جحا الضاحك المضحك (10)

ثلاثة آراء فى الضحك الآراء الثلاثة التى عنى الأستاذ العقاد بتناولها، هى للفيلسوف الإنجليزى «هربرت سبنسر Herbert Spencer» والفيلسوف الفرنسى «هنرى برجسون Henri Bergson»

ثلاثة آراء فى الضحك

الآراء الثلاثة التى عنى الأستاذ العقاد بتناولها، هى للفيلسوف الإنجليزى «هربرت سبنسر Herbert Spencer» والفيلسوف الفرنسى «هنرى برجسون Henri Bergson» صاحب كتاب الضحك، والحاصل على جائزة نوبل للآداب عام 1927، و«سيجمون فرويد Sigmund Freud» الطبيب النمساوى، والعالم النفسانى صاحب المذهب الحديث فى علم النفس.

رأى هربرت سبنسر

عبر هربرت سبنسر عن رأيه فى كتابه: «فسيولوجية الضحك The Physiology Of Laughter» وأدار البحث فيه حول تفسير عوارض الضحك الجسدية، وارتباطه بالأفكار والأحاسيس التى تستدعيها.

وفكرته فيما قال الأستاذ العقاد تشابه فكرة «داروين» فى أساسها، ولكنه يخالف القائلين بأن الضحك محاولة عضلية للتخلص من مكرب أو غير محتمل كما يخالف القائلين بأن الضحك يتولد من شعور مفاجئ بالغبطة و الرضى.

فهذه وتلك فى نظره قد ينجم أو لا ينجم عنها الضحك، ومن ثم لابد من سياق يفسر هذا التحول فى وجهة الشعور. ويرى أن المؤثرات لها فى الإنسان ثلاثة منافذ: منفذ الحس، ومنفذ الفكر، ومنفذ الحركة العضلية.. وأن هذه كلها قابلة للتحول من منفذ إلى آخر تبعًا للمواقف وما يطرأ فيه خلاف السياق الجارى.
ومما يدل فى نظره على أن الضحك من حركات رد الفعل أو من الحركات الانعكاسية أنها حركات لغير مقصد أو غير مقصودة بإرادة صاحبها، وكأنها غمضة العين للوقاية، أو رعشة البرد!
ويتبسط سبنسر فى وصف تأثير الانفعالات غير الإرادية، فيرى أن تأثير الشعور قد يعطل تفكير الخطيب على الرغم منه!

فالسريان بيد منافذ الحس والتفكير والحركة طبيعى فى المؤثرات النفسية، وكلها تجرى فى مجراها الطبيعى من الفكر إلى الحس والحركة أو العكس.

غير أن الحس أو الفكر لا ينتقل إلى الفعل فيما يرى إلاَّ فى غياب الحس والفكرة التى من قبيله، ويضرب لذلك الأمثلة من الواقع الحاصل.

يرى الأستاذ العقاد أن ملاحظة سبنسر هذه مهمة جدًّا فى تصحيح التعريفات الأخرى، ومنها تعريف أفلاطون وأرسطو وغيرهما للضحك، إذ يقولون أن الضحك نتيجة الشعور بالسخف أو التشويه الذى لا يبلغ درجة الإيلام والايذاء.

فالألم مانع للضحك لأنه يشغل الشعور عنه بشىء آخر، والمفاجأة التى تعوق الإحساس عن مجراه وتحوله إلى العضلات كافيه وحدها لإحداث الضحك دون حاجة إلى استثناء الألم.

أما إذا كان الاحساس من القوة بحيث لا تعوقه المفاجأة، فإنه يجرفها فى طريقة ولا يتحول إلى العضلات، ومن ثم لا يحدث الضحك برغم جميع المفاجآت.
وينتهى الأستاذ العقاد من ذلك إلى الثقة فى شرط واحد فى المضحكات وهو شرط «المفاجأة» التى تتحول بالشعور عن مجراه.

رأى هنرى برجسون


يعد برجسون الفيلسوف الفرنسى المعروف، من أهم الفلاسفة فى العصر الحديث، ونظريته عن الضحك معدودة فيما ينوه الأستاذ العقاد من الآراء النموذجية فى هذا المضمار. ويحمل رأيه فى الضحك أنه فى وقت واحد تطور منطقى وحاسة اجتماعية.

