أسلفنا فى التمشيط أن هذا الكتاب من أعمدة الكتب التى أُلّفت فى لغة الضاد، ويرجع ذلك إلى عدد وتنوع وعمق الموضوعات التى تناولها، وأول صدوره كان فى سنة 1963 عن دار المعارف، ونفهم من هذا أن الأستاذ العقاد قد استوت له مادة هذا الكتاب وغاياته فى أواخر عمره بعد أن استوى له كل ما أرد، علمًا وفكرًا وتمكّنًا.
وأسلفنا فى التمشيط عناوين الموضوعات أو الفصول التى طوى عليها.
ولعل أصدق تعريف بالكتاب، التقديم الذى كتبه الأستاذ العقاد عن موضوعه.
فهو كما قال فصول متفرقة يجمعها غرض واحد، هو تصحيح الأخطاء فى النظر إلى اللغة العربية والحكم على مكانتها بين اللغات العالمية التى تصلح لحمل وأداء رسالة العلم والثقافة فى القرن العشرين، القرن الذى وضع فيه هذا الكتاب.
ووقعت هذه الأخطاء المتكررة منذ ابتداء حركة الترجمة الحديثة من اللغات الأوروبية، وتتلخص كلها فى اتهام كفاية اللغة العربية للقيام بأمانة نقل الرسالة.
بدأ الخطأ الأول فى النظر إلى اللغة العربية من طبيعة البداءة فى كل حركة وكل نهضة. ولم يكن الخطأ خطأ أو قصور اللغة، وإنما نقص الاستعداد للترجمة فى بداءتها.
فلكى يستوفى المترجم استعداده النهوض بعمله، يلزمه العلم باللغتين، وبموضوع المعرفة الذى ينقله من إحدى اللغتين إلى الأخرى، وحصة وافية مشتركة من المعلومات العامة فى عصره.
ومن المعلوم أنه يصعب اكتمال هذه العناصر فى بداءة الحركة، فقد تكون هذه العناصر ذاتها فى دور البداءة محلاًّ للمراجعة والإعادة.
ويرى الأستاذ العقاد أنه لم يكن بين المترجمين فى أوائل حركة الترجمة، من هو أوفى عدةً من رفاعة الطهطاوى، سواء فى مادة اللغة العربية أو فى مادة اللغة الفرنسية.
ومع هذا فإنه كان يترجم « الولايات المتحدة » بال (أتازيونى) ناقلاً فى ذلك عن اللفظ الفرنسى بحرفه.
على أن الطهطاوى لم يسلك ذلك لقصور اللغة العربية عن أداء الكلمة بما يقابلها، ولا لأنه كان يجهل مدلول « الولاية » وما يرادفها فى معجمات اللغة، وإنما كانت الاصطلاحات السياسية والدستورية فى بداءة وجودها فى تلك الحقبة، بل كان اتحاد المقاطعات أو الولايات فى أساسه عملاً جديدًا فى قاموس الحكم والسياسة.
أما المترجمون ممن هم دون رفاعة فى اللغة والمعرفة، فكان منهم من يستخدم ألفاظ (ألبو) و (تجرى) و (أكرة) ليترجم بها (حلب والدجلة وعكا)- ولا ذنب للغة العربية فى هذا الخطأ، فهى مصدر هذه الكلمات الصحيحة المقابلة لتلك الأسماء، كما لم يكن المترجمون يجهلون الاسم المقابل- وهو الأصلى- فى اللغة العربية، ولكنها بداءة العلم والتاريخ ووقائعه.. فعلت فعلها هنا، وكشفت بذلك عن خطأ من أخطاء القائلين بقصور اللغة فى نقل كتب المعرفة والثقافة .
فإذا انتقلنا بالترجمة من عالم الأسماء والأعلام والمصطلحات، إلى عالم المعانى والأحاسيس والأفكار، نجد أن «البداءة» هى المسئولة عن خطأ كذلك الخطأ، أو أظهر منه للقراء على اختلاف حظ كل منهم من المعلومات العامة.
وذلك فيما يعنى الأستاذ العقاد هو « خطأ الضرورة » التى خلطت بين ملكة الأديب وبين المعرفة « القاموسية » بالكلمات الأجنبية وما يقابلها بلغة الخطاب المتداول ولغة القاموس فى العربية الفصحى.
فليس العجز لقصور الألفاظ العربية عن وصف المعانى والأفكار والأحاسيس، وإنما هو عجز المترجم. ولو تولى الترجمة أديب يشعر شعور الأديب ويفهم فهمه، لما قصرت اللغة العربية بين يديه عن مجاراة اللغة التى ينقل عنها.
ويستشهد الأستاذ العقاد بالأستاذ البستانى. فهو لم يزعم قط أنه يضارع «هوميروس» فى ملكته الشعرية، ولكنه ولا مراء قد ترجم الإلياذة من لغتها الأصيلة كما ترجمها الأوروبيون المتمكنون فى الترجمة إلى لغاتهم المختلفة، لاتينية كانت أو جرمانية.
وقد انتهى طور البداءة، ومع ذلك ظل الخطأ شائعًا عن قصور اللغة العربية !
فبعض النقاد عندنا لا يزالون يرجعون خلو الشعر العربى من الملاحم المطولة
كالإلياذة والأوديسة إلى قصور اللغة العربية أو قصور أوزان العروض فيها.
ولم يخطر ببالهم أن الملحوظة ترجع لأسباب تاريخية، لا لقصور اللغة العربية، فليس عند العرب الأقدمين تواريخ لحروب الأرباب والأبطال من أنصاف الأرباب والتواريخ الخيالية التى غابت فى ظلمات الأساطير والمعارك التى يصطرع فيها الفخار القومى وتصطرع فيها العصبيات السماوية والأرضية، وهى التى دارت عليها ملاحم الإغريق.
[email protected]
www. ragai2009.com
طأشتات مجتمعات فى اللغة والأدب (1)
أسلفنا فى التمشيط أن هذا الكتاب من أعمدة الكتب التى أُلّفت فى لغة الضاد، ويرجع ذلك إلى عدد وتنوع وعمق الموضوعات التى تناولها، وأول صدوره كان فى سنة 1963 عن دار المعارف، ونفهم من هذا أن الأستا