رجائى عطية
كان الأمل لدى الدوائر الفرنسية، أن تتخذ الإدارة الأمريكية الجديدة مبادرة لدفع عجلة التسوية فى الشرق الأوسط، ولكن الرئيس نيكسون اقتصر فى مؤتمره الصحفى يناير 1969 على القول بأنهم فى حاجة إلى مبادرات جديدة من أجل ما أسماه «تسكين الوضع»، ثم جعل الأمريكيون يصوغون أسلوب عمل يتضمن مباحثات أمريكية / سوفييتية، لإعداد وثيقة مشتركة تقدم للمؤتمر الرباعى تمهيدًا لتقديمها للوسيط الدولى، الأمر الذى لم يَرُق للمسئولين فى فرنسا، وأملوا فى استطلاع الموقف الأمريكى بدقة خلال زيارة الرئيس نيكسون لأوروبا، بيد أنه فى زيارته لباريس التى ختم بها جولته الأوروبية، صار الفرنسيون على اقتناع بأنه لا مفر من التسليم للقوتين الأعظم بأن تبحثا ما تشاءا من مسائل.
على أنه فى 28 أبريل 1969، صدر بيان من قصر الأليزيه يعلن أن الجنرال ديجول يتوقف عن ممارسة مهامه كرئيس للجمهورية، وهكذا أسدل الستار على مرحلة مثيرة من تاريخ فرنسا امتدت 11 سنة، وشهدت تحولات جذرية تميزت بها الجمهورية الخامسة.
وبدا من مسار الاستفتاء الذى تقدم فيه جورج بومبيدو رئيس وزراء ديجول الأسبق، ان الاتجاه يسير نحو «التغيير»، وكان من الضرورى لبومبيدو أن يحدث تغييرات داخلية وخارجية يقتضيها التصدى للمشكلات الوشيكة، فقرر التحالف مع قوى سياسية متعددة ليوسع قاعدة ارتكازه، وبدا أن دفة الموقف فى الشرق الأوسط تمثل قيدًا على حرية المرشحين فى التعبير عن موقفهم من النزاع العربى الإسرائيلى، ثم بدأت أول علامات التغيير فى السياسة الفرنسية تجاه الشرق الأوسط فى قول مدير الشئون السياسية أن أى تحسن لعلاقات فرنسا مع إسرائيل (أى أن التحسن قادم) لن يتم على حساب موقفها من العالم العربى، أعقبه ظهور انفتاح فرنسى تجاه إسرائيل، ثم جاء تصريح الرئيس بومبيدو عن احتمال إعادة النظر فى قرار حظر التسليح تأكيدًا لاتجاه فرنسى يستهدف «علاقات متوازنة» مع العالم العربى الإسرائيلى.
يروى حافظ إسماعيل أنه من خلال متابعته لخطب وتصريحات وزير الخارجية شومان فى الأمم المتحدة ثم زيارته لموسكو، ومن خلال اجتماعه بمدير الشئون السياسية الفرنسى تأكد لديه ما يمكن أن يمثل تآكلاً فى السياسة الديجولية وإيقاعًا أسرع فى تراجع فرنسا من مواقفها السابقة.. تجلى فى تبنيها أن هدف المباحثات الرباعية « مساعدة » يارنج وليس مناقشة تسوية مع الأطراف، واهتمامها باتخاذ إجراءات لتجنب تفاقم الموقف للتسكين كما ترى أمريكا، وفى تأييد تطبيع العلاقات بين أطراف النزاع، وأن لإسرائيل حق الوجود غير المنازع فيه، وألاّ يكون الإنسحاب من الأراضى المحتلة شرطًا مسبقًا للتسوية.
