تزامن سقوط دولة «صدام حسين» 2003 مع اجتثاث حزب البعث العراقى من بعد 35 عاماً قضاها بلا شريك فى حكم البلاد.. اشتط به خلالها جموح الهوى السياسى لاستعادة مركزية بغداد العربية (الغابرة)، شأنها فى ذلك كعواصم إقليمية وعربية أخرى تسعى لملء الفراغ الناشئ عن المنظومة العربية، خاصة فى أعقاب هزيمة مصر فى حرب 1967، الأمر الذى هيأ وقتئذ لسلطات العراق إمكان استئناف محاولاتها المعاصرة الموءودة لصدارة المنطقة، سوريا الكبرى- الهلال الخصيب- حلف بغداد- حلف السنتو، إلا أن مصر سرعان ما استعادت عافيتها لتجهض محاولات «البعث» التسلل (الأيديولوجي) إليها عبر الأوساط العمالية وفى صفوف القوات المسلحة، ذلك قبل نجاحها فى التصدى 1973 للهجمة الصهيونية التى استهدفت قبل ستة أعوام مجمل دول المشرق العربى.. التى كانت عواصمه- باستثناء مصر- أعجز عن مواجهتها فى ذلك الحين، إلا أن الفرصة حانت إلى العراق مجدداً للحلول مكان القيادة المصرية فى نهاية السبعينيات حينما عملت على تزعم أصوات صارخة تنادى بعزل مصر عن عضويتها فى الجامعة العربية.. على خلفية صلحها المنفرد مع إسرائيل مارس 1979، وقد كان لبغداد ما أرادت بفعل إلحاح الفوبيا العربية من مخاطر تصدير الثورة الإيرانية فبراير 1979 -جيوسياسياً ومذهبياً- إليها، إذ تراص جميعهم خلف العراق فى حربها ضد إيران 1980 - 1988، التى خرج منها منتصراً تكلل هامة قائده- أغصان الغار، ملتفتاً نحو شغل المقعد الشاغر للقيادة العربية، الأمر الذى نفدت من خلاله الإمبريالية الدولية لاستدراجه تحت إغراء هذا الوهم.. لحصر العراق وتفتيته 1991 - 2003 فى خضم متاهات المجهول .
إلى ذلك، تولدت تجربة سياسية جديدة شوهاء منذ ذلك الحين فى العراق، لا هى بالتجربة البعثية منذ 1968منذ التى أصبحت أثراً بعد عين، ولا على غرار السلطة التى دانت من قبله حكم «البعث»- فى عشر سنوات- لكل من القوميين (عارف) أو الشيوعيين (قاسم)، كما كان من المستحيل محاولات استنساخ الحقبة الملكية مجدداً (فيصل الثاني/ نورى السعيد)، إذ عبرت التجربة العراقية الجديدة عن نفسها من خلال ثلاثة برلمانات متتالية -2005 2018، نتجت عنها ثلاث حكومات كلها تحت قيادة حزب «الدعوة» (الإسلامى الشيعي)، الجعفرى- المالكى- العبادى، وكان قد سبقتهم حكومة انتقالية (علاوي) خلفت الحاكم الأميركى للعراق (بريمر) 2003 - 2005، وهو الآمر الناهى.. الذى ورثت بلاده النفوذ فى العراق منذ ذلك التاريخ وحتى الآن.. حيث لا تزال القوات الأميركية تتواجد فى تسعة معسكرات مشتركة مع القوات الاتحادية العراقية، وبوظائف عسكرية وأمنية واستخباراتية وتقنية مختلفة، كما يقاسمها النفوذ حزب الدعوة الشيعى المقرب من إيران .
