الإسلام يا ناس (43)

رجائى عطية لم يجمع مفتى الديار المصرية، الإمام محمد عبده، آراء فقهاء المالكية والشافعية والأحناف والحنابلة، ليطلع عليها وكفى، أو يحفظها سندا لديه عند الحاجة إليها، وإنما ضمنها فتواه، لتكون..

رجائى عطية

لم يجمع مفتى الديار المصرية، الإمام محمد عبده، آراء فقهاء المالكية والشافعية والأحناف والحنابلة، ليطلع عليها وكفى، أو يحفظها سندا لديه عند الحاجة إليها، وإنما ضمنها فتواه، لتكون بينة على ما انتهى إليه، وعلى أنه محط إجماع المذاهب الأربعة الكبرى لأهل السنة والجماعة فيما سئل فيه.

بعد عرضه ما قاله هؤلاء، قَفَّى الإمام محمد عبده فقال إن المطلع على ما نقله حضرات الأساتذة من علماء الجامع الأزهر من نصوص الكتاب والسنة، وأقوال الأئمة والعلماء من أهل المذاهب الأربعة: يعلم حق العلم أن ما يفعله أولئك الأفاضل- المستفتى فى عملهم- من دعوة للخير- هو الإسلام، وأنه من أجلّ مظاهر الإيمان، وأن الذين يكفرونهم أو يصمونهم بالضلال- هم الذين تعدوا حدود الله، وخرجوا عن أحكام دينهم القويم.

فالمستفتى فى شأنهم دعاة خير، قاموا بأمر الله فى قوله: «وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» (آل عمران 104)، أما من رموهم فقد خالفوا نهى الله سبحانه فى قوله: «وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ» (آل عمران 105)، فإن كانوا يعتقدون صحة ما يرمون به، فإنهم يكفرون بذلك لأنهم اعتبروا الإيمان وأعماله كفرا، وذلك جحود لما جاء به محمد ﷺ، وإن كانوا يدعون ذلك نبزا بألسنتهم فأخف حالهم أن يدخلوا فى الذين يحبون أن تشيع الفاحشة فى الذين آمنوا، وقد قال الله تعالى فيهم: «إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِى الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِى الدُّنْيَا وَالأخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ» ( النور 19).. لأنهم يضللون من يؤمن بالله واليوم الآخر، وبما جاء به محمد ﷺ، ويرمونهم بالفسق فى أعمالهم بغير حق، وذلك إشاعة للفاحشة فى الذين آمنوا، وما أعظم الوعيد على ذلك فى قوله سبحانه: «لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِى الدُّنْيَا وَالأخِرَةِ» ( النور 19 )، فهو من فظائع الكبائر !

بقى أن الجهلة المتشدقين فيما قال الإمام محمد عبده ربما عرضت لهم الشبهة فى قوله تعالى فى سورة آل عمران: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ» ( آل عمران 118) إلى آخر الآية، أو فى قوله تعالى: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ» (المجادلة 14)، أو الآية 22 من سورة المجادلة أو الآية الأولى من سورة الممتحنة، أو غيرها مما يتذكره المفتى مما يكون قد فاته، بيد أنه لا عذر لهم فيما يؤكده الإمام محمد عبده فى تفسيق إخوانهم أو تكفيرهم.

لا عذر لهم وقد جاء بالآيتين 8، 9 من سورة الممتحنة: «لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ» ( الممتحنة 8، 9 )، وبعد ما جاء من القصص الذى قصَّه القرآن علينا لتكون لنا فيه أسوة، إذ قال: «وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِى الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ» (لقمان 15)، وبعدما أباح الله لنا فى آخر ما أنزل على نبيه ﷺ من نكاح الكتابيات، فالنكاح لايكون فى قوم حتى تكون فيهم قرابة المصاهرة، ولا تكون تلك القرابة حتى تكون المودّة.

أما الآيات التى وردت فى النهى عن موالاة غير المؤمنين، أو موادّة الفاسقين والمحادين لله تعالى، فإنه نهى عن الموالاة فى الدين، وفى نصرة غير المؤمن على المؤمن فيما هو من دينه، أو إمداد الفاسق بالمعونة على فسقه، أو اتخاذ بطانة من غير المؤمنين تسعى لخذلانهم والإضرار بهم.

