جنازة «إمبريالية» لقتيل «إرهابي».. والفدية «حضارية»

حين كان السؤال بعد لحظات من الاختفاء الملتبس- الفجائى- للصحفى «جمال خاشقجي».. جاء الرد الفورى «إلى حيث ألقت»، وحين طُلب المزيد من الإيضاح.. تلخصت الإجابة بأنه «


حين كان السؤال بعد لحظات من الاختفاء الملتبس- الفجائى- للصحفى «جمال خاشقجي».. جاء الرد الفورى «إلى حيث ألقت»، وحين طُلب المزيد من الإيضاح.. تلخصت الإجابة بأنه «إرهابى بالانتماء والتنشئة من قبل ممارسته الإرهاب بالقلم.. إلى العمالة بحبال غليظة مع غير بنى جلدته»، ثم كان النأى بالنفس بعد هذا التعليق المبكر للحادث.. عن المشاركة فى تلك الحملة البغبغائية لزعماء العالم ونخبته وعوامه، بسيان، منذ أكتوبر الجارى إلى الآن، أشبه بمعزوفة نشاز لأوركسترا اصطناعية يتنافض صخبها مع سابق صمتها المطبق عن جرائم إنسانية ضد ملايين العُزل.. دون أن يطرف عنها للعالم جفن.. مقارنة بالالتياع الجارى على مَنْ لا يساوى قلامة ظفر بجانبها.

إلى ذلك، يخرج المرء عن صمته الاختيارى حين تؤكد قيادات السعودية 24 أكتوبر عن سابق «النية المبيتة» للفريق (الاستخباري) المكلف بالتحقيق مع «خاشقجي».. على قتله فى قنصلية المملكة باسطنبول، وهو ما قد ينفى التكهن باحتمالية موته بالخطأ.. ربما نتيجة جرعة تخدير مضاعفة قبل عزمهم نقله بطائرتهم الخاصة لاستكمال التحقيق معه فى السعودية، إلا أن تأكيد أعلى السلطات قتله بالعمد.. يعنى عمالة هذا الفريق الاستخبارى لجهات أجنبية يعمل لحسابها لغير صالح الوطن، الأمر الذى يعزز احتماليته.. البدء فى إعادة هيكلة جهاز المخابرات السعودية.

وما بين احتمالية موت «خاشقجي» بالخطأ قبل نقله حياً إلى بلاده حيث يجرى استخلاص ما لديه من معلومات (وهو الأوقع).. وما بين احتمالية الاختراق الخارجى للفريق الاستخبارى المكلف بحصر «خاشقجي»، تبرز احتمالية ثالثة ربما تستهدف ابتزاز نظام الحكم السعودى- مالياً وسياسياً- بما فى ذلك تعويق كل من التحركات الخارجية الأخيرة للسعودية وسياساتها الداخلية التقدمية التى يقودها ولى العهد «الشاب».. وصولاً ربما إلى القضاء على مستقبله السياسى، خاصة لما تسببه سياساته من قلق لكل من القوى الإمبريالية الاحتكارية.. وفى داخل الإقليم.. ولقوى النفوذ الرأسمالى داخل السعودية نفسها.. ناهيك عن مافيا الفساد المرتبطة بكل ما سبق بسيان، الأمر الذى يدعوها إلى شن حملة سياسية إعلامية درامية عن اختفاء «خاشقجي» ومصيره الغامض، التى سرعان ما تبلورت عبر تصريحات كبار المسئولين فى الغرب ضد «ولى العهد» التى لا تحوز اتجاهاته السياسية إجماعاً دولياً أو إقليمياً، سواء لتقاربه مع مصر والإشادة بها فى المحافل الدولية.. ما قد يمثلان- مصر والسعودية- ركيزة إقليمية تقف فى مواجهة الطموحات غير الواقعية للجارات الإقليميات غير العربيات التى هى بمثابة الوكلاء المحليين للقوى الأكثر انكشارية فى العالم، أو سواء بالاتجاه لفض ثنائية الحكم بين الأسرة الحاكمة والحركة الوهابية.. ما يفتح المجال لازدهار البلاد وتقدمها أو سواء للعمل مع دول عربية فى مكافحة القوى الإرهابية ومن يمولونها فى داخل الإقليم وخارجه، أو سواء بالسعى للتقارب بين الأديان. حيث قام ولى العهد فى جولته الخارجية الأخيرة بزيارة غير مسبوقة لبابا الكرازة المرقسية فى مصر.. وأسقف كانتربرى وحاخام اليهود فى بريطانيا، ناهيك عن استثمار ودائع سعودية (مرصودة) فى الولايات المتحدة.. مع شركات أميركية لا تخضع لحكومة واشنطن، فضلاً عن التفكير بطرح أسهم شركة «آرامكو» للبترول فى البورصات العالمية.. ما يكسر الاحتكار الأميركى لإنتاجها، وليس آخر العمل على بناء مدينة «نيوم»- التكنوترونية على الحدود المشتركة مع مصر والأردن، ولفائدة المنطقة.. خاصة مع اتصالها بطريق الحرير وبالمبادرة الصينية «الحزام والطريق» إلخ.

خلاصة القول، ربما تنجح الحملة السياسية الإعلامية فى توظيف قضية «خاشقجي» فى ابتزاز السعودية عن خطها التقدمى الذى يقوده ولى العهد، أو بالقضاء على مستقبله السياسى، لكن عندئذ سيبرز البديل لمواصلة الخط السياسى التقدمى الجديد الذى لا يرتبط بشخص بعينه بقدر ارتباطه بمستقبل السعودية والمنطقة العربية، ومن دون التضحية بفدية حضارية عن جنازة حارة لقتيل إرهابي.. تستقبل أميركا نجله كالفاتحين قبل ساعات، كي تبقي قضية خاشقجى حية لحين إشعار إمبريالى جديد.