فى هذا السياق، يصبح على من يتولى المسئولية من بعد هذا العهد الممتد المشحون.. عبء تحمل ويلات كل من الممارسات السابقة.. وتلك التى أضافت تراثاً ثقيلاً إلى الإرث الذى خلفه عهد «صدام» إلى اليوم، حيث التوازنات الداخلية الخارجية بالغة التعقيد والصعوبة، يفاقمها «التمزقات» التى نتجت عن الانتخابات الأخيرة.. خاصة فى داخل المكونات السياسية الحزبية، حيث تنقسم الكتلة الشيعية ذات الأغلبية البرلمانية إلى خمسة تكتلات فرعية (..)، أما الكتلة السنية (70 نائباً) فتنقسم بدورها إلى ثلاثة تكتلات فرعية (...)، كما تتفتت الكتلة الكردية (60 نائبا) إلى ثلاثة تكتلات فرعية (..)، ووسط هذه التمزقات التى تكتنف التكتلات الحزبية- خاصة الشيعية- فقد تعثر الاتفاق فيما بينها على من يرأس الحكومة، ليقع الاختيار من بعد إخفاق المرشحين الآخرين، العبادى- العامرى- فياض، من الحصول على إجماع - مرجح للترشح، على رئيس الوزراء «المكلف»- عادل عبد المهدى- كونه مرشح «تسوية»، ذلك إثر توافق صعب بين أهم كتلتين شيعيتين (مختلفتين) فى البرلمان، «سائرون» برعاية «الصدار» و«الفتح» بزعامة «العامري»، وبحيث قام رئيس الجمهورية «برهم صالح» بتكليف المهدى بتشكيل الوزارة، وهى الحكومة التى كان لإيران اليد الطولى فى تسهيل التوافق عليها بين الأحزاب والمكونات العراقية فى البرلمان، وليقع على الحكومة الجديدة- ورئيسها- عبء مواجهة تحديات داخلية وخارجية عديدة (..)، فهل ينجح «عبدالمهدي» فى التصدى لها والتغلب عليها، خاصة أنه من غير ظهير حزبى يسانده إلى النهاية إن لم يناوءوه، إلا أن قوته تنبع من رهان المواطنين على كفاءاته عبر مختلف الأوساط الشعبية والسياسية، فضلاً عن المحيطين الإقليمى والدولى، كما يحظى بتأييد المرجعية الدينية فى «النجف».. غير الراضية عن أداء الطبقة السياسية، خاصة أن البلاد تمر- بحسب الرئيس العراقى الجديد- بمرحلة سوف تشهد انطلاقة جديدة وفعلية باتجاه الخروج من مرحلة الإحباط والفشل، وفى بناء مؤسسات الدولة الحديثة .
إلى ذلك، يدرك «عبدالمهدي»- بحسب المراقبين للشأن العراقى- وهو الآتى من نادى السياسيين العراقيين البارزين.. أن البلاد تحتاج إلى عملية إعادة إعمار هائلة.. لابد لها فى بادئ الأمر من إعادة إعمار الإرادة الوطنية.. ومعادلة التعايش بين المكونات السياسية والمجتمعية على قاعدة «المواطنة» والتساوى فى الحقوق والواجبات، خاصة بالنسبة للحراك الشيعى- السنى فى الحياة اليومية وفى القرارات الكبرى، كذلك الأمر بالنسبة لإحياء الشراكة العربية- الكردية، ناهيك عن أهمية وقف الاختراقات الخارجية للجسد العراقى، وحيث مبعث الأمل فى قدرة «عبدالمهدي» فى التصدى لمسئولياته الجسام.. معرفته السياسية الميدانية.. سواء لمشاكل البلاد من خلال تمرسه التقنى لمسئوليات عديدة أو لمروره على مختلف الرياح السياسية التى لاطمت العراق منذ «البعث» إلى الشيوعية «الماوية» إلى الاتجاه الإسلامى.. قبل أن يستقر فى موقع «المستقل».. ما سوف يساعده على تفهم هواجس البلاد والعمل على تضميد جراحها، وليبدو كأنه فرس الرهان القادم لإنقاذ العراق من محنته.
فرس الرهان «العراقى »
تزامن سقوط دولة «صدام حسين» 2003 مع اجتثاث حزب البعث العراقى من بعد 35 عاماً قضاها بلا شريك فى حكم البلاد.. اشتط به خلالها جموح الهوى السياسى لاستعادة مركزية بغداد العربية (الغاب