ويرى حافظ إسماعيل أنه ساعد على هذا التراجع الفرنسى، فشل القوتين الأعظم فى التوصل إلى نقطة بدء مقبولة فى مشاوراتهما، ثم تردى الموقف بتصاعد التوتر على جبهة السويس، ووقوع تطورات بالغة الأهمية فى السودان بسيطرة العقيد جعفر نميرى على البلاد، واستيلاء الجيش بزعامة معمر القذافى على السلطة فى ليبيا فى الأول من سبتمبر، بينما تقدمت الولايات المتحدة فى 28 أكتوبر بما يسمى « مشروع روجرز » بأسس للتسوية على الجبهة المصرية، وآخر مماثل للأردن، ولكن عبد الناصر رفض المشروع الأمريكى باعتباره « أنصاف حلول » ويتبنى وجهة نظر إسرائيل. وعلى هذا اعتبرت الولايات المتحدة أن الوقت لم يحن بعد لتحقيق تسوية سياسية.
ووسط هذه الرياح الغير مواتية، فجر الإسرائيليون ليلة عيد الميلاد أزمة هروب زوارق الطوربيد الخمسة إلى إسرائيل من ميناء شريورج رغم أنف الإدارة الفرنسية، وكانت هذه الزوارق من بين12 زورقا تعاقدت إسرائيل مع فرنسا على صناعتها قبل عام 1967، ولكن فرنسا لم تقم بتسليمها تنفيذا لقرار الحظر الذى اتخذته، ومع تفجر الموقف أشار حافظ إسماعيل على القاهرة بتأجيل ردود فعلنا حتى تتبين أبعاد العملية والرد الفرنسى، خصوصاً وأن الزوارق الخمسة لا تحدث تغييرا فى موازين القوى فى الحرب البحرية التى لا تلعب دوراً هاماً فى النزاع العربى الإسرائيلى.
وربما قدر حافظ فيما يقول أن هذه العملية كانت الثمن الذى قررت فرنسا أن تدفعه لتخفيف الضغط عليها بمناسبة قرارها بيع « الفوجا ماجيستير » ومائة طائرة ميراج لليبيا. ومع ذلك فإن المعنى السياسى للعملية كان أكبر كثيراً، ومن ثم قرر فى توصياته التى أقرها عبد الناصر أن تقدم الحكومة الفرنسية تفسيراً للحادث، وأن تعيد تأكيد موقفها فى مسألة الحظر «العام» على السلاح.
وكما توقع حافظ إسماعيل جاءت أعنف ردود الفعل من جانب الدوائر الديجولية التى اعتبرت الحادث « إهانة » لفرنسا، وأنه يستهدف العلاقة الفرنسية العربية، وهى علاقة تزعج الدوائر الأنجلو أمريكية، خاصة علاقات فرنسا مع ليبيا.
وفى إطار محسوب، اختار حافظ اللقاء بوزير الثقافة « ميليشية » لانتمائه الديجولى القوى، ولارتباطه الوثيق بالرئيس بومبيدو، وأعرب له عن قلق مصر العميق للحادث، خاصة وأن حظر التسليح لإسرائيل كان من دعامات سياسة ديجول. ولم يخب تقديره فى إيجابية ردود وزير الثقافة الفرنسى، ومع ذلك بدا أن فرنسا لم تعد تتصرف كقوة كبرى، وأبرز الحادث قدر ما تتمتع به إسرائيل من نفوذ داخل فرنسا، ومع ذلك ساعد على تجاوز هذه الأزمة إعلان الحكومة الفرنسية فى يناير 1970 عن بيع مائة طائرة ميراج خلال أربعة أعوام إلى ليبيا التى لم تكن لاعتبارات عسكرية فى حاجة إلى هذه الطائرات، كما لم تكن لديها المقومات لتشكيل « قوة جوية » ذات فعالية قتالية.
وفى أوائل يناير 1970، استُدعى حافظ إسماعيل إلى القاهرة للتشاور، فأمضى شهراً تخللته معارك جوية واسعة النطاق شنتها إسرائيل استناداً إلى تفوقها الجوى، ضد أهداف استراتيجية واقتصادية فى العمق المصرى. وبمناسبة وجوده فى القاهرة، استدعى حافظ للإدلاء بتقديره للموقف بصفة شخصية قبيل اجتماع عبد الناصر مع بعض معاونيه، وكان من أصداء هذا اللقاء قيام عبد الناصر بزيارة للاتحاد السوفييتى تقرر فيها تعزيز الدفاعات عن عمق الجمهورية. وفى فبراير بدأ وصول الخبراء السوفييت وكميات من المعدات الحربية لبناء شبكة الدفاع الجوى، وصحب هذا التحرك السوفييتى تحذير للقوى الغربية الثلاث بأن السوفييت سيضعون تحت تصرف الدول العربية الوسائل اللازمة للتصدى للهجمات الإسرائيلية.
وجاءت استجابة الولايات المتحدة متضمنة استعدادها لبدء مباحثات ثنائية بهدف وقف إطلاق النار ومناقشة الحد من التسليح للجانبين، ولكن السوفييت وكذا مصر رفضوا وقف إطلاق النار قبل أن تتوقف الغارات الإسرائيلية ضد العمق.. كما رفضوا مناقشة الحد من التسليح طالما استمر إحتلال إسرائيل للأراضى العربية.
يروى حافظ أنه بعد أن عاد من القاهرة إلى باريس، التقى فى الأسبوع الثانى من فبراير (1970) سكرتير عام الخارجية الفرنسية، حيث نقل إليه رؤية القاهرة للعلاقات المصرية الفرنسية وتضمنت:
● الأمل فى استمرار استقلال السياسة الفرنسية، واستعدادنا للتعاون معها على هذا الأساس.
● تقديرنا للاتفاق الليبى الفرنسى المعبر عن سياسة فرنسية مستقلة رغم الضغوط.
● رفض المشروع الأمريكى (مشروع روجرز) لتراجعه فى عدد من المواقف واقترانه بقرار تسليح إسرائيل بطائرات الفانتوم.
● الأمل فى أن يعبر الرئيس بومبيدو فى واشنطن عن اتجاهات فرنسية متوازنة.
ومع أن سكرتير عام الخارجية الفرنسية قد أبدى رغم الهجوم الدعـائى الواســع أن سياسة فرنسا «لن تتغير أبداً» إلاَّ أن ما أبداه من أن المشروع الأمريكى (روجرز) فيه بعض التقدم تجاه السلام، واعتباره يارنج بديلاً عن المفاوضات لانسحاب إسرائيلى بالتوازى مع ارتباطات السلام كل ذلك، مع حصاد زيارة بومبيدو لواشنطن من زيادة التزام فرنسا بالالتزام الغربى الكامل، جعل حافظ إسماعيل يقدر أننا قد وصلنا إلى نهاية درامية لاجتماعات الدول الأربع الكبرى، ونهاية لدور فرنسى متميز على نحو ما كان يأمل ديجول، وجاءت الأحداث التالية لتؤكد هذا الاتجاه، وأن فرنسا من ثم قد تحركت بأسرع مما كنا نتوقع نحو موقف أكثر تراجعاً مما كنا نخشى!
وبعد لقاء مع وزير الخارجية الفرنسى فى مارس 1970، طلب فيه حافظ توضيحاً لتصريحه حول: «فهم الدوافع التى تجعل من المستحيل على الولايات المتحدة أن تذهب حالياً أبعد مما ذهبت إليه، وأن فرنسا لن تطالبها بذلك!!» ومع أن الوزير الفرنسى، جاءت ردوده محسوبة بدقة ومهارة، إلاَّ أنها لم تنجح فى إخفاء أن هناك موقفاً جديداً تتبناه فرنسا ضمن إطار التنسيق مع الولايات المتحدة!
وفى مفاجأة كبيرة، علم حافظ إسماعيل عن طريق الإذاعة المصرية أن الرئيس عبد الناصر قد عينه رئيساً للمخابرات العامة.. ولينتقل الرجل، من مجال الدبلوماسية إلى مجال الأمن القومى. وفى هدوء، ذات صباح باكر، غادر باريس، ليبدأ فى القاهرة مهمة جديدة مليئة بالتضاعيف والتحديات!
