حكومات «فاشية » على جانبى الحدود

شريف عطية   الحاصل فى إسرائيل منذ الانتخابات البرلمانية 22 يناير الحالى، سوف يسفر عن تغيير لا يستهان به بالنسبة لمستقبل المؤسسة الحزبية الإسرائيلية، بعدما وجهت «صفعة سياسية &raquo

شريف عطية

الحاصل فى إسرائيل منذ الانتخابات البرلمانية 22 يناير الحالى، سوف يسفر عن تغيير لا يستهان به بالنسبة لمستقبل المؤسسة الحزبية الإسرائيلية، بعدما وجهت «صفعة سياسية » إلى رئيس الحكومة الذى لم يفز إلا بفارق صوت واحد عن أقرب منافسيه، الوجه الجديد فى الحياة السياسية، ما جعل من نجاح «نتنياهو » فى تشكيل الحكومة القادمة .. ليس أمراً مفروغاً منه، بحسب توقعاته السابقة التى دفعته إلى إجراء انتخابات مبكرة عن موعدها المقرر بعد عام، ليتوسل من ثم - وبصعوبة - أبواب الأحزاب الأخرى طلباً لتكوين ائتلاف حكومى ذى أغلبية مريحة .. يكون على رأسها لمرة ثالثة منذ اغتيال رئيس الوزراء الأسبق «رابين » على يد متطرف يمينى 1995 ، لم تتقدم عملية السلام منذئذ قيد أنملة إلى الأمام، كما لم تشهد الهموم الاقتصادية والاجتماعية مخارج مناسبة لإشكالياتها المعقدة، إلى أن عصفت تداعياتها الاحتجاجية بتل أبيب وحيفا وغرب القدس صيف 2011.

إلى ذلك، يمكن القول بأن التعادل المثير فى عدد مقاعد الكنيست القادم بين قوى اليمين - الدينى (الحاكم ) من ناحية .. ومعسكر الوسط - اليسار - والعرب من جهة أخرى، يمثل تغييراً دراماتيكى لمزاج الناخب الإسرائيلى، قد يدعو لوصفه - كصدي - ولكن على السياق الأوروبي - الغربى، لما شهدته بعض دول الربيع العربى فى العامين الماضيين، حيث الدعوة إلى معالجة الهموم الداخلية ربما بأكثر من الهم الخارجى، وهو ما يعبر عن رغبة جماهيرية على جانبى الصراع العربى - الإسرائيلى، تسوغ من وجهة نظرها، الاتجاه إلى إسقاط الأنظمة القديمة، لكن من دون تلمس طبيعة البديل القادم وتوجهاته .. المتسمة حتى الآن بالغموض، سواء جاء البديل من خلال «أغلبية ضيقة » لا تصمد فى وجه الأزمات المعلقة فى الأفق أو عبر «ائتلاف موسع » يفتقد التجانس بين أطرافه .. ما يهدده بالتفكك عند الخلاف فى أول منعطف سياسى أو اقتصادى، وهو ما يدفع الأنظمة على جانبى التل بسيان .. للهروب إلى الأمام، ربما باللجوء مجدداً إلى افتعال أو تضخيم التوترات الخارجية المتبادلة بينهما، حفاظاً من الناحية البراجماتية الضيقة على ترسخ مؤسسات الحكم فى السلطة، ربما لستة عقود أخرى تالية من عمر الصراع، إذ هكذا تعبِّر النوايا المبيتة للأحزاب العقائدية للطرفين .. عن قصر نظر سياسى فى قادم الأيام، وحيث سعى اليمين - الدينى الحاكم فى إسرائيل للحديث بكثافة خلال المعركة الانتخابية عن خطر «الملف الإيرانى »- على سبيل المثال، إلا أن ذلك لم يشفع له - للمفارقة - الحفاظ على الغالبية المطلقة التى تمتع بها فى الكنيست السابق .

ورغم ترويج أوساط اليمين عن ضمان مواصلته قيادة إسرائيل من واقع رؤيته لنصف الكأس الممتلئه، وفى المقابل .. يرى المنتصر الأبرز فى الانتخابات، حزب «يش عتيد » العلمانى، رغم حداثته على الخريطة الحزبية، وبوصفه «رمانة الميزان » فى أى ائتلاف حكومى مقبل، أنه جاهز للانضمام إلى تكتل «ليكود - بيتنا » ، حال موافقة الأخير على شروطه التى تبدو تعجيزية، فى مقدمتها تجنيد اليهود المتدينين «الحرديم » فى الجيش، واستئناف العملية السياسية للسلام، فيما يرى حزب العمل، المؤسس التاريخى للدولة، إمكانية تأليف حكومة «بديلة » من الوسط واليسار .. تستأنف عملية السلام مع الفلسطينيين، وتشكل «كتلة مانعة » لليمين من تشكيل حكومة متطرفة رأسمالية برئاسته، الأمر الذى أثنى عليه حزب «ميرتس ».. مؤكداً أن اليسار الإسرائيلى لم يمت، كما يروج خصومه، داعياً أحزاب الوسط إلى عدم منح «اليمين ».. «خشبة إنقاذ » بالانجرار إلى حكومته، أما بالنسبة لحركة «شاس » الدينية .. الممثلة لليهود الشرقيين، فليس من المستبعد تماماً، لأسبابها، أن تكرر ما حدث منها حين انضمت إلى حكومة «العمل » اليسارية 1992 ، وأدى موقفها التصويتى حينئذ إلى تمرير مصادقة الكنيست على اتفاقيات «أوسلو » ، إذ قد تفضل اليوم المشاركة فى حكومة «وحدة وطنية » عن الانضمام إلى ائتلاف حكومى يمينى ضيق، وهو ما يدفع «شاس » بحسب أنباء متواترة إلى التوصية لدى الرئيس «بيريز » لتكليف زعيم يسارى أو من الوسط - وليس «نتنياهو »- لتشكيل الحكومة المقبلة .

على صعيد مواز، تنتظر واشنطن، بحسب الناطق الرئاسى، تشكيل إسرائيل للحكومة الجديدة، لتجديد دعمها لـ «حل الدولتين » ، أو ربما إلى دولة ديمقراطية واحدة للشعبين الفلسطينى والإسرائيلى، الأمر الذى يتصل بالمبادرة الفرنسية - البريطانية، بدعم أوروبى، مارس المقبل لاستئناف المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية المجمدة منذ 2010 ، وهو ما يتوازى مع تسريب البيت الأبيض منتصف يناير الحالى لنقد غير مسبوق .. وجهه الرئيس «أوباما » إلى رئيس الحكومة «نتنياهو » الذى وصفه بـ «الجبان السياسى ».. إلخ، ما يؤدى - بحسب «أوباما »- إلى تعريض إسرائيل لخطر «العزلة حتى عن أقرب حلفائها » ، فى رسالة لا يخفى مدلولها عن الرأى العام الإسرائيلى وقواه السياسية بسيان .

قصارى القول، إن التغييرات الدراماتيكية المتوقعة فى إسرائيل .. إضافة إلى التحولات التى لحقت - ولا تزال - بمؤسسات الحكم على الجانب الآخر للصراع العربي - الإسرائيلى، من بعد أن أنهكتهما الأزمات السياسية والاقتصادية والمجتمعية، لتنتفضا سواء بالعقلية العربية أو على السياق الأوروبى، ربما يلقى على القوى العاملة من أجل السلام، واجب الدفع به عبر الحراك الجماهيرى الحالى صوب تحقيق «السلام الديمقراطى » بدلاً من التضحية به - كقربان - على مذبح النظم الفاشية المتجذرة على جانبى الحدود .