التسوية السياسية وفقاً لما تريده الولايات المتحدة :
إقامة سلام عادل ودائم فى الشرق الأوسط، قوامه انسحاب القوات الإسرائيلية من «الأراضى» وفقاً للقراءة العربية ومن «أراض» وفقاً للقراءة الاسرائيلية الأمريكية التى احتلتها إسرائيل فى النزاع الأخير، وإنهاء حالة الحرب. واحترام والاعتراف بالسيادة ووحدة الأراضى والاستقلال السياسى لكل دول المنطقة، وبحقها فى العيش فى سلام فى نطاق حدود آمنة معترف بها.
وضمان حرية الملاحة فى الممرات المائية الدولية بالمنطقة، بينما إْقتُصِرَ على تسوية للجانب الإنسانى لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين. مع الدعوة إلى تعيين ممثل خاص للسكرتير العام للمنظمة الدولية للمساعدة فى الوصول إلى التسوية.
هنا يتوقف حافظ إسماعيل، ليبرز ثلاث محاور لا يمكن تجاهلها..
1ـ أن القضية الفلسطينية قضية عربية.. مسئولية الجميع.
2ـ أن مصر لتسعة عشر عاماً قد عطلت حركة إسرائيل، ومنعتها من ابتلاع فلسطين، ولم ينتفع العالم العربى بفسحة الوقت التى أتاحتها مصر للعمل العربى.
3ـ أن تحول مصر فى عام 1967 إلى جبهة إسرائيل قد جاء كرد فعل وإن كان خاطئاً لحمله استفزاز قادتها ضدها بعض الدول العربية، مما دفعها إلى تعديل أولوياتها من قبل تعديل توازنها الاستراتيجى.
● ● ●
فى روما بدأ حافظ إسماعيل مهمة دبلوماسية واسعة، عينه فيها على أوضاع مصر الاستراتيجية والسياسية، وعلى أوضاع قواتها المسلحة التى بدأ السعى لإعادة تنظيمها وبنائها.. وكان الأمل أن تجد إيطالياً فى موقف فرنسا فور بدء الحرب مثلاً تحتذيه، مما يدعم موقف فرنسا ويزيد من ثقل أصدقائنا فى المجموعة الأوروبية، إلاَّ أنه بدا أن احتمال تورط القوتين الأعظم آنذاك فى النزاع، أدى إلى تسليم الدول الغربية للولايات المتحدة بإدارة الصراع، وظلت إيطاليا تتشبث برغم مصالحها الخاصة بالموقف الغربى عامة.. الرئيس ساراجات يلتزم بدعم إسرائيل وتأييدها.
ورئيس الوزراء ألدو مورو تبنى الموقف الغربى العام فى الأمم المتحدة وفى المنظمات الأخرى.
والتزم مورارى مستشار الرئيس ساراجات بضرورة التوصل إلى حل نهائى وإبرام الصلح عن طريق التفاوض وإن لم يكن ضرورياً أن يكون مباشراً الآن، مع معارضته لقرارات الخرطوم، والاكتفاء بالحل الإنسانى لمشكلة اللاجئين، وقبول تعديلات فى خطوط 1967، وضرورة التوصل إلى تسوية نهائية قبل انسحاب إسرائيل من الأراضى المحتلة.
أما فانفانى، فيرى حافظ إسماعيل أن موقفه أتى بعد دراسة متأنية، ولهذا كان يميل لتبنى الموقف الفرنسى، بحيث يصبح البلدان فى مركز المحايد والوسيط. وتقدم بفكرة إعداد «جدول زمنى» يحدد مراحل تنفيذ قرار مجلس الأمن 242 بدلاً من إضاعة الوقت فى انتظار إجابة إسرائيل، مقدراً أن مناقشة الجدول الزمنى لن تضعف موقف مصر، لكنها ستكشف موقف إسرائيل.
هكذا وبينما كان عبد الناصر يقود معركة عريضة من القاهرة، حدد فيها إستراتيجية مصر التى تبلورت فى رفض الاستسلام، وعدم الرضوخ لشروط إسرائيل بالتفاوض وإبرام الصلح، وحتمية البناء العسكرى. كان حافظ إسماعيل يدير تحركاً دبلوماسيّاً واسعاً من روما، أوجد فيه طاقة من خلال الحزب الشيوعى الإيطالى المتميز بقوته وثقله، للتأثير على موقف الحكومة الإيطالية، وطفق يلتقى بقادة الأحزاب الأخرى، ابتداء من الحزب الليبرالى فى أقصى اليمين حتى الحزب الاشتراكى الديموقراطى، لتحريك المواقف، ملاحظاً أن تصور فانفانى لدور إيطالى يتوازى مع الدور الفرنسى، كان له رد فعل إيجابى داخل الأحزاب الإيطالية المعتدلة.. وقبل أن يمضى عام على مهمته فى روما، بدا أن الرئيس عبد الناصر أراده لمهمة جديدة، أكثر دقة وأوسع تأثيراً.. فأتاه اتصال هاتفى من القاهرة يبلغه بأنه قد اختير سفيراً لمصر فى باريس، حيث كانت الأمل فى أن تحقق بقيادة ديجول توازناً أوروبيا مع الموقف الأمريكى المغرق فى تأييده لإسرائيل!