وكل غدة من هذه الغدد الصماء فيما يبسط الأستاذ العقاد تفرز مادتها الخاصة فى الدم مباشرة، ويطلق عليها «الهرمون». وكل هرمون من هذه الهرمونات يؤثر فى الهرمونات الأخرى ويتأثر بها، بما فى ذلك الغدد غير الصماء. سواء للتعاون تارة والمقاومة والتعويض تارة أخرى .
ودلت مراقبة التوالد فى الكائنات الحية على أن هذه الغدد تبدأ فى الظهور مع انقسام الجنسين، دون أن تتميز خصائصها كل التمييز فى أنواع الأحياء التى تميزت فيها الذكورة والأنوثة .
ومما ينبغى ذكره أن الأحياء توالدت قبل أن يكون فيها جنسان متميزان .
فالأميبا مثلاً وهى حيوان من خلية واحدة تتوالد بالانقسام .
ويتم التوالد فى أحياء أرقى منها بالنتوء أو الإزهار تشبيهًا له بنتوء الكم من فرع الشجرة .
ويتم التوالد فى أحياء أرقى من الطحالب بالطريقة الجرثومية أى بانعزال بعض الخلايا داخل الجسم وتطورها حتى تشابه جرثومتها الأصلية، وتأخذ فى النمو ثم التوالد .
ويلى هذا التوالد الجرثومى توالد متوسط بين هذه الطريقة وطريقة الحيوان ذى الجنسين، وتسمى البوغية أو الغبارية .
ويلى الطريقة البوغية طريقة تسمى بالتوالد العذرى، فتتولد من الحيوان جرثومة قابلة للنمو بغير تلقيح؛ وهى نفسها قد تلقح فيختلف النتاج كما يحدث فى جراثيم النحل الذى تنمو خلاياه غير الملقحة فتصبح ذكورًا، وتنمو خلاياه الملقحة فتصبح إناثًا .
ومن الأحياء الطفيلية ما يجمع بين الذكورة والأنوثة، ومنها ما يجرى التلاقح فيه بين حيوانين كل منها لاقح وملقوح، كدودة الأرض والقوقعة الحلزونية .
والطبقة التى تعلو هذه الطبقة هى طبقة التوالد من جنسين يستقل كل منهما بوظيفة لا يؤديها الجنس الآخر. والمسافة واسعة جدًا بين أدنى الحيوانات من هذه الطبقة وبين الإنسان .
ولكن الإنسان مع هذا لا يزال محتفظًا فى كيانه بأصول التوالد فى طبقات الأحياء .
ويؤخذ من شواهد متكررة أن «مبيض» الأنثى يفرز الهرمون المذكر المسمى بالأندروجين كما يفرز الهرمون المؤنث المسمى بالإستروجين .
والمعلوم أن الذكر فى الحيوانات الفقارية أجسم من الأنثى، فإذا خُصى الذكر والأنثى من صغار الحيوانات فإن ذلك يعطل نمو الذكر ويعجل نمو الأنثى .
هذا ويحدث تضخم البروستاتا فى الشيخوخة لنقص إفراز هرمون الذكر أى الأندروجين، وزيادة إفراز هرمون الأنثى أى الإستروجين .
ومن المشاهدات المتكررة يجنح ذو التجارب إلى القول بأن غياب اطوار الرجولة يبرز أطوار الأنوثة ولكن لا يحدث العكس .
«وأيًا كان مقطع الرأى فى هذه التجارب فالثابت فيما يقول الأستاذ العقاد من أطوار الصبغيات والتناسلات أن أنوثة الجنين مطردة حيث يغيب الصبغى الذى ينفرد الذكر بإفرازه، وإنه حيث يوجد هذا الصبغى يكون الجنين ذكرًا على الدوام .
«فمن عجائب الخلقة أن الخلايا المولدة التى تصل إلى رحم المرأة تبلغ نحو مائتى مليون خلية. كل خلية منها تحتوى على أربعة وعشرين صبغيًا وكلها متشابهة إلاَّ بعض صبغيات الذكر، فإن الصبغى الرابع والعشرين منها يشتمل على خلية واحدة ذات جزئين مختلفين، ولا يأتى هذا الاختلاف إلاَّ على النسبة التى يتعادل بها عدد الذكور وعدد الإناث فى النوع الإنسانى بوجه التقريب .
«وأعجب من ذاك أن هذا الصبغى Chromosome يعين جنس المولود ولكنه لا يعين الطبائع الموروثة »
وكثيرًا ما يرث الولد استعدادًا تحول البيئة دون ظهوره، ولكنه لا يكسب فى البيئة خلقًا لم يكن على استعداد له بتكوينه .
والصبغيات البالغة أربعة وعشرون فى النوع الإنسانى، أحدها هو الذى يعين الجنس، فينمو الجنين ذكرًا أو أنثى على حسبه، ويبقى ثلاثة وعشرون صبغيًّا تعمل فى تكوين الجنين .
والعلماء يتابعون البحث فيما يقول الأستاذ العقاد على هذه الخطوط الواسعة أملا فى الوصول إلى عمل الصبغيات فى نقل الأخلاق والخلال الموروثة، وهو بحث عويص فيما يقول محفوف بالمجازفات والصعوبات .
● ● ●
وبعد فهذه فى رأى الأستاذ العقاد عجالة توخى الإلمام فيها بما هو ضرورى من المعارف العلمية من أعمال الغدد، وتطور الوظائف الجنسية، فما هى النتيجة التى تنتهى إليها ؟ يقول :
«إنها لا تنتهى بأية حال إلى تهوين الفوارق بين الجنسين، ولا إلى زعم الزاعم أن الإنسان مزدوج الجنسين Bisexual مختلط الذكورة والأنوثة بطبيعته، وأن الشذوذ الجنسى فيه فطرة عامة تتخذ أطوارها على حسب العمر من الطفولة إلى تمام النمو فى الجنسين، كما يقول فرويد ومتبعوه، إن النتيجة التى تنتهى إليها بحوث المختصين بتطور الجنس لا تنتهى إلى هذه النتيجة، بل تنتهى إلى نتيجة تناقضها، وهى أن الفوارق بين الجنسين تتعدد وتتوزع، وتتشعب حتى لا يكفى لتعيينها جهاز التناسل وحده، ولا بد معه من دلائل أخرى تنطوى فيها وظائف الغدد وسائر أطوار البنية ..
«وإذا كانت هذه الخصائص لا تتوافر جميعًا فى بنية واحدة، فهذا شأن جميع الخصائص فى كل تراكيب من تراكيب الأحياء أو الجماد، فلا يوجد إنسانان ولا شجرتان ولا حجران على مثال واحد، ولا يلزم من عموم المادة الكربونية مثلاً أن الفحم والماس والسكر أشباه لا فوارق بينها فى جميع المزايا والقيم والأغراض .
«وللنوع الإنسانى ولا شك خصال عامة يشترك فيها الجنسان، ولكن التطور الجنسى لم يتقدم هذا التقدم ليتشابه الجنسان فى النهاية، وإنما تقدم الجنس لتظهر بينهما الفوارق اللازمة، ويبقى كل منهما بعد ذلك إنسانًا فيما عدا هذه الفوارق لأنها لا تخرج الذكر من إنسانيته، ولا تخرج الأنثى من انسانيتها ولن يكون النوع الذى ينتميان إليه نوعًا واحدًا إذا اختلفا فى كل شىء .
«وقد وجدت حالات من الشذوذ الجنسى لا شأن لها بالخصائص الموروثة، ومرجعها كلها إلى العوارض الاجتماعية، أى العوارض التى تطرأ بعد الولادة ..
«فالذين راقبوا الشذوذ الجنسى فى الحيوانات وجدوا أنه يعرض للقردة والكلاب، وبعض الطيور كالحمام، ولكنه لا يعرض لها إلا فى غيبة الإناث وحين يتربى الذكور من هذه الحيوانات فى مكان واحد تنعزل فيه، ولا تظل على شذوذها بعد اختلاطها بإناثها .
«والذين راقبوا الشذوذ الجنسى فى القبائل البدائية وجدوا كذلك أنه يعرض للناشئين، وهم منعزلون فى المزارع والغابات، ثم يتعقبونه بالسخرية والاشمئزاز ..
«وهذه هى العوارض التى يتخذها بعضهم شاهدًا على النزعة الفطرية فى الشذوذ الجنسى لأن الحيوانات والهمج يباشرونه كأنما كانت استقامة الفطرة وقفًا على الحيوان والهمج المتخلفين عن المدنية ».
[email protected]
www. ragai2009.com
أبو نواس .. الحسن بن هانئ (10 )
وكل غدة من هذه الغدد الصماء فيما يبسط الأستاذ العقاد تفرز مادتها الخاصة فى الدم مباشرة، ويطلق عليها «الهرمون». وكل هرمون من هذه الهرمونات يؤثر فى الهرمونات الأخرى ويتأثر بها، بما