كان الأمل لدى الدوائر الفرنسية، أن تتخذ الإدارة الأمريكية الجديدة مبادرة لدفع عجلة التسوية فى الشرق الأوسط، ولكن الرئيس نيكسون اقتصر فى مؤتمره الصحفى يناير 1969 على القول بأنهم فى حاجة إلى مبادرات جديدة من أجل ما أسماه «تسكين الوضع»، ثم جعل الأمريكيون يصوغون أسلوب عمل يتضمن مباحثات أمريكية / سوفييتية، لإعداد وثيقة مشتركة تقدم للمؤتمر الرباعى تمهيدًا لتقديمها للوسيط الدولى، الأمر الذى لم يَرُق للمسئولين فى فرنسا، وأملوا فى استطلاع الموقف الأمريكى بدقة خلال زيارة الرئيس نيكسون لأوروبا، بيد أنه فى زيارته لباريس التى ختم بها جولته الأوروبية، صار الفرنسيون على اقتناع بأنه لا مفر من التسليم للقوتين الأعظم بأن تبحثا ما تشاءا من مسائل.
على أنه فى 28 أبريل 1969، صدر بيان من قصر الأليزيه يعلن أن الجنرال ديجول يتوقف عن ممارسة مهامه كرئيس للجمهورية، وهكذا أسدل الستار على مرحلة مثيرة من تاريخ فرنسا امتدت 11 سنة، وشهدت تحولات جذرية تميزت بها الجمهورية الخامسة.
وبدا من مسار الاستفتاء الذى تقدم فيه جورج بومبيدو رئيس وزراء ديجول الأسبق، ان الاتجاه يسير نحو «التغيير»، وكان من الضرورى لبومبيدو أن يحدث تغييرات داخلية وخارجية يقتضيها التصدى للمشكلات الوشيكة، فقرر التحالف مع قوى سياسية متعددة ليوسع قاعدة ارتكازه، وبدا أن دفة الموقف فى الشرق الأوسط تمثل قيدًا على حرية المرشحين فى التعبير عن موقفهم من النزاع العربى الإسرائيلى، ثم بدأت أول علامات التغيير فى السياسة الفرنسية تجاه الشرق الأوسط فى قول مدير الشئون السياسية أن أى تحسن لعلاقات فرنسا مع إسرائيل (أى أن التحسن قادم) لن يتم على حساب موقفها من العالم العربى، أعقبه ظهور انفتاح فرنسى تجاه إسرائيل، ثم جاء تصريح الرئيس بومبيدو عن احتمال إعادة النظر فى قرار حظر التسليح تأكيدًا لاتجاه فرنسى يستهدف «علاقات متوازنة» مع العالم العربى الإسرائيلى.
يروى حافظ إسماعيل أنه من خلال متابعته لخطب وتصريحات وزير الخارجية شومان فى الأمم المتحدة ثم زيارته لموسكو، ومن خلال اجتماعه بمدير الشئون السياسية الفرنسى تأكد لديه ما يمكن أن يمثل تآكلاً فى السياسة الديجولية وإيقاعًا أسرع فى تراجع فرنسا من مواقفها السابقة.. تجلى فى تبنيها أن هدف المباحثات الرباعية « مساعدة » يارنج وليس مناقشة تسوية مع الأطراف، واهتمامها باتخاذ إجراءات لتجنب تفاقم الموقف للتسكين كما ترى أمريكا، وفى تأييد تطبيع العلاقات بين أطراف النزاع، وأن لإسرائيل حق الوجود غير المنازع فيه، وألاّ يكون الإنسحاب من الأراضى المحتلة شرطًا مسبقًا للتسوية.