فنحن نضحك إذا رأينا إنسانًا يتصرف تصرف الآلة ويقيس الأمور قياسًا آليًّا لا محل فيه للتمييز المنطقى، ولكننا نضحك فى الجماعة عامة ولا نضحك منفردين، لأن الضحك تنبيه اجتماعى أو عقوبة اجتماعية لمن يغفل عن العرف المتبع فى المجلس، أو فى المحفل، أو فى الهيئة الاجتماعية بأسرها..

والضحك عند برجسون إنسانى بمعانى الكلمة جميعًا، فلا يشاهد فى غير الإنسان، ولا يستثيرنا الضحك فى غير عمل إنسانى أو عمل تربطه بالإنسان..

فنحن لا نضحك من منظر طبيعى أو من جماد كائنًا ما كان إلا إذا ربطناه بصورة إنسانية، وجعلناه شبيهًا بإنسان نعرفه أو منسوبًا إلى عمل من أعمال الناس. وقد نضحك من قبعة نراها فلا يكون الضحك من القبعة، بل من الإنسان الذى يلبسها ونتصور هيئته فيها.

ومن شروط الأمر المضحك عند الفيلسوف أن يكون عملا إنسانيًّا بغير معنى، أو يكون المعنى فيه مطردًا على طريقة آلية كأنه من أعمال الأدوات المجردة من التفكير.
ومن شروط الأمر المضحك عنده أن يحصل فى جماعة أو يرتبط بالتصرف فى الجماعة. فقلما يضحك الإنسان على انفراد.

بل ولا يزال الضحك على انفراد بحاجة إلى التوضيح أو الاعتذار.

لهذا يقرر برجسون أن الضحك مرتبط بالتصرف المنطقى وبالحاسة الاجتماعية فى وقت واحد. فهو وسيلة من وسائل المجتمع لحمل أعضائه على التصرف تصرف الراشدين ؛ ويفسر أنواعًا كثيرة من الضحك على ضوء هذه الشروط.
ويومئ إلى مناظر «المحاكاة»، فيقول إنها تضحك لأنها عمل يشبه عمل الآلات، وتضحك لأنها تلفت النظر إلى الغفلة أو التناقض فى الإنسان المحكى لأنه شبيه بالآلات.
ويضحكنا كذلك أن يتحكم الجسد فى العقل و الإرادة تحكمًا لا يناسب الموقف، فتضحك مثلاً من الخطيب الذى تغلبه الحماسة ويعطس أثناء ذلك، كما يضحكنا من تتكرر فى كلامة «لازمة» محفوظة ومتوقعه، فيضحك السامع حين يسمعها.
ومثل هذه الحالة لا يقال إنها ناتج من «المفاجأة».

ويعقب الأستاذ العقاد بأن المثل الذى يجب الانتباه إليه من أمثلة برجسون يرجح رأيه على رأى القائلين بالمفاجأة لأول وهلة، ولكنه لا يلبث أن يعود بنا إلى القول بالمفاجأة من جانب آخر.

فمشابهة الآلات هى فى ذاتها مفاجأة مستغربة من الآدميين العقلاء ولهذا يتفق القولان ولا يتناقضان، ويجوز أن يقال إن المفاجأة ومشابهة الآلة شىء واحد، وإن مشابهة الآلة باب من أبواب المفاجأة لا يستوعبها ولا يمنع الضحك من غيرها.

وأما الضحك من تكرار اللازمة التي ننتظرها فهو لا يدل قطعًا على نفى المفاجأة أو على الضحك من الشىء لأنه منتظر... بل هو نوع من استعادة الضحك السابق كما نبتسم عندما يمر بخاطرنا تمثيل دور مضحك شهدناه من قبل ونود أن نعيده ونتملاه من جديد.

وهذا المثل بالذات أصلح الأمثلة لتوضيح الحقيقة في هذا الخلاف..

ويضرب الأستاذ العقاد أمثلة التوضيح واثبات وجهة نظرة، لينتهى إلى أن زبدة هذه الأمثلة تلخص فى رأى برجسون أسباب الضحك فى حماية المنطق الإنسانى والحاسة الاجتماعية. فكما هبط الإنسان من مرتبة التصرف المنطقى الذى يناسب علاقاته، كلما كان مثيرًا للضحك.

[email protected]
www. ragai2009.com