لا صباح.. بغير «صياح الديك»؟

محمود كامل: هل يمكن أن يبزغ «نور الصباح » دون «صياح الديك » ؟ لا أعتقد ذلك، منذ ارتبط صوت صياح الديك لدينا حتى ونحن نيام بالإشارة إلى أن الصباح...

محمود كامل:

هل يمكن أن يبزغ «نور الصباح » دون «صياح الديك » ؟ لا أعتقد ذلك، منذ ارتبط صوت صياح الديك لدينا حتى ونحن نيام بالإشارة إلى أن الصباح قد أصبح، وأننا على أعتاب يوم جديد .. بكل جديد، حيث لا ارتباط لما جرى لنا بالأمن بما قد نواجه فى هذا الصباح الجديد حتى لو تشابكت أحداث اليوم الماضى بالمتوقع من استمرارية استكمال الأحداث نفسها فى ذلك الصباح الذى اشرقت شمسه الجديدة ومعها صياح كل «الديوك » - ذلك أن حدوث غير المتوقع، مما يغير تماماً نتائج بقية المتوقع أمر محتمل حتى ولو لم نكن نتوقع بالعقلية الإنسانية محدودة المعرفة مهما تبحرت - أن المجهول القادم، والذى لا يعلمه سوى الله - قد يحمل خلال ساعاته الكثير الذى يغير كل التوقعات، وكذلك كل الاحتمالات، وما أكثر حالات اليأس البشرى من توقعات بالفشل ليكون النجاح - غير المتوقع - هو القول الفصل - وكلمة الختام، ذلك أننا لا نملك المقادير، وانما يملكها خالقها فقط ليقتصر دورنا، نحن البشر، على مجرد الفرجة، مثلما هى حال «النظارة » فى المسرح الكبير .

وكثيراً ما يتصور بعض الناس - غرورا - أنهم هم «الفاعلون » ، وأنهم مالكو ناصية الأحداث، وليس غيرهم، دون بصيرة ولا إدراك بأنهم «مفعول بهم » وليسوا أكثر، حيث - كثيراً - ما تتربص الأقدار بـ «المغرورين » لتعطيهم أبلغ الدروس فى التواضع البشرى، والاعتراف بأن «الأقدار » هى الأقدر، ذلك أن الأقدار هى «الله » طبقاً لقول «حديث قدسى »: لا تسبوّا القدر، فإننى أنا القدر، ومن ثم فلا مخلوق لديه القدرة على «صراع الأقدار » ، وهل هناك عاقل واحد يتصور قدرته على دخول صراع مع «الله ».. صاحب الأمر كله؟

إن الاعتراف بالأمر الواقع هو اعتراف «بعجز القدرة » - مهما بلغ الذكاء - عن نصب كمائن للمجهول بهدف التغلب عليه، ومن ثم فليس أمام كل العاقلين طريق غير «التصالح مع الأقدار » بحيث يترك كل شىء إلى الله، مع بذل كل جهد بشرى ممكن للنجاح، وتحقيق المبتغى والمطلوب، ليبقى نتاج كل ذلك الجهد البشرى - توفيقا أو فشلاً - بيد الله وحده الذى لا يضيع - ضمن كل ما تعلمناه فى بيوتنا - أجر من أحسن عملاً .

ولقد علمتنا دروس الحياة بطول العمر، أن المرء عليه أن يسعى، وليس عليه إدراك الأمانى، ذلك أن الله قد خلق كل العباد بهدف السعى «لتعمير الأرض » ، إلا أن البعض من خلقه - بسبب شيطانية العقول - قد تخصص فى «التخريب » ، وإفساد الحياة على البشر مع تصور جنونى لدى هؤلاء بأنهم «إنما يحسنون صنعاً » رغم بروز نتائج ذلك الذى يفعلون من تدمير .. أو خراب .

ويبدأ «الخراب البشرى » لدى بعض المفسدين بـ «خراب الذمة » ذلك أن «ذمة » أى إنسان هى الإنسان نفسه، فبغيرها يصبح المخلوق أداة تخريب وليس من جنود الله المخلوقين لزيادة مساحة «الخضرة » فى حياة البشر، بل غالباً ما تكون هذه النوعية من البشر لديها «عداء » مستحكم مع كل ما هو «أخضر »!

ورغم أن دوران الكرة الأرضية نفسها يعتمد أساساً على تصارع الناس وتقاطع رغبات البعض مع رغبات الآخرين، فإن الكثير من «علماء » الناس قد تفرغوا تماماً فى معامل أبحاثهم لاختراع الجديد، حيث تخصص البعض منهم فى تكريس كل علمه «لتحسين حياة البشر » بمضاعفة ما تنتج الأرض من طعام، بينما تفرغ الآخرون لاختراعات عسكرية شيطانية - بهدف السيطرة على خلق الله فى أصقاع الأرض - من بينها قنابل أو صواريخ عابرة للقارات، يكفى أحدها لتدمير الحياة على الأرض، ومع ذلك لديهم من ذلك الكثير القادر على تدمير تلك الحياة على الأرض أكثر من مرة، مع أن مرة واحدة تكفى لصناعة «يوم قيامة » تهلك خلاله كل أشكال الحياة على الأرض لتعود الأرض «بلقعا » مثلما كانت حالها قبل بداية الخلق، إن أولئك الذين يلعبون بـ «نار العلم » قد يصل بهم جنون عبقرية ذلك العلم إلى إهلاك كل شىء فوق الأرض، إلا أن جنونهم الإبداعى هذا قد يصور لهم أنهم .. وأهلهم فقط سيكونون - وهو ما لن يكون - هم كل «الناجين » ناسين أنهم قد يكونون أول «الهالكين » ، ذلك أن الأقدار لها حسابات أخرى !