جحا الضاحك المضحك ( 1 )
ليس هذا محض كتاب نوادر، ولا هو بظاهر عنوانه، وإنما هو إبحار فكرى فى عالم الضحك والفكاهة. وفى الكتاب من الفكر وعراضة البحث والنظر ما يلفت النظر إلى قوة عارضة الأستاذ العقاد الذى خاض فى كل غمار، فأبدع وقدم ما هو جدير بالقراءة والتمعن والتأمل.
صدرت أولى طبعات هذا الكتاب الفريد فى أوانه- عن دار الهلال ضمن سلسلة
«كتاب الهلال»- العدد 65 - أغسطس عام 1956، وأعيد نشره فى «مطبوعات» دار الهلال، كما نشرته نهضة مصر فى سنة 2003، ونُشر أيضًا بالمجلد / 16 من المجموعة الكاملة لأعمال العقاد- بيروت 1980.
والكتاب يتضمن بحوثًا عن الضحك، والآراء التى قيلت فيه، وعن الإنسانية والفكاهة وعن الضحك فى الكتب الدينية. فهو كتاب فى فلسفة وقيمة الضحك، قبل أن يكون سيرة شخص أو نوادر مضحك قادر على الإضحاك.
بعد صدور هذا الكتاب بنصف قرن، أصدرت سلسلة «عالم المعرفة» الكويتية فى يناير عام 2003، كتابًا للدكتور شاكر عبد الحميد، عن «الفكاهة والضحك»، وكانت ذات السلسة قد أصدرت فى يوليو 1993 ترجمة لكتاب «سيكولوجية السعادة» للأستاذ «مايكل أرجايل»، ترجمة الدكتور فيصل عبد القادر يونس مراجعة الأستاذ الكبير الدكتور شوقى جلال. وانفتحت الشهية لميدان ظنى أننى أحوج ما نكون إليه.
الكلمة والضحكة
تحت هذا العنوان، قدم الأستاذ العقاد تمهيده لهذا الكتاب.
الكلمة- فيما يرى- أكبر الفتوح الإنسانية فى عالم الكشف والاختراع، فلا حياة بغير تفاهم وتواصل عدتهما الكلمة.
فى عالم الفلك، كانت الأسماء والمسميات، كتسمية الأيام والشهور من كل سنة، هى اللغة التى مكَّنت العقل من قطع المسافات المجهولة من الفضاء الأبدى، وإعطائها الدلالة التى لا غنى عنها.
فى القرآن الكريم أن أول ما علمه الله تعالى لآدم تعليمه «الأسماء» كلها، فهى العلم الإنسانى من مبتداه إلى منتهاه.
وكل علم للإنسان يعرض له النقص من بعض نواحيه.
من منافع اللغة أنها نفعٌ للعقل عظيم جد عظيم. فتحت له الآفاق، ولكن الضرر منها غير قليل.
عوَّدَتْنا اللغة أن نحسب كل اسمٍ علمًا على شىء واحد.
وجرت العادة أن نسأل : ما العلم ؟ وما الفهم ؟ وما الحس ؟ وما الضمير ؟
وأن نسأل : كيف نعلم ؟ ما وسيلة الفهم ؟ ولماذا نحس ؟ وما بالنا نصغى للضمير؟
تعَوَّدْنا ذلك، وتعَوَّدْنا أن نجيب بجواب واحد، كأننا نسأل فى جميع هذه الأحوال عن شىء واحد.
والحقيقة أن ما نسأل عنه أشياء كثيرة تنبئ عنها «كلمة» واحدة.
والحديث عن «جحا» أمير المضحكين، يثير سؤالاً قوامه الكلمة. ما الضحك ؟ ولماذا نضحك ؟
وكما سلف، فليس الضحك بشىء واحد، ولا هو يُعزى لسبب واحد.
ولكن لا غناء للجواب عن «الكلمة». وعن هذه الكلمة يقول الأستاذ العقاد إنه لا غنى عنها، ولا أمان لها أيضًا.
فى هذه الرسالة يدور بحث الأستاذ العقاد حول «كلمة الضحك»، لنعرف منها أمير المضحكين بين المضحكين، ونعرف منها أضاحيكه بين أشتات المضحكات.
الضحك ليس ضحكًا واحدًا، وإنما هو «ضحوك» عدة إن جاز التعبير.
فنحن نضحك لأسباب كثيرة ولا نضحك لسبب واحد لا يتعدد.
هناك ضحك السرور والرضى. وهناك ضحك السخرية والازدراء. وهناك ضحك المزاح والطرب. وهناك ضحك العجب والإعجاب. وهناك ضحك العطف والمودة.
وهناك ضحك الشماتة والعداوة. وهناك ضحك المفاجأة والدهشة. وهناك ضحك المغرور، وضحك المشنوج، وضحك السذاجة، وضحك البلاهة، وضحك يختاره الضاحك، وما ينبعث عنه بغير اضطرار.
بل ربما- فيما يرى الأستاذ العقاد- أن لكل «ضحكة» من هذه المضحكات ألـوان لا تتشابه فى جميع الأحوال.
والضاحك المسرور قد يكون سروره زهوًا بنفسه واحتقارًا لغيره، وقد يكون سروره فرحًا بغيره، لا زهو فيه بالنفس ولا احتقار للآخرين.
والضاحك الساخر قد يضحك من عيوب الناس لأنه يبحث عن هذه العيوب ويستريح إليها ولا يتمنى خلاص أحدٍ منها. وقد يضحك من تلك العيوب لأنه ينفّس عن عاطفة لا يستريح إليها عامة بين إخوانه الآدميين.
والضاحك من عيوب السخف والحماقة- قد يضحك من السخيف الأحمق، أو يضحك من الذى يحكيه فى سخافته وحمقه فيعرف كيف يحكيه، وكلاهما باعث للضحك مخالف لغيره فى أثره وداعيه ومعناه..
[email protected]
www. ragai2009.com
ليس هذا محض كتاب نوادر، ولا هو بظاهر عنوانه، وإنما هو إبحار فكرى فى عالم الضحك والفكاهة. وفى الكتاب من الفكر وعراضة البحث والنظر ما يلفت النظر إلى قوة عارضة الأستاذ العقاد الذى خاض فى كل غمار، فأبدع وقدم ما هو جدير بالقراءة والتمعن والتأمل.
صدرت أولى طبعات هذا الكتاب الفريد فى أوانه- عن دار الهلال ضمن سلسلة
«كتاب الهلال»- العدد 65 - أغسطس عام 1956، وأعيد نشره فى «مطبوعات» دار الهلال، كما نشرته نهضة مصر فى سنة 2003، ونُشر أيضًا بالمجلد / 16 من المجموعة الكاملة لأعمال العقاد- بيروت 1980.
والكتاب يتضمن بحوثًا عن الضحك، والآراء التى قيلت فيه، وعن الإنسانية والفكاهة وعن الضحك فى الكتب الدينية. فهو كتاب فى فلسفة وقيمة الضحك، قبل أن يكون سيرة شخص أو نوادر مضحك قادر على الإضحاك.
بعد صدور هذا الكتاب بنصف قرن، أصدرت سلسلة «عالم المعرفة» الكويتية فى يناير عام 2003، كتابًا للدكتور شاكر عبد الحميد، عن «الفكاهة والضحك»، وكانت ذات السلسة قد أصدرت فى يوليو 1993 ترجمة لكتاب «سيكولوجية السعادة» للأستاذ «مايكل أرجايل»، ترجمة الدكتور فيصل عبد القادر يونس مراجعة الأستاذ الكبير الدكتور شوقى جلال. وانفتحت الشهية لميدان ظنى أننى أحوج ما نكون إليه.
الكلمة والضحكة
تحت هذا العنوان، قدم الأستاذ العقاد تمهيده لهذا الكتاب.
الكلمة- فيما يرى- أكبر الفتوح الإنسانية فى عالم الكشف والاختراع، فلا حياة بغير تفاهم وتواصل عدتهما الكلمة.
فى عالم الفلك، كانت الأسماء والمسميات، كتسمية الأيام والشهور من كل سنة، هى اللغة التى مكَّنت العقل من قطع المسافات المجهولة من الفضاء الأبدى، وإعطائها الدلالة التى لا غنى عنها.
فى القرآن الكريم أن أول ما علمه الله تعالى لآدم تعليمه «الأسماء» كلها، فهى العلم الإنسانى من مبتداه إلى منتهاه.
وكل علم للإنسان يعرض له النقص من بعض نواحيه.
من منافع اللغة أنها نفعٌ للعقل عظيم جد عظيم. فتحت له الآفاق، ولكن الضرر منها غير قليل.
عوَّدَتْنا اللغة أن نحسب كل اسمٍ علمًا على شىء واحد.
وجرت العادة أن نسأل : ما العلم ؟ وما الفهم ؟ وما الحس ؟ وما الضمير ؟
وأن نسأل : كيف نعلم ؟ ما وسيلة الفهم ؟ ولماذا نحس ؟ وما بالنا نصغى للضمير؟
تعَوَّدْنا ذلك، وتعَوَّدْنا أن نجيب بجواب واحد، كأننا نسأل فى جميع هذه الأحوال عن شىء واحد.
والحقيقة أن ما نسأل عنه أشياء كثيرة تنبئ عنها «كلمة» واحدة.
والحديث عن «جحا» أمير المضحكين، يثير سؤالاً قوامه الكلمة. ما الضحك ؟ ولماذا نضحك ؟
وكما سلف، فليس الضحك بشىء واحد، ولا هو يُعزى لسبب واحد.
ولكن لا غناء للجواب عن «الكلمة». وعن هذه الكلمة يقول الأستاذ العقاد إنه لا غنى عنها، ولا أمان لها أيضًا.
فى هذه الرسالة يدور بحث الأستاذ العقاد حول «كلمة الضحك»، لنعرف منها أمير المضحكين بين المضحكين، ونعرف منها أضاحيكه بين أشتات المضحكات.
الضحك ليس ضