النظرة من بعيد

ليلى حافظ : يرانا الآخرون على الجانب الآخر من شواطئ البحر المتوسط او المحيط الاطلنطى، بشكل مختلف تماما، حتى إن البعض يردد أقاويل غير صحيحة على لسان شخصيات مصرية، لمجرد...

ليلى حافظ :

يرانا الآخرون على الجانب الآخر من شواطئ البحر المتوسط او المحيط الاطلنطى، بشكل مختلف تماما، حتى إن البعض يردد أقاويل غير صحيحة على لسان شخصيات مصرية، لمجرد اثبات وجهة نظره تتهم وزير الدفاع عبد الفتاح السيسى بأنه شخصية دموية لا يهتم الا بمصالح الجيش الشخصية، وانه يهدد تلك الشخصيات لذلك غادرت البلاد، والوزراء الباقون يشعرون بأنهم رهائن لدى الجيش؛ ويؤكد الخطاب الغربى ان أى شخص يشيد بدور الجيش فى مواجهة الاخوان نابع اساسا من خوفه من الجيش، هذا الخوف الذى يسود قلوب الجميع فى مصر، مما يؤكد ان ما حدث كان بالفعل انقلابا عسكريا. والبعض الآخر يختزل الصورة كلها فى نقطتين فحسب: أن الجيش قام بانقلاب عسكرى على رئيس منتخب ديمقراطيا.

فكان من دواعى الدهشة الشديدة عندما يردد احد الاساتذة الفرنسيين فى معهد العلوم السياسية الشهير فى باريس، فى رسالة له لى، تلك الرؤية، وتساءل عن تلك المخاوف التى يقول ان الدوائر البحثية والسياسية فى باريس ترددها، مشيرا الى انه يحاول ان يفهم. ومن اجل ان أنقل له الصورة الصحيحة اوضحت له أن من السهل تصوير أى رأى بعكسه طالما انه ليس هناك سند له، وطالما ان من يسمعه لا يريد ان يقتنع برأى آخر؛ ولكن الحقيقة هى ان الاخوان فقدوا فى عام واحد تعاطف ومساندة اغلبية الشعب المصرى، حتى هؤلاء الذين اعطوهم اصواتهم فى الانتخابات سواء التشريعية او الرئاسية. وان الجيش حصل على شعبية كبيرة بين المواطنين لانه الجهة الاساسية التى تستطيع تلبية مطلب الشعب وهو وضع نهاية لحكم الاخوان قبل ان يدمروا الوطن والدولة المصرية تمامًا.

ولكن بالنسبة للعقلية الغربية، كما يقول استاذ العلوم السياسية الفرنسى، فانه من الصعب فهم فكرة ان الشعب «يحب ويؤيد الجيش»، لان ذلك فى نظرهم معناه ان الشعب يحب من يحمل السكين ضده»؛ ولكن الاخوان تم انتخابهم وهذا يعطيهم قوة قانونية، اما الجيش فهو فى نظره، يحكم مصر ضد حكومة انتخبت بشكل ديمقراطى، وذلك يعتبر نقطة ضعيفة فى حق الجيش.

ولكن ما نسته، أو تناسته النخبة المثقفة الغربية، بالرغم من جهود اسرائيل بان تظل الذكرى حاضرة، هو ان ادولف هتلر، الزعيم النازى الالمانى، جاء الى الحكم عبر انتخابات ديمقراطية حرة، ولكنه انقلب عليها وحكم بالحديد والنار، ونشر الحرائق فى كل مكان فى اوروبا. كما نسى الغرب او تناسوا، بالرغم من ان تلك الاحداث لم تمض عليها سنوات طويلة، انهم قاموا - الاتحاد الاوروبى والولايات المتحدة واسرائيل - بمعاقبة كل الشعب الفلسطينى لانه اختار «حماس» فى انتخابات حرة ديمقراطية. وعلى إثر الحصار الاقتصادى الذى فرضه الغرب واسرائيل على غزة، لقى مئات الالاف من الفلسطينيين حتفهم، خاصة الاطفال وكبار السن والمرضى بسبب نقص فى الطعام والشراب والدواء الذى لم يعد يمكن نقله اليهم. ولا ننسى كيف كانت اسرائيل تهاجم السفن التابعة للهيئات الحقوقية والتطوعية لمنعها من توصيل المساعدات الى ابناء غزة.

ان الغرب الذى يعتبر نفسه ديمقراطيا، يعرف تماما ان تاريخه ملىء بالممارسات غير الديمقراطية وبانتهاكات حقوق الانسان منذ أن كان مستعمرا لدول افريقيا وآسيا، والشرق الاوسط، وحتى اليوم وهو يمارس الاستعمار الجديد والانتهاكات من اجل الاستيلاء على ثروات افريقيا ودول العالم الثالث، فما زالت ذكرى العراق حية، وما زلنا نتابع حروب الغرب فى افريقيا من اجل الابقاء عليها فى حالة فقر وعنف وخوف فلا تنتقل أبدا الى مرحلة التنمية والبناء.

لهذه الاسباب لا يحق للغرب ان يتصور انه فى موقف يسمح له بأن يعطينا دروسًا فى الديمقراطية وحماية حقوق الانسان. ومصر سوف تخرج من تلك الدائرة الجهنمية التى تدور بين الاعتماد على الغرب او الانزلاق الى الحروب الاهلية، وستكون «أد الدنيا».