الإسلام يا ناس (30)

رجائى عطية ليس القول بعدم تحريم الموسيقى والغناء، معناه أن تكون الحياة كلها لهواً وغناء، ومن يطالع كتاب الأستاذ الدكتور الجليل شوقى ضيف: الشعر والغناء فى المدينة فى عصر بنى...

رجائى عطية

ليس القول بعدم تحريم الموسيقى والغناء، معناه أن تكون الحياة كلها لهواً وغناء، ومن يطالع كتاب الأستاذ الدكتور الجليل شوقى ضيف: الشعر والغناء فى المدينة فى عصر بنى أمية، يجد أنه إلى جوار شعر الترف والمجون وما صاحبه من أغان، ومن غزل وتشبيب، كان هناك غناء ومعازف لا ترف فيها ولا مجون، وكان هناك من تركوا هذه وتلك وكانوا على النسك والعبادة. فلم يكن ما شاع من لهو وترف وغناء فى المدينة ومكة، ولعله الذى دعا البعض إلى التضييق أو المغالاة فيه إلى حد المنع والتحريم، لم يكن ذلك يعنى أن المدينة ومكة لم يكن بهما فى ذلك العصر سوى صفحات من المعازف والأغانى، فقد كانت هناك صحف أخرى بأيدى كرام بررة كانت كلها زهداً وورعاً وتقوى وعبادة.

فالحديث عن عدم تحريم الموسيقى والغناء، ليس دعوة إلى الغرق فى الموسيقى والغناء، أو فى الترف واللهو، أو ترك العمل والتفرغ إلى السماع، وإنما هو حديث لا يرمى لأكثر من وضع الشىء فى موضعه، وإيضاح أن التعرف على الأحكام له أصول وضوابط، يمتلكها العلماء، ويحسنون تطبيقها واستنباط الأحكام الصحيحة منها وبها، ولا يجوز أن يترك هذا الفقه لكل من انتمى إلى فصيل سياسى ولو كان يتخذ الدين إسمًا أو وشاحاً، أو لكل من ألم بقشور لم يدرسها ولم يتعمقها ولا يملك أدوات دراستها والتعمق فيها.

ولست أحب بعد عرض ما قاله العلماء متبعين أصول الفقه، أن أدع ما فعله بعض اللاغين إلى حد قتل شقيقين لأنهما يعزفان أو يعملان بالموسيقى، دون أن أُذكِّر بأن الإسلام قد عم الدنيا، وجاوز أفريقيا وآسيا إلى أوروبا واستراليا والأمريكيتين، وهناك مسلمين بالملايين فى هذه البلدان، ففى فرنسا وحدها نحو ستة ملايين مسلم، وفى ألمانيا نحو أربعة ملايين، وفى دول ما كان يعرف بالاتحاد السوفييتى ما يزيد على خمسة عشر مليون مسلم، فماذا لو ركب الشطط بعضهم. فجاروا هؤلاء اللاغين، وتعرضوا للعازفين أو السامعين للموسيقى فى تلك البلدان بالإيذاء بزعم أن ذلك حرام ؟! إن الموسيقى ضلع من أضلاع الحضارة الإنسانية، وهذا العالم الذى امتد إليه الإسلام يموج بمعزوفات بالغة الرقى والتسامى، بين السيمفونية، والأوبرا، والكونشرتو، والسوناتا، والغناء الأوبرالى، وإلى جوار هذه الموسيقى العالمية التى برز فيها عباقرة عرفهم العالم أمثال بيتهوفن وموزار ويوهان وشوبان وشوبرت وفاجنر وباخ وشتراوس وليست وهايدن وتشايكوفسكى ورمكسى كورساكوف، واشتهرت لهم ولغيرهم أعمال رائعة أسعدت وتسعد الإنسانية، ويوجد إلى جوار هذه الأعمال العالمية قوميات موسيقية، يصادفها المسلمون الذين انتشروا فى العالم، فى الموسيقى القومية لإسبانيا وبريطانيا واسكندنافيا، وفى دول أواسط أوروبا والبلقان، ما بين المجر ورومانيا ويوغوسلافيا أو أقاليمها الآن، واليونان وبولندا والتشيك والبلغار، والموسيقى القومية فى روسيا والاتحاد السوفييتى بدوله، وفيها ما يزيد على 15 مليون مسلم، والموسيقى القومية للولايات المتحدة ودول أمريكا اللاتينية: البرازيل والمكسيك والأرجنتين، وقد صار فى كل منها أعداد كبيرة من المسلمين زادت على السبعة ملايين فى الولايات المتحدة، فماذا لو إنساق بعض من هؤلاء إلى الدعوات الضريرة التى تبث من بعض دول الشرق، ومنها مصر، وتبرموا بالموسيقى العالمية التى تحفل بها قارات العالم، وتصدوا لها وللموسيقى القومية للدول التى يعيشون فيها، وهم أياً كانت أعدادهم كبيرة فى بعض الدول مثل الاتحاد السوفيتى وفى فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة، إلاَّ أنهم أقلية قياساً لأهل البلاد الأصليين ؟! وماذا يمكن أن يحدث إزاء ما يؤدى إليه هذا التعدى من عداء لقوميات الدول التى يعيشون فيها، ومن تلوين الإسلام بألوان من التعصب والضيق والجمود والتخلف ؟! إن من يخوضون فيما لا يحسنونه، يسيئون إلى الإسلام من حيث يتصورون أو يتوهمون أنهم يحسنون صنعاً!!!!

