رجائى عطية
قرأت للدكتورة لميس جابر، مقالات ساخنة ختمتها بواحد أهدأ قليلا، توجعاً وأسفاً من تردي أحوالنا حتي صرنا نصدر نساءنا وبناتنا للخدمة في بيوت الأشقاء في الكويت أو غيرها من الدول الثرية.. ولا جدال أن غيرة الدكتورة لميس في محلها، وكذلك غضبها، وهي ليست في حاجة للاعتذار عنهما لا للأخوة الأشقاء في الكويت وسفيرها الموقر المهذب، ولا للسيدة عائشة عبدالهادي وزيرة القوي العاملة المصرية، فالجميع لا بد يتفهمون، وفي إمكانهم أن يتفهموا، أن الغضب أو الحدة تنصرف إلي الوضع المصري الذي يضني كل مصري أن تتراجع مصر، فتصدر نساءً وبناتٍ للخدمة في البيوت، بعد أن كانت تصدر قامات مثل السنهوري باشا الذي وضع الدستور الكويتي، والدكتور إبراهيم عبده خبير الصحافة والمطبوعات والنشر، وزكي طليمات الذي أسس المسرح الكويتي.. وواقع الأمر أن هذه القائمة الرفيعة لا تنتهي، فقد ظلت رئاسة تحرير مجلة العربي الكويتية منذ أنشئت، وحتي عهد قريب، معقودة للمفكرين والكتاب المصريين أمثال الدكتور أحمد زكي والأستاذ أحمد بهاء الدين، ولا تزال بالكويت ذكري قامات مصرية رائعة مثل الدكتور فؤاد زكريا والدكتور عبدالعزيز كامل وزير الأوقاف المصري فيما بعد، وغيرهم من العلماء والمفكرين والأدباء.
والواقع أن الكويت لا تزال للآن تعتمد وترحب بقامات مصرية رفيعة في القضاء، وفي الطب، وفي الهندسة، ولا زال المحامون المصريون قبلة الزملاء في الكويت، سواء للعمل معهم في مكاتبهم أو لتكليفهم بالدفاع معهم في كبريات القضايا.. ولا يزال الحضور المصري في الكويت وغيرها شاهداً علي ثراء الشخصية المصرية في مختلف المهن والأعمال والوظائف والأدوار!
النقطة الأولي التي أريد توضيحها، أنه لا يجدر بنا أن نشعر بالمهانة من سعي بعض نسائنا وبناتنا للبحث عن عمل شريف بخارج الديار.. ظني أن المهانة استشعرتها الدكتورة لميس من تراجع الدور والعطاء المصري، لا من عملٍ بذاته.. فالأعمال تتفاوت تبعا للثقافة والعلم والمؤهلات والخبرة والمقدرة، سواء في مصر أو في خارج مصر، فكل من الطبيب والمهندس والعالم والمفكر والكاتب والفنان والصحفي والقاضي والمحامي والأستاذ والمدرس والصيدلي - في حاجة لمن يكمله بالنهوض في حياته بما لا يستطيع هو النهوض به بجوار ما يضطلع به من مهام وأعمال.. هذه الأعمال أياً كانت أنواعها ذهنية أو مهنيّة أو حرفيّة أو يدويّة - لا عيب ولا مهانة ولا هوان فيها، طالما أن قوامها الشرف والإخلاص في أداء الواجب!
ربما ساهمت بعض أعمالنا الفنية والأدبية في ترسيخ صورة سلبية للفوارق الاجتماعية، وتصنيف الناس إلي طبقات، فنري بعض الأعمال الأدبية أو الفنية مجدولة علي الدهشة أو الاندهاش من تلاقي القلوب رغم هذه الفوارق، فتتحدث عن غرام الأسياد، والبيه والشغالة، أو غير ذلك، مما لا نجد له مثيلا أو شبيها فيما تصوره الحضارة الغربية من أدبيات لا تفرق بين الطبيب والتومرجي، ولا بين السيد والخادم، ولا بين الصيدلي والعامل، ولا بين أحد من أصحاب المهن أو الحرف الفنية أو اليدوية.. وفي الحديث : »من أمسي كالاً من عمل يده، أمسي مغفوراً له«.
قد نتفق وقد نختلف حول تعبير »المهانة« التي يشعر بها البعض من جراء تصدير أو خروج المصريات للخدمة بالبيوت بخارج البلاد.. قد يري البعض أن ذلك مهانة وهوان، وقد يكتفي البعض بالشعور بغصة، ولكن المؤكد أن الجميع يتمنون أن يكون الناتج البشري المصري للتصدير معبراً عن تقدم مصر وحضارتها!
إذن.. هذه هي النقطة المحز، أننا لم نعد كما كنا.. ولم نعد نفرخ أمثال السنهوري وأحمد زكي وأحمد بهاء الدين وزكي طليمات وعبد العزيز كامل وفؤاد زكريا، ولكن هل هذا مسئولية وزيرة القوي العاملة، أم أنه مسئولية حكومة بل ومجتمع ونظامٍ بأسره؟ هل وزارة العمل أو القوي العاملة هي المسئولة عن التعليم بعامة والتعليم الجامعي في مصر؟ هل هي المنوط بها تخريج العلماء والأطباء والمهندسين والصيادلة والزراعيين والتجاريين والحقوقيين؟ هل هي المسئولة عن الثقافة والفكر والإعلام؟ هل تملك هذه الوزارة تكوين العقل الجمعي وإفراز الكفاءات المتميزة في الطب والهندسة والعلوم والصيدلة؟
فلماذا نسحب القضية من النظام المسئول عنها، ونعفي الحكومة والهيئات المختصة بالتربية والتعليم والتثقيف ورعاية المواهب المنوط بها إخراج الكفاءات والعبقريات، ونحصر الأمر الذي أضنانا - في السيدة عائشة عبدالهادي ونلقي عليها وحدها بمسئولية قضية ضاربة الأطناب يُسأل عنها النظام والمجتمع بأسره؟!
وإذا كنت لا أجاري الشعور بالمهانة، فالعمل شرف ولا تلحق المهانة إلاَّ بمن يخرج عن مقتضيات هذا الشرف سواء في الخدمة في البيوت، أو في العمل بالطب أو الهندسة أو الصيدلة أو القانون أو الزراعة أو التجارة أو الصناعة.. إلاَّ أنني أدعو الجميع للتوقف إزاء تصاغر الناتج المصري البشري، والتأمل فيما أدي ويؤدي إلي ذلك، وسبل تداركه.. قد حاولت شيئاً من ذلك في كتاب الهجرة إلي الوطن، بيد أن الواضح أن الكل صاروا يحرصون علي الهجرة من الوطن!!
قرأت للدكتورة لميس جابر، مقالات ساخنة ختمتها بواحد أهدأ قليلا، توجعاً وأسفاً من تردي أحوالنا حتي صرنا نصدر نساءنا وبناتنا للخدمة في بيوت الأشقاء في الكويت أو غيرها من الدول الثرية.. ولا جدال أن غيرة الدكتورة لميس في محلها، وكذلك غضبها، وهي ليست في حاجة للاعتذار عنهما لا للأخوة الأشقاء في الكويت وسفيرها الموقر المهذب، ولا للسيدة عائشة عبدالهادي وزيرة القوي العاملة المصرية، فالجميع لا بد يتفهمون، وفي إمكانهم أن يتفهموا، أن الغضب أو الحدة تنصرف إلي الوضع المصري الذي يضني كل مصري أن تتراجع مصر، فتصدر نساءً وبناتٍ للخدمة في البيوت، بعد أن كانت تصدر قامات مثل السنهوري باشا الذي وضع الدستور الكويتي، والدكتور إبراهيم عبده خبير الصحافة والمطبوعات والنشر، وزكي طليمات الذي أسس المسرح الكويتي.. وواقع الأمر أن هذه القائمة الرفيعة لا تنتهي، فقد ظلت رئاسة تحرير مجلة العربي الكويتية منذ أنشئت، وحتي عهد قريب، معقودة للمفكرين والكتاب المصريين أمثال الدكتور أحمد زكي والأستاذ أحمد بهاء الدين، ولا تزال بالكويت ذكري قامات مصرية رائعة مثل الدكتور فؤاد زكريا والدكتور عبدالعزيز كامل وزير الأوقاف المصري فيما بعد، وغيرهم من العلماء والمفكرين والأدباء.
والواقع أن الكويت لا تزال للآن تعتمد وترحب بقامات مصرية رفيعة في القضاء، وفي الطب، وفي الهندسة، ولا زال المحامون المصريون قبلة الزملاء في الكويت، سواء للعمل معهم في مكاتبهم أو لتكليفهم بالدفاع معهم في كبريات القضايا.. ولا يزال الحضور المصري في الكويت وغيرها شاهداً علي ثراء الشخصية المصرية في مختلف المهن والأعمال والوظائف والأدوار!
النقطة الأولي التي أريد توضيحها، أنه لا يجدر بنا أن نشعر بالمهانة من سعي بعض نسائنا وبناتنا للبحث عن عمل شريف بخارج الديار.. ظني أن المهانة استشعرتها الدكتورة لميس من تراجع الدور والعطاء المصري، لا من عملٍ بذاته.. فالأعمال تتفاوت تبعا للثقافة والعلم والمؤهلات والخبرة والمقدرة، سواء في مصر أو في خارج مصر، فكل من الطبيب والمهندس والعالم والمفكر والكاتب والفنان والصحفي والقاضي والمحامي والأستاذ والمدرس والصيدلي - في حاجة لمن يكمله بالنهوض في حياته بما لا يستطيع هو النهوض به بجوار ما يضطلع به من مهام وأعمال.. هذه الأعمال أياً كانت أنواعها ذهنية أو مهنيّة أو حرفيّة أو يدويّة - لا عيب ولا مهانة ولا هوان فيها، طالما أن قوامها الشرف والإخلاص في أداء الواجب!
ربما ساهمت بعض أعمالنا الفنية والأدبية في ترسيخ صورة سلبية للفوارق الاجتماعية، وتصنيف الناس إلي طبقات، فنري بعض الأعمال الأدبية أو الفنية مجدولة علي الدهشة أو الاندهاش من تلاقي القلوب رغم هذه الفوارق، فتتحدث عن غرام الأسياد، والبيه والشغالة، أو غير ذلك، مما لا نجد له مثيلا أو شبيها فيما تصوره الحضارة الغربية من أدبيات لا تفرق بين الطبيب والتومرجي، ولا بين السيد والخادم، ولا بين الصيدلي والعامل، ولا بين أحد من أصحاب المهن أو الحرف الفنية أو اليدوية.. وفي الحديث : »من أمسي كالاً من عمل يده، أمسي مغفوراً له«.
قد نتفق وقد نختلف حول تعبير »المهانة« التي يشعر بها البعض من جراء تصدير أو خروج المصريات للخدمة بالبيوت بخارج البلاد.. قد يري البعض أن ذلك مهانة وهوان، وقد يكتفي البعض بالشعور بغصة، ولكن المؤكد أن الجميع يتمنون أن يكون الناتج البشري المصري للتصدير معبراً عن تقدم مصر وحضارتها!
إذن.. هذه هي النقطة المحز، أننا لم نعد كما كنا.. ولم نعد نفرخ أمثال السنهوري وأحمد زكي وأحمد بهاء الدين وزكي طليمات وعبد العزيز كامل وفؤاد زكريا، ولكن هل هذا مسئولية وزيرة القوي العاملة، أم أنه مسئولية حكومة بل ومجتمع ونظامٍ بأسره؟ هل وزارة العمل أو القوي العاملة هي المسئولة عن التعليم بعامة والتعليم الجامعي في مصر؟ هل هي المنوط بها تخريج العلماء والأطباء والمهندسين والصيادلة والزراعيين والتجاريين والحقوقيين؟ هل هي المسئولة عن الثقافة والفكر والإعلام؟ هل تملك هذه الوزارة تكوين العقل الجمعي وإفراز الكفاءات المتميزة في الطب والهندسة والعلوم والصيدلة؟
فلماذا نسحب القضية من النظام المسئول عنها، ونعفي الحكومة والهيئات المختصة بالتربية والتعليم والتثقيف ورعاية المواهب المنوط بها إخراج الكفاءات والعبقريات، ونحصر الأمر الذي أضنانا - في السيدة عائشة عبدالهادي ونلقي عليها وحدها بمسئولية قضية ضاربة الأطناب يُسأل عنها النظام والمجتمع بأسره؟!
وإذا كنت لا أجاري الشعور بالمهانة، فالعمل شرف ولا تلحق المهانة إلاَّ بمن يخرج عن مقتضيات هذا الشرف سواء في الخدمة في البيوت، أو في العمل بالطب أو الهندسة أو الصيدلة أو القانون أو الزراعة أو التجارة أو الصناعة.. إلاَّ أنني أدعو الجميع للتوقف إزاء تصاغر الناتج المصري البشري، والتأمل فيما أدي ويؤدي إلي ذلك، وسبل تداركه.. قد حاولت شيئاً من ذلك في كتاب الهجرة إلي الوطن، بيد أن الواضح أن الكل صاروا يحرصون علي الهجرة من الوطن!!