على أن العبريين فيما لاحظ الأستاذ العقاد لم يسبقوا غيرهم فى مراحل كثيرة من أطوار المسائل الغيبية والعبادات.
ومن قبل هذه المرحلة فيما يضيف تميز السحر فى الحضارة القديمة بأن انقسم إلى السحر الأبيض والسحر الأسود، وإلى عمل الحكمة والمعرفة، وعمل الخبث والدنس.
وجاء عصر السيد المسيح عليه السلام وقد عُرفَ السحران بوظيفتين وقيمتين وأثرين مختلفين، فتكلمت الأناجيل عن حكماء المجوس الذين رصدوا الكواكب وعرفوا مولد السيد المسيح فى مهده، وظل هذا السحر وغيره من ضروب السحر الممنوع باسميْن مختلفين وظلت بقاياه إلى اليوم.
أحد السحرين سحر المجوس ويدل عليه اسمه «الماجى» «Magic» والذى بقى فى اللغات العربية بلفظه القديم.
والسحر الآخر يسمى «صناعة الساحرة Witchcraft»، ويؤخذ من الاسم أنه كان مقصورًا على المرأة.
وتتميز أدوات السحرين كما يتميز السحران فى المقصد والوسيلة.
سحر الحكمة والمعرفة له أدواته من رصد الكواكب ورياضة النفس والروائح الزكية من الطيب والبخور.
وسحر الخبث والأذى، أو سحر الشيطان، فإنه يتوسل إلى مقاصده الخبيثة بكل دنس كريه من الأدوات والآلات.
وسحرته يتعمدون التبشيع والتنفير ما يسعفهم جهدهم فى التخيل، من ذلك زعمهم بأن الساحرة تمسح قدميها بشحم منتزع من جثة طفل ذبيح.... الخ.
ومن أصول السحر فى عصور الحضارة الأولى، ما يسمى بعلم التنجيم، ويطلق ذلك على علم الفلك وعلم الغيب فى وقت واحد.
وقد كان التنجيم أصلاً من أصول السحر يوم كان الكاهن يتولى وظيفة الإمام، ووظيفة العالم، ووظيفة الساحر.
وكان الناس يؤمنون معه بربوبية الأفلاك وسريان مشيئتها فى الأرضين ومن عليها، فكان الكاهن إمامًا يصلى لها، وعالمًا يعرف حسابها، وساحرًا يستطلع آثارها.
وقد بقى التنجيم أصلاً من أصول السحر بعد زوال عبادة الأفلاك وبطلان القول بربوبيتها.
على أن ذلك لم يبطل القول بسلطان الأفلاك وتأثيرها.
وقد اختلف المتدينون فى مدى هذا التأثير كما قال «الكشناوى» فى كتابه عن خلاصة السحر والطلاسم، (غالبًا يقصد محمد بن مسنه الكشناوى 1087 هـ / 1676 م وهو فقيه أفريقى من نيجيريا، له مؤلف النفحة العنبرية فى حل الألفاظ العشرينية، ومؤلفات أخرى لم يعثر عليها ومشار إليها فى مخطوطة عنها ومن نوعياتها يحتمل أن يكون هو المقصود بالكتابة عن خلاصة السحر والطلاسم، ويوجد عالم آخر يحمل ذات اللقب وهـو أبو بكر حسن بن عبد الله الكشناوى ميلاد 1310 ه / 1892 م فى نيجيريا، وهو عالم فقيه وله مؤلفات فقهية ودينيه، ليس منها ما يدل على أنه كتب عن السحر والطلاسم، وقد توفى سنة 1397هــ / 1976 م، ويوجد ثالث يحمل ذات اللقب ولكن غلب عليه الشعر، لذلك فمن الراجح أن الأستاذ العقاد يقصد الأول رجائى).
وخلاصة ما جمعه «الكشناوى» فيما كتبه، أن الصابئة وبعض الفلاسفة قالوا بألوهية الكواكب واستحقاقها للعبادة، وهذا كفر أجمعت عليه كافة الملل والأديان، وأورد أى الكشناوى أن علم السحر قد اختلفوا فى تعريفه لاختلاف المذاهب فيه، فعرَّفه صاحب «إرشاد القاصد» بأنه علم يُستفاد منه حصول ملكة نفسانية يقتدر صاحبها على أفعال غريبة بأسباب خفيّة، وعرَّفه ابن العربى الفقيه المالكى بأنه كلام مؤلف يُعَظَّمْ فيه غير الله عز وجل وتنسب إليه الكائنات والمقادير، والبعض عرَّفه أى السحر بأنه يغير الطبع ويقلب الشىء عن حقيقته، وعند الإسلاميين أن معرفة هذا النوع إنما تكون للحـذر منـه لا للعمل به، فهو محرّم بغير خلاف.
وذكر الكشناوى فيما ينقل إلينا الأستاذ العقاد، أن السحر ينقسم إلى حقيقى وغير حقيقى.
واختلفت الطرق فيه على أربعة مذاهب :
أحدها طريقة تصفية النفس وتعليق الوهم، وهى طريقة أهل الهند.
والثانى هو طريقة «النبط» وهى عمل أشياء مناسبة للغرض المطلوب مضافة إلى رقية ودُخْنة (نوع بخور تقتل به الجراثيم رجائى) بعزيمة نافذة فى وقت مختار، وتلك الأشياء تكون تارة تماثيل كالطلسمات وتارة تصاوير ونقوشًا كالتعاويذ، وتارةً عُقَدًا تُعقد ويُنْفث فيها، وتارة كتبًا تدفن أو تطرح فى الماء أو تعلق فى الهواء أو تحرق بالنار، وهذه الرقية هى للتضرع بها إلى رب الكواكب.
والمذهب الثالث مذهب اليونانيين المتقدمين، وهو تسخير روحانية الكواكب والأفلاك واستنزال قواها بالوقوف والتضرع إليها.
والمذهب الرابع هو مذهب العبرانيين والقبط والعرب، وهو الاعتماد على ذكر أسماء مجهولة المعانى كأنها أقسام وعزائم بترتيب خاص كأنهم يخاطبون بهـا حاضرًا.
* * *
والمفهوم من مؤلفات الأوروبيين فى السحر والطلاسم أنهم نقلوا فيما يقول الأستاذ العقاد جميع هذه النفسيات، واقتدوا بالشرقيين فى الحكم عليها من الوجهة الدينية، واتخذوا من عطارد كوكبًا راعيًا للسحر كأنه خليط من الرب اليونانى القديم والشيطان.
وقسموا المعارف السحرية كافةً إلى قسمين : حلال وهو ما يشتغل به رجال الدين برخصة من الرؤساء، وحرام وهو كل ما عداه بلا استثناء.
ودخل فى عداد المعارف الشيطانية والسحر الممنوع كل علم يتولاه أناس من غير رجال الدين.
فقد شاع فى تلك القرون أن الشيطان يتشكل بأشكال الملائكة والأرواح العلوية كما قال بولس الرسول فى رسالة كورنثوس الثانية «لأن هؤلاء هم رسل كذبة فعلة ماكرون مغيرون شكلهم إلى شبه رسل المسيح، ولا عجب لأن الشيطان نفسه يغير شكله إلى شبه ملاك النور، فليس عظيمًا أن كل خدامه يغيرون شكلهم كخدام للب».
(رسالة كورنثوس 11 : 13 15)
وقد احترز أحبار الكنيسة من دعوى كل مدعٍ ينسب إلى نفسه القدرة على مخاطبة الملائكة واستيحاء الغيب، فعمّ التحريم كل عزيمة من عزائم السحر وما إليه، وكان القانون يعاقب على جريمة السحر بالموت إذا ثبت أن الساحر استخدم طلاسم لإهلاك المسحور.
ثم صدر فى إنجلترا سنة 1603 قانون يقضى بالموت على كل من يثبت عليه تعاطى السحر ولو للعلاج والشفاء من الأمراض.
ولكن لأن إنجلترا كانت تخضع للسيطرة الكهنوتية لم تعمل محاكم التفتيش فيها ما كانت تفعله فى سواها فى كل أوروبا حيث أحرقت النساء عقابًا على السحر، وأحرق الأطفال لأنهم من نسل الشياطين. واستمرت هذه الأحكام حتى منتصف القرن الثامن عشر وصدر بعضها فى الولايات المتحدة.
وانتهى القرن الثامن عشر، والرأى الغالب فى الغرب أن السحرة جميعًا حلفاء الشيطان، وأن من السحرة كل من يروض الطبيعة بعلم غير العلوم التى يقرها الدينيون.
[email protected]
www. ragai2009.com