ويقال عن الحقد، ما قيل عن الحسد، فقد كان ابن الرومى ساخطًا، ولكنه لم يكن حاقدًا، والبون شاسع بين السخط والحقد، فهما خلقان متباينان تباينًا قد يصل فى بعض الأحيان إلى حد التناقض. فقد يسخط المرء على ابنه أو أقرب المقربين المحببين إليه، من باب الغيرة عليه وطلب الصواب له، لا من باب الحقد .
من ذلك أن ابن الرومى سخط على «الأخفش» سخطًا شديدًا له أسبابه، حتى إن ابن الرومى توعده فى شعر له، وهجاه، ولكن ما إن عاد إليه الأخفش يعتذر إليه عما وقع منه ويسترضيه، حتى أسرع ابن الرومى وطوى الصفحة، وأقبل يقرظ الأخفش ويطريه. قال :
ذكر الأخفش القديم فقلنا
إن للأخفش الحديث لفضلاً
وإذا ما حكمت والروم أهلى
فى كلام معرب كنت عدلاً
أنا بين الخصوم فيه غريب
لا أوى الزور للمحاباة أهلاً
إلى أن قال :
يا ظماء إلى الصواب ردوه
يسقكم بالصواب علا ونهلا
هو بحر من البحور فرات
ليس ملحًا وليس حاشاه ضحلاً
ولهذه الخلة أمثلة أوردها الأستاذ العقاد، لينتهى إلى أنه آن الأوان لنبذ الطريقة العتيقة التى كان يتبعها بعض الأقدمين فى نقد الأخلاق والمقابلة بين المتشابه والمتخالف منها، فقد اعتادوا أن يأخذوا بالأعراض دون الجواهر وبالظاهر دون المخبر، ويتوقفون عند السمات البادية ولا ينظرون ما وراءها من بواعث .
ولا ينفد معين الأستاذ العقاد من ضرب الأمثلة فى حياة ابن الرومى، والتعقيب عليها وعلى ما نظمه من الشعر فيها. وقد تجلى ذلك فى معيشته كما تجلى فيما سلف من أخباره .
ويرى الأستاذ العقاد بعد بحث عريض، وأمثلة من شعر ابن الرومى، أن فشل ابن الرومى لم يكن لعيب فيه، وإنما لأنه كان قليل الحيلة خاليًا من الدهاء .
وقد كان حسب الرجل أن تقل حيلته فى أواسط القرن الثالث للهجرة، ليكون مقضيًّا عليه بالهلاك أو بالفاقة .
فى ذلك العصر عاش ابن الرومى وهو أعزل، لم يستعد له بعدة، ولم يحسن قط الدهاء على أحد، أو الاحتراس من دهاء الغير عليه. ومن ثم راح يتقلب فيه الإحساس ـ فيما يورد الأستاذ العقاد ـ طوع الحوادث، فكان نقيض الرجل الذى يصلح لمثل زمنه .
وجنت عليه جناية أخرى. كان غريب الأطوار، ولا أضر على الضعيف من غرابة الأطوار، لأنها تجعله هدفًا لكل ما فى الطبائع الآدمية من لؤم وسفاهة وسوء ظن ومجانة .
وقد يعفى الغريب الأطوار من إهدار حقوقه ـ أن تكون له مع غرابة أطواره سطوة أو ثروة أو عصمة يعتصم بها. ولم يكن لابن الرومى شىء من هذه أو تلك، فصار عرضه للؤم اللئام وإيذاء كل معدوم الضمير .
وكان هذا الضعف والاعتلال والحذر ـ فيما يرى الأستاذ العقاد ـ كان فى حاجة إلى من يرأمه ويعينه ويصرفه عن السعى فى طلب الرزق والنزوح عن الوطن !
ومما صور به ابن الرومى حاله؛ قوله :
ذقت الطعوم فيما إلتذذت كراحةٍ
من صحبة الأشرار والأخيار .
ولم يكن ابن الرومى مخلوقًا للجلد والمشقة فى أيام الشباب، فكيف بأيام المشيب ؟ وكان ربما رحل فى تلك الأيام إلى الآبلة أو سامر «من سر من رأى» أو بعلبك، فلا يلبث أن ينكرها ويعود منها بعد ما يلقى فيها ما لقى فى وطنه :
لقد أنكرتنى بعلبك وأهلها
بل الأرض بل بغداد صاحبة البتل
ويذكر ابن الرومى الدار والوطن فيقول :
ولى وطن آليت ألا أبيعه
وألا أرى غيرى له الدهر مالكا
عهدت به شرخ الشباب ونعمة
كنعمة قوم أصبحوا فى ظلالكا
وحبب أوطان الرجال إليهم
مآرب قضاها الشباب هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم
عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا
فقد ألفته النفس حتى كأنه
لها جسد إن بان غودر هالكا
ويرى الأستاذ العقاد أننا إذا أحصينا أسباب الجفاء الذى كان يشكوه ابن الرومى، فلا شك أن طول مقامه فى بغداد كان واحدًا من هذه الأسباب، فبينما كان غيره من أنداده والأقل طبقة يغيبون ويحضرون فلا يضن عليهم الأمراء بالعطاء، كان هو مقيمًا أمام أعينهم فى كل يوم فلا يلقى عندهم حفاوة الطارق بعد غياب .
يقول الأستاذ العقاد :
«وما نخال أن أحدا من ممدوحيه كان بينه وبين ابن الرومى من المؤاخاة فى الأدب مثل ما كان بينه ويبن أبى سهل بن نوبخت سليل البيت الفلكى المعروف، فقد كانت بينهما مساجلات كثيرة تلمح فيها مخاطبة الند للند، والصديق للصديق فى بعض الأبيات، فابن الرومى يغرب فى مدحه فيقول :
أعلم الناس بالنجوم بنونو
بخت علما لم يأتهم بالحساب
بل بأن شاهدوا السماء سموا
ورقيا فى المكرمات الصعاب
وأبو سهل يجيبه وهو يعتذر من قلة اضطلاعه بجوابه :
هكذا يجتنى الودود من الاخو ان أهل الأذهان والآداب
نظم شعر به ينظم شمل المـ ـجد كالعقد فوق صدر الكعاب
قد سمعنا مديحك الحسن القـ ـرض ولكن لم نضطلع بالجواب
«ومثل هذا الخطاب لا يكون إلا بين رجلين صديقين أو كالصديقين فيما توجبه العلاقة بينهما من الولاء والمعونة، فانظر مع هذا كيف كان أبو سهل فى رعايته لحقه، وعنايته بأمره، وصيانته لقدره ؟ كان كما قال فيه :
لى صديق إذا رأى لى طعًاما لم يكد أن يجود لى بشراب
فإذا ما رآهما لى جميعًا كفيانى لديه لبس الثياب
فمتى ما رأى الثلاثة عندى فهى حسبى لديه من آرابى
لا يرانى أهلا لملك الظها رى ولا موضع العطايا الرغاب
وكأنى فى ظنه ليس شأنى لهو ذى نهية ولا متصاب
فَّى طبٌع ملائكى لديه عازف صادف عن الإطراب
«كان قصارى حقه عند صاحبه هذا وعند أصحابه الموسرين جميعًا أن يعجبوا به، أو يتعجبوا لفطنته وغرائب أحواله، أو يساجلوه فى الشعر مساجلة يظهرون بها قدرتهم على مجاراة شاعر قدير منقطع للشاعرية، أو يسامروه سمرًا يلهون فيه بحديثه ونوادره، ثم يستأدوه الثمن غاليًا من صبره وماء وجهه. فأما ما وراء ذلك من نفع ومبرة، فليس من حقه عندهم، وليس له منه كما قال إلا نصيب الملائكة أو نصيب الحمير ..!
[email protected]
www. ragai2009.com
ابن الرومى شاعر العقاد الأثير (8 )
ويقال عن الحقد، ما قيل عن الحسد، فقد كان ابن الرومى ساخطًا، ولكنه لم يكن حاقدًا، والبون شاسع بين السخط والحقد، فهما خلقان متباينان تباينًا قد يصل فى بعض الأحيان إلى حد التناقض. فقد يسخط المر