ويرى حافظ إسماعيل أنه ساعد على هذا التراجع الفرنسى، فشل القوتين الأعظم فى التوصل إلى نقطة بدء مقبولة فى مشاوراتهما، ثم تردى الموقف بتصاعد التوتر على جبهة السويس، ووقوع تطورات بالغة الأهمية فى السودان بسيطرة العقيد جعفر نميرى على البلاد، واستيلاء الجيش بزعامة معمر القذافى على السلطة فى ليبيا فى الأول من سبتمبر، بينما تقدمت الولايات المتحدة فى 28 أكتوبر بما يسمى « مشروع روجرز » بأسس للتسوية على الجبهة المصرية، وآخر مماثل للأردن، ولكن عبد الناصر رفض المشروع الأمريكى باعتباره « أنصاف حلول » ويتبنى وجهة نظر إسرائيل. وعلى هذا اعتبرت الولايات المتحدة أن الوقت لم يحن بعد لتحقيق تسوية سياسية.
ووسط هذه الرياح الغير مواتية، فجر الإسرائيليون ليلة عيد الميلاد أزمة هروب زوارق الطوربيد الخمسة إلى إسرائيل من ميناء شريورج رغم أنف الإدارة الفرنسية، وكانت هذه الزوارق من بين12 زورقا تعاقدت إسرائيل مع فرنسا على صناعتها قبل عام 1967، ولكن فرنسا لم تقم بتسليمها تنفيذا لقرار الحظر الذى اتخذته، ومع تفجر الموقف أشار حافظ إسماعيل على القاهرة بتأجيل ردود فعلنا حتى تتبين أبعاد العملية والرد الفرنسى، خصوصاً وأن الزوارق الخمسة لا تحدث تغييرا فى موازين القوى فى الحرب البحرية التى لا تلعب دوراً هاماً فى النزاع العربى الإسرائيلى.
وربما قدر حافظ فيما يقول أن هذه العملية كانت الثمن الذى قررت فرنسا أن تدفعه لتخفيف الضغط عليها بمناسبة قرارها بيع « الفوجا ماجيستير » ومائة طائرة ميراج لليبيا. ومع ذلك فإن المعنى السياسى للعملية كان أكبر كثيراً، ومن ثم قرر فى توصياته التى أقرها عبد الناصر أن تقدم الحكومة الفرنسية تفسيراً للحادث، وأن تعيد تأكيد موقفها فى مسألة الحظر «العام» على السلاح.
وكما توقع حافظ إسماعيل جاءت أعنف ردود الفعل من جانب الدوائر الديجولية التى اعتبرت الحادث « إهانة » لفرنسا، وأنه يستهدف العلاقة الفرنسية العربية، وهى علاقة تزعج الدوائر الأنجلو أمريكية، خاصة علاقات فرنسا مع ليبيا.
وفى إطار محسوب، اختار حافظ اللقاء بوزير الثقافة « ميليشية » لانتمائه الديجولى القوى، ولارتباطه الوثيق بالرئيس بومبيدو، وأعرب له عن قلق مصر العميق للحادث، خاصة وأن حظر التسليح لإسرائيل كان من دعامات سياسة ديجول. ولم يخب تقديره فى إيجابية ردود وزير الثقافة الفرنسى، ومع ذلك بدا أن فرنسا لم تعد تتصرف كقوة كبرى، وأبرز الحادث قدر ما تتمتع به إسرائيل من نفوذ داخل فرنسا، ومع ذلك ساعد على تجاوز هذه الأزمة إعلان الحكومة الفرنسية فى يناير 1970 عن بيع مائة طائرة ميراج خلال أربعة أعوام إلى ليبيا التى لم تكن لاعتبارات عسكرية فى حاجة إلى هذه الطائرات، كما لم تكن لديها المقومات لتشكيل « قوة جوية » ذات فعالية قتالية.
وفى أوائل يناير 1970، استُدعى حافظ إسماعيل إلى القاهرة للتشاور، فأمضى شهراً تخللته معارك جوية واسعة النطاق شنتها إسرائيل استناداً إلى تفوقها الجوى، ضد أهداف استراتيجية واقتصادية فى العمق المصرى. وبمناسبة وجوده فى القاهرة، استدعى حافظ للإدلاء بتقديره للموقف بصفة شخصية قبيل اجتماع عبد الناصر مع بعض معاونيه، وكان من أصداء هذا اللقاء قيام عبد الناصر بزيارة للاتحاد السوفييتى تقرر فيها تعزيز الدفاعات عن عمق الجمهورية. وفى فبراير بدأ وصول الخبراء السوفييت وكميات من المعدات الحربية لبناء شبكة الدفاع الجوى، وصحب هذا التحرك السوفييتى تحذير للقوى الغربية الثلاث بأن السوفييت سيضعون تحت تصرف الدول العربية الوسائل اللازمة للتصدى للهجمات الإسرائيلية.
وجاءت استجابة الولايات المتحدة متضمنة استعدادها لبدء مباحثات ثنائية بهدف وقف إطلاق النار ومناقشة الحد من التسليح للجانبين، ولكن السوفييت وكذا مصر رفضوا وقف إطلاق النار قبل أن تتوقف الغارات الإسرائيلية ضد العمق.. كما رفضوا مناقشة الحد من التسليح طالما استمر إحتلال إسرائيل للأراضى العربية.
يروى حافظ أنه بعد أن عاد من القاهرة إلى باريس، التقى فى الأسبوع الثانى من فبراير (1970) سكرتير عام الخارجية الفرنسية، حيث نقل إليه رؤية القاهرة للعلاقات المصرية الفرنسية وتضمنت:
● الأمل فى استمرار استقلال السياسة الفرنسية، واستعدادنا للتعاون معها على هذا الأساس.
● تقديرنا للاتفاق الليبى الفرنسى المعبر عن سياسة فرنسية مستقلة رغم الضغوط.
● رفض المشروع الأمريكى (مشروع روجرز) لتراجعه فى عدد من المواقف واقترانه بقرار تسليح إسرائيل بطائرات الفانتوم.
● الأمل فى أن يعبر الرئيس بومبيدو فى واشنطن عن اتجاهات فرنسية متوازنة.
ومع أن سكرتير عام الخارجية الفرنسية قد أبدى رغم الهجوم الدعـائى الواســع أن سياسة فرنسا «لن تتغير أبداً» إلاَّ أن ما أبداه من أن المشروع الأمريكى (روجرز) فيه بعض التقدم تجاه السلام، واعتباره يارنج بديلاً عن المفاوضات لانسحاب إسرائيلى بالتوازى مع ارتباطات السلام كل ذلك، مع حصاد زيارة بومبيدو لواشنطن من زيادة التزام فرنسا بالالتزام الغربى الكامل، جعل حافظ إسماعيل يقدر أننا قد وصلنا إلى نهاية درامية لاجتماعات الدول الأربع الكبرى، ونهاية لدور فرنسى متميز على نحو ما كان يأمل ديجول، وجاءت الأحداث التالية لتؤكد هذا الاتجاه، وأن فرنسا من ثم قد تحركت بأسرع مما كنا نتوقع نحو موقف أكثر تراجعاً مما كنا نخشى!
وبعد لقاء مع وزير الخارجية الفرنسى فى مارس 1970، طلب فيه حافظ توضيحاً لتصريحه حول: «فهم الدوافع التى تجعل من المستحيل على الولايات المتحدة أن تذهب حالياً أبعد مما ذهبت إليه، وأن فرنسا لن تطالبها بذلك!!» ومع أن الوزير الفرنسى، جاءت ردوده محسوبة بدقة ومهارة، إلاَّ أنها لم تنجح فى إخفاء أن هناك موقفاً جديداً تتبناه فرنسا ضمن إطار التنسيق مع الولايات المتحدة!
وفى مفاجأة كبيرة، علم حافظ إسماعيل عن طريق الإذاعة المصرية أن الرئيس عبد الناصر قد عينه رئيساً للمخابرات العامة.. ولينتقل الرجل، من مجال الدبلوماسية إلى مجال الأمن القومى. وفى هدوء، ذات صباح باكر، غادر باريس، ليبدأ فى القاهرة مهمة جديدة مليئة بالتضاعيف والتحديات!