الإسلام يا ناس (31)

رجائى عطية: دخل الإسلام مصر من نيف وأربعة عشر قرناً، فاحترم الآثار والمدافن الفرعونية والقبطية، ولم يعرض لها بهدم أو بسوء، وعلى مدى هذه القرون مارس المسلمون فى مصر فروضهم...

رجائى عطية:

دخل الإسلام مصر من نيف وأربعة عشر قرناً، فاحترم الآثار والمدافن الفرعونية والقبطية، ولم يعرض لها بهدم أو بسوء، وعلى مدى هذه القرون مارس المسلمون فى مصر فروضهم ونوافلهم وشعائر دينهم، ودفنوا موتاهم وموتى من مات بمصر من الصحابة وآل البيت، وأقاموا أضرحتهم الخاصة، وأضرحة آل البيت والأولياء والصالحين، واعتادوا زيارة أضرحة الحسين والسيدة زينب والسيدة عائشة والسيدة نفيسة وغيرها من أضرحة الأولياء والصالحين، واعتاد من يحج منهم أو يعتمر زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم والمدفون فيه معه صاحباه أبو بكر وعمر، واعتادوا إقامة موالد الأولياء والصالحين والاحتفال بها حول أضرحتهم ومدافنهم، كمولد السيد أحمد البدوى بطنطا، والسيد إبراهيم الدسوقى بدسوق،

وعبد الرحيم القنائى بقنا، والمرسى أبو العباس بالإسكندرية، وغيرهم بطول مصر وعرضها، وافتخروا ولا يزالون بأن جامع عمرو بن العاص وبه ضريحه وابنه عبد الله، هو أول مسجد أقيم فى أفريقيا، واعتادوا فى الأعياد والمناسبات زيارة مقابر وأضرحة موتاهم وقضاء بعض الوقت فيها قبل أن يعودوا لمواصلة احتفالاتهم بأعيادهم، وعاشت مصر ومسلموها ومسيحيوها آمنين وادعين يرتاحون إلى ما أضفاه الشعب على مراقد الجميع من احترام، شمل فيما شمل مدافن وأضرحة موتى الأقباط، ومنها ما يعد لليوم مزاراً ويتبرك به المسيحيون، ويحترمه ويزوره من يشاء من المسلمين، لا يشغلون أنفسهم بكيف رقد ومن رقد من الراحلين، ويتهيبون ويؤثمون نبش القبور أو العبث بالمراقد والراقدين فيها، ولم يخلّ ذلك يوماً بمعتقدهم ولا بأدائهم لفرائض ونوافل وشعائر دينهم فى سلام وأمان تميزت به دائماً مصر المحروسة.

وفجأة انفجر فى وجه الجميع حوادث جعلت تترى هنا وهناك، بهدم أضرحة ومراقد، وقلقلة أمان المصريين، وهدم أعرافهم ومعتقداتهم برؤية لا بأس على أصحابها إذا قصروها على أنفسهم وموتاهم، ولكنهم أساغوا لأنفسهم هدم الأضرحة ومراقد وبعضها لآل البيت، وجاءنا بمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف أنباء صدامات حدثت فى أربع محافظات بين الجمهور وبين مجموعات جعلت تقوم بهدم الأضرحة، وأخرى نقلت عراكاً إلى بعض المساجد والمنابر، وبثت الفضائيات مشاهد من هذه الأعمال والمصادمات، واتجه العقلاء إلى الأزهر الشريف طالبين إليه أن يبدى كلمته حول حكم الشرع فى هذه الأعمال التخريبية.

وفى اجتماعنا بمجمع البحوث الإسلامية، بجلسته الحادية عشرة فى دورته السابعة والأربعين التى عقدت بتاريخ 26 من ربيع الآخر 1433هـ الموافق 31 مارس 2011 ناقشنا فيها هدم الأضرحة، وانتهى مجلس المجمع بالإجماع إلى إصدار البيان التالى :

«يعرب مجمع البحوث الإسلامية عن رفضه واستيائه الشديد وإنكاره البالغ لما حدث من اعتداء على بعض المساجد والمنابر، ومن ادعاء البعض أنهم مخولون فى إقامة الحدود.

ويعلن المجمع أن هذة التصرفات محرمة شرعاً، ومجرمة عرفاً وقانوناً، ويناشد المسئولين أن يتصدوا لهؤلاء المعتدين وألا يمكنوهم من تحقيق أهدافهم، وأن يحولوا بينهم وبين ما يريدون. والله الموفق والهادى إلى سواء السبيل».

الذين امتشقوا الفئوس والمعاول فى فبراير / مارس 2011 لهدم الأضرحة فى أربع محافظات من محافظات مصر، لم يكونوا من ثوار 25 يناير 2011، وإنما استغلوا هذه الثورة، وبعد أيام من قيامها، فيما لم تكن من أجله هذه الثورة ولا كان من أفكارها أو أهدافها أو أغراضها، فخرجوا بذلك على الثورة وعلى الحكومة وعلى النظام العام سواءً بسواء، ولم تكن لهم أية مرجعية تبيح لهم ترويع مصر والمصريين فى معتقداتهم وحرمة موتاهم، ولا يسندهم شرع ولا قانون، وإنما هم ظنوا أن مفاتيح الإسلام بيدهم أو بيد من أوحوا إليهم وحرضوهم على القيام بهذا العمل، ومن اللافت أن يجرى هذا فى بلد الأزهر الشريف، وأن يجترئ عليه كل من ظن بنفسه قدرة على استنباط أحكام الإسلام، وأن ينتقل بما يراه من موقع الرأى إلى مرحلة القرار والفعل والتنفيذ، فيحل نفسه فى ضربة واحدة محل الأزهر ومحل الدولة ومحل المصريين، ويحمل فكره على كاهله ومعه فأسه ومعوله، ليعمل الهدم فى الأضرحة، وينتهك حرمة الأموات فى قبورهم، غير مبالٍ بأن هذه جريمة يعاقب عليها القانون!

(يتبع)