الأستاذ الإمام محمد عبده عبقرى الإصلاح والتعليم (4)

الأزهر لم يستوجب هذا الفصل مجرد أستاذية العقاد وموسوعيته، وإنما استوجبه فى المقام الأول أن بيان وإثبات عبقرية الأستاذ الإمام فى الإصلاح والتعليم، يستوجب استقصاء حالة الأزهر باعتباره الميدان


الأزهر

لم يستوجب هذا الفصل مجرد أستاذية العقاد وموسوعيته، وإنما استوجبه فى المقام الأول أن بيان وإثبات عبقرية الأستاذ الإمام فى الإصلاح والتعليم، يستوجب استقصاء حالة الأزهر باعتباره الميدان الأول والرئيسى لهذا الإصلاح والتعليم.

ولا يمكن أن تقاس عبقرية الأستاذ الإمام فى هذا المجال، دون دراسة الحال التى كان عليها الأزهر.

هذه الحالة تدل عليها نقطة البداية فى هذا الفصل، أنه لدى تعيين الوزير العالم أحمد باشا كور لولاية مصر فى منتصف القرن الثامن عشر (1748 م) - وكان عالمًا ومن المشتغلين بعلوم الهيئة والرياضة، فوجئ لدى مذاكرته علماء الأزهر فى هذه العلوم وفى مقدمتهم الشيخ عبدالله الشبراوى فوجئ بتصريحهم أنهم يجهلون تلك العلوم ولا يشتغلـون بتدريسها.

وعنى الوالى أن يصارح الشيخ الشبراوى بأنه كان يحسب مصر كما يسمع فى بلاده منبع العلوم والفضائل، ثم خاب ظنه لدى مجيئه إليها.

وحاول الشيخ أن يؤكد للوالى أن مصر كما سمع معدن العلوم والمعارف، ولكن الوالى واجهه بأن هذا لا يتأتى وهم صفوة علمائها ولا يعرفون شيئًا عن علوم الهيئة والرياضة ، وحصروا أنفسهم فى المنطق والتوحيد، ونبذوا غير ذلك.

وتذرع الشيخ الشبراوى بأن هذه المعرفة من فروض الكفاية التى تسقط إذا قام البعض بها، وأنها تستلزم آلات وصناعات وصفات، وأشار عليه بالرجوع إلى الشيخ «حسن الجبرتى»- وهو والد الشيخ «عبدالرحمن الجبرتى» المؤرخ المشهور.

وروى عبدالرحمن الجبرتى فى تاريخه، قصة التواصل بين والده والوالى، كما عنى الشيخ عبدالرحمن ببيان ما اقترن بالحملة الفرنسية من خصائص، وأن بعض النفوس المصرية المجردة استطاعت بالإلهام أو بعلم الأحكام، مستدلين على سوء الكفرة الفرنسيين، بحصول الكسوف الكلى فى شهر ذى الحجة بطالع «مشرق الجوزاء» المنسوب إليه إقليم مصر.

على أن هذا الخلط بين علم الهيئة والتنجيم- لم يكن وقفًا فيما يرى الأستاذ العقاد على الفلكيين بالمشرق أو البلاد العربية، بل كان النظر فى الكواكب لاستطلاع السعود والنحوس دراسة مقررة فى الجامعات الأوروبية.

وأورد الأستاذ العقاد من كلام الجبرتى فى تاريخه، ما يؤكد أن استطلاع الأمور كان جريًّا على هذا النظر، وقد ركب الفرنسيون رءوسهم بمصر واقتحموا الجامع الأزهر ودنسوا محاريبه وربطوا فيه الخيل والدواب، ولكنهم ما لبثوا أن خرجوا منها بعد قليل منهزمين مدحورين.

على أن الأزهر كان بحكم العرف والتقليد وحكم العقيدة والسمعة صوت الأمة الذى يسمعه الحاكم الدخيل من المحكومين، وأنه ملاذ القوة الروحية فى نفوس أبناء الأمة وفى نفوس الحاكمين.

ومن فهم الواقع على جليّته- أن أهل مصر قد حددوا وظيفة الأزهر ووظائف علمائه- تحديدًا يعز أحيانًا على الدساتير المكتوبة، فكان منهم من يتولى الصدارة فى شئون السياسة ومخاطبة الحكام لأنه الأقدر والأصلح لذلك، ومنهم من يفاوض الوالى التركى، ومنهم من يفاوض القائد الفرنسى، أو السفارة بين الأمة والحكومة.

ولم يكن اتساع العلم هو مناط هذا التحديد، وإنما القدرة والصلاحية على أداء كل مهمة بحسبها.

هذا وكانت شكاية الأقاليم تصل إلى الأزهر من كل طائفة معتدى عليها، وحدث فيما يشير الأستاذ العقاد- أن سليمان بك أغار ونهب سفينة خاصة ببعض أبناء الصعيد تحمل التمر والميرة والأزواد والأطعمة، وزعم الأغا أن ما نهبه استخلاص لديون له على أولاد وافى من أهل الصعيد، فغضب المجاورون وأبلغوا مشايخ الأزهر بأن السفينة كانت تحمل رزقًا مرسلاً إليهم من عشائرهم، فركب الشيخ الدرديرى والشيخ العروسى والشيخ المصيلحى إلى الأمير إبراهيم بك وواجهوا الأغا فى حضوره بكلام غليظ، ولم يرجعوا إلاَّ على وعد برد ما استلبه كله.

● ● ●

ومن الواضح فيما يقول الأستاذ العقاد- أن الأزهر استقرت له هذه المكانة فى العالم كله- لأنه المدرسة الجامعة فى الرقعة الوسطى من العالم الإسلامى الفسيح.

هذا والمأثور عن الفاطميين أنهم كانوا يشتغلون بالنجوم والكيمياء والعلوم الكونية مما نسميه اليوم بالعلوم الطبيعية أو العلوم الحديثة، وكان الإمام جعفر الصادق- وهو رفيع القدر بين علماء الإسلام من جميع المذاهب- كان حجة فى علوم الدين والدنيا، وتحمل إجازات العلماء بعد إنشاء الأزهر بأكثر من ثمانية قرون تحمل أسماء العلوم التى أجيز لهم تلقينها فى حلقاتهم للطلاب، وهى عدا علوم الفقه واللغة دروس «الحساب والميقات والجبر والمقابلة والمنحرفات، وأسباب الأمراض وعلاماتها، وعلم الاسطرلاب والزيج والهندسة والهيئة، وعلم الأرثماطيقى وعلم المزاول وعلم الأعمال الرصدية، وعلم المواليد الثلاثة وهى الحيوان والنبات والمعادن، وعلم استنباط لامياه وعلاج البواسير وعلم التشريح وعلاج لسع العقرب ، وتاريخ العرب والعجم....».

وتجمع هذه العلوم المتفرقة تجمع فى ذلك العصر صفوة المعارف الإنسانية التى تدرس فى معاهد الثقافة العليا، وكانت تباح- على ما يظهر لمن يستعد لها من الطلاب المتقدمين الذين يختارهم أساتذتهم ويأنسون فيهم القدرة.

هذا وإذا بدا من هذه الطريقة أن «العلوم الكونية» كانت من الدراسات «المخصوصة» إلاَّ أن ذلك لا يعنى أن ذلك يُعزى إلى الجمود وضيق الأفق وقلة الاكتراث.

[email protected]
www. ragai2009.com