أما إذا أمن الضرر، وغلب الظن بالمنفعة، ولم يكن فى الموادّة معونة على تعدى حدود الله، ومخالفة شرعه فلا حظر- فيما يقول الإمام محمد عبده- فى الاستعانة بمن لم يكن من المسلمين، أو لم يكن من الموفقين الصالحين ممن يسمّونهم أهل الأهواء. ذلك أن طالب الخير الساعى إليه- يباح له، بل ينبغى له، أن يتوسل إليه بأية وسيلة توصل إليه ما لم يخالطها ضرر للدين أو للدنيا، وقد بينت السنة النبوية ذلك فيما صرح به الكتاب المجيد فى قوله: «لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ» ( الممتحنة 8 ).. وقد كانت لنا أسوة فى استعانة الرسول ﷺ بصفوان بن أمية فى حرب هوازن، وفى غيرها من الوقائع المعروفة فى السنة، ثم كان لنا ذلك فى سيرة الخلفاء الراشدين من لدن عمر بن الخطاب إلى علىّ- كرم الله وجهه، لما فيه الكفاية لمسترشد إذا استرشد..

فقد أنشأ عمر الديوان ونصب العمال، واحتاج المسلمون إلى من يقوم فى العمل بحساب الخراج وما ينفق من بيت المال، واحتاجوا إلى كتاب المراسلات، وليس لديهم من يحسن ذلك، فوضع ذلك كله- رضى الله عنه، فى أيدى أهل الكتاب من الروم وفى أيدى الفرس، ولم يزل العمل على ذلك فى خلافة الراشدين من بعده، إلى زمن عبد الملك بن مروان، فكيف تنكر الاستعانة ؟! لقد ذكر بن خلدون ذلك كله، وقال فى باب ديوان الأعمال والجبايات: «أما ديوان الخراج والجبايات، فبقى بعد الإسلام على ما كان عليه من قبل: ديوان العراق بالفارسية، وديوان الشام بالرومية، وكتّاب الدواوين من أهل العهد من الفريقين، حتى جاء عبد الملك بن مروان واستحال الأمر مُلْكاً وانتقل القوم من غضاضة البداوة إلى روفق المضارة، ومن سذاجة الأمية إلى حذق الكتابة، وظهر فى العرب ومواليهم مهرة فى الكتابة والحساب، فاستعان بهم».

ونقل الإمام محمد عبده، من الأحكام السلطانية للماوردى- قوله: «ويجوز أن يكون هذا الوزير من أهل الذمة، وإن لم يجز أن يكون وزير التفويض منهم».

وأضاف الإمام المفتى، أن استعانة الخلفاء من بنى أمية وبنى العباس بأرباب العلوم والفنون من الملل المختلفة- شائع ومعروف ولا يمكن إنكاره، وقد كانوا يستعينون بهم على أعين الأئمة والعلماء والفقهاء والمحدثين بغير نكير. وعلى ذلك فقد قامت الأدلة من الكتاب والسنة وعمل السلف- على جواز الاستعانة بغير المؤمنين وغير الصالحين على ما فيه الخير والمنفعة، وأن الذين يعمدون إلى هذه الاستعانة لجمع كلمة المسلمين وتربية أيتامهم وما فيه خير لهم- لم يفعلوا إلاَّ ما اقتضته الأسوة الحسنة بالنبى ﷺ والصحابة، وأن من كفّرهم أو فسَّقهم فهو بين أحد الأمرين: إما كافر، أو فاسق. فعلى دعاة الخير أن يجدوا فى دعوتهم، وأن يمضوا على طريقتهم، ولا يحزنهم شتم الشاتمين، ولا يغيظهم لوم اللائمين، فالله كفيل لهم بالنصر إذا اعتصموا بالحق والصبر. والله أعلم.

كانت هذه فتوى الإمام عبده المؤيدة برأى فقهاء وعلماء المذاهب الأربعة من نيف ومائة عام، بقى أن أحدثك بما استجد مما قذفته الحضارة الحديثة من علوم ومخترعات ومبتكرات فى كل مجال مما قد

لا يجيده ويتقنه أو يعرف أسراره سوى بعض الأجانب ممن ليسوا مسلمين، وأن أضع أمامك إلى جوار بعض ضرورات ذلك، أن المسيحيين واليهود ليسوا كفاراً، وإنما هم أهل الكتاب بنص العديد من آيات القرآن المجيد.

(يتبع)