إن الدين والفن كانا مرتبطين بقوة منذ البدايات الأولى فى تاريخ الإنسانية، والفن، مثل الدين، محاولة لتشكيل معنى فى مواجهة الحياة، وفى مواجهة قسوتها وآلامها.. ويشتركان الدين والفن فى أن وجهتهما روحيّة، ووسيلتهما التسامى.. فليس صحيحًا أن الموسيقى والغناء فسق ومجون، فالجنوح وارد فى كل شىء، ويمكن أن يصيب أى ميدان من ميادين التعبير، فى الأدب أو السينما أو المسرح، ومع ذلك يبقى التمييز بين الجيد الرفيع، وبين الردئ الهابط، والتحريم يرد على المعيب الهابط الفاسد المثير، ولا يرد المنع أو التحريم على الموسيقى والغناء بإطلاق، فما قد يثير الغرائز أو ينحط فى بعض الأعمال الموسيقية أو الغنائية، ليس من الفن.. ولا ينسحب على الفن الذى نعنيه، فالفن رقى وتسامٍ.. يلمس الأعماق الإنسانية ويتجه بها نحو الجمال والكمال، ويسمو فوق المعتاد أو الهابط من زخم الحياة.. وأنت تجد الموسيقى حاضرة فى التراتيل وفى الأناشيد الدينية، وتجد المعمار الموسيقى مكون من مكونات البلاغة القرآنية، والتجويد فى تلاوته فرع على الموسيقى التى تملأ الكون من حولنا، وقدمت للإنسانية روائع تمتع الإنسان متعة صافية، وتسمو بالأرواح، وترتفع بالأذواق، وتسهم إسهامًا عريضًا فى الحضارة الإنسانية.

إن الموسيقى والغناء، هى كتغاريد الأطيار وشدو البلابل والعنادل والكروانات، واقع فى هذا الكون، ولحن من ألحان الحياة، وصورة من صور تسامى الإنسانية، لا علاقة لها بما قد ينحرف إليه هذا أو ذاك. والإسلام قام ويقوم مع شريعته وأحكامه، على مبدأ أصولى أن الأصل فى الأشياء الإباحة، مالم ينقلها إلى التحريم دليل شرعى ناطق، وها قد رأينا أن الإسلام قد انفتحت باحته إلى هذه القيم السامية، ولم يحتقر الحياة أو يزدريها، وأباح السماع للموسيقى والغناء، وقد رأينا من اتسعت آفاقهم لذلك ومن قرون، من علماء الإسلام، فما بال البعض يرتدون بنا وبالإسلام إلى الوراء، ويفرضون وصايات ضريرة وصلت إلى حد إزهاق الأرواح التى خلقها الله وفرض لها قدسيتها ونهانا عن التعرض لها بالإهلاك أو الإيذاء، والنكبة أن يرتكبوا هذا باسم الإسلام؟!!!