تتوالى الضغوط الأميركية غير المباشرة فى العقد الأخير على مصر.. ودول عربية مركزية، فى سابقة هى الأكثر صلفاً فى العلاقات الدولية الحديثة، بين دول ذات سيادة، ذلك عبر الصحافة الأميركية، ومن خلال تصريحات كبار المسئولين الأمريكيين أو صغارهم.. ومن خلال مؤسسات ومراكز بحثية.. الأمرالذى يثير التساؤل حول ماهية هذه الحملة وأهدافها.. هل هى حقاً من أجل الإصلاح الديمقراطى، أم لتأكيد هيمنة القطب الأوحد، أم لحساب المشروع الصهيونى فى المنطقة.. أم أن وراءها كل هذه الأسباب مجتمعة.. وحيث يؤدى اختلاط الأهداف إلى تشويش ذهن المواطن العربى.. فينساق وراءها البعض بالاستسلام إلى ما هو فى غير صالح الشعوب.. بينما يتمسك البعض الآخر بالحذر على ثوابته.. فيما تكتفى الأغلبية الصامتة- لفرط ما همشت- بالمتابعة السلبية.. كأن الأمر لا يعنيها من قريب أو بعيد.
إلى ذلك، لم يكن الرئيس السادات يدرى حين أعاد العلاقات مع واشنطن نوفمبر 1973، وحين ابتدع تعبير «الشريك الكامل» ليعرب به عن الدور الأميركى المكوكى مع إسرئيل منتصف السبعينيات.. أن تتمادى أمريكا- بعد أقل من ثلاثة عقود- لمحاولة «أدلجة» مصر والعالم العربى بأسره، على غرارها، وكأن السادات- فى سبيل استعادة الأرض العربية المحتلة قد انزلق تدريجياً فى تطبيع علاقاته مع واشنطن «وإسرائيل».. إلى الحد الذى خلف لمن يجيء بعده خطرالارتداد عن هذا المأزق التى تعيشه مصر اليوم.. وهى بصدد مقاومة الحملة الأميركية لعدم التدخل فى شئونها الداخلية.. أو الإضرار بسياستها الخارجية على حد سواء.
ومن عجب، أن تلهث بعض قيادات من النخب الحاكمة أو المعارضة، وتتسابق- عن قصد أو بدونه، وراء أيهم يفوز بالجائزة الأيديولوجية للأخ الأكبر.. ذلك رغم أن المواجهة الصلبة الموضوعية، هى وحدها التى يمكنها أن تلقى دعماً شعبياً داخلياً ودولياً.. يفوت على الآخر أهدافه الملتبسة، التى قد لا تكون لها علاقة بالإصلاح أو الديمقراطية إنما هى فى الأغلب لحساب الأجندة الإمبريالية.
لقد أضاع العرب خلال الخمسين عاماً الأخيرة.. معظم فلسطين «التاريخية» وسلموها لإسرائيل ومعها إرادتهم، على مذبح ما يسمى «السلام الأميركي» فى المنطقة.. مثلما صمتوا على احتلال العراق لتأمين إمدادات أمريكا البترولية من الخليج.. ذى الموقع المتوسط فى الجغرافيا العالمية. وها هم اليوم يكتفون بمراقبة التدخل السافر لأميركا فى الشئون الداخلية العربية، كى تؤمن الأسباب لتمرير ما يسمى «صفقة القرن» لترسيخ قيادة إسرائيل للمنطقة.. ربما على مذبح ما يسمى «الديمقراطية الأميركية».
وذلك لا يعنى إعفاء الجانب العربى من التقصير.. خاصة مع انتشار الأمية والاستبداد السياسى اللذين يغيبان عن العالم العربى.. الاقتداء بمعجزة الهند الديمقراطية، أو بتجربة كل من اليابان والصين اللتين اختارتا التحديث بملء إرادتهما، ولم تنتظرا إلى أن يفرض عليهما بالقوة.. وإذ هكذا فعلت اليابان فى عصر «الميجي» المتزامن مع النهضة المصرية الحديثة أوائل القرن التاسع عشر، وهكذا فعلت الصين بعد عصر المانشو.. ابتداءً من «صن يات صن» 1928، لتنطلق إلى مصاف القوى الكبرى بعد ثورتها 1949.. وهو نفس ما فعلته مصر فى عهد محمد على، وما ينبغى عليها اليوم أن تستأنفه.. كى لا تفلت فرصتها الأخيرة فى التحديث والديمقراطية.
إن على مصر بعد نحو سبعة عقود من ثورتها.. أن تواجه تحديين رئيسيين، أولهما تنظيم العلاقة بين الأوضاع الداخلية والتحركات الخارجية على أساس من التوازن بينهما، وتحت مظلة من الاحترام المتبادل.. دون أن يخضع أحدهما للآخر، أما التحدى الثانى فإنه يتمثل فى فض الاشتباك بين «المجتمع المدني» البازغ، و«السلطة الأبوية» السائدة على مقادير الحكم منذ نحو خمسة عقود، وغنى عن البيان أن الوضع النهائى لذلك التفاعل المتبادل بين هذين التحديين المتلازمين.. لن يسمح بنفاذ الإملاءات الأجنبية.. وسوف يؤمن الجهة الداخلية فى الوقت نفسه.. ويقيها شرور الفتن والفوضى والتسلط الخارجى، بسيان.
هنا يجيء دور بعض «الليبراليين الجدد» الذين قد يجدون فى المرحلة الراهنة.. فرصة نادرة للارتقاء السياسى والمجتمعى.. إما بتوظيف أدواتهم الخارجية والداخلية.. لصالح الشعوب، ولشرائح اجتماعية واسعة تعرضت منذ عقود للإفقار والتهميش، أو أن يلقوا- عاجلاً أو آجلاً- نفس مصير ما سبق أن تعرض له «الليبراليون القدامي» فى المرحلة الملكية لما قبل 1952.. حين غفلوا بامتيازاتهم الضيقة، وباسترضاء الأجنبى، عن أولويات الأمة.. إذ إن الفيصل فى ذلك أن يعملوا- كرجال الدولة- كما فى بلدان العالم المتقدم- لصالحهم، ولصالح الوطن فى آن واحد.
إلى ذلك، ليس خافياً على الشعوب، أن الولايات المتحدة.. منذ أن تخلت عقب الحرب العالمية الثانية عن عزلتها وراء الباسفيكى، وتورطت من ثم فى شئون العالم قد أدمنت منذئذ ما عرف «بلعبة الأمم» لتغيير أنظمة الحكم عبر الانقلابات العسكرية، والاغتيالات والمؤامرات الداخلية، ومناصرة الدكتاتوريات.. إلخ، ذلك بدعوى مواجهة الخطر الشيوعى الذى يتهدد «العالم الحر».. الأمر الذى انتقده ذاتياً- «كارتر» 1979 ورؤساء أمريكيين آخرين.. إلا أن واشنطن مازالت تتواصل- رغم انتهاء الحرب الباردة، مع نفس سياساتها منذ خمسينيات القرن الماضى، للترويج للديمقراطية الأميركية بدعوى مواجهة الإرهاب على غير أرضها.. فإذ بها تشعله فى كل مكان تتدخل فيه- متناسية أن قوة أمريكا لا تنبع من الحرب أو التهديد بها.. إنما فى صنعها للسلام والعدل.. وإلى أن يقتنع القائمون على سياستها بذلك.. لا نملك غير السعى بشتى السبل (..) للتحرر من إسار التطويع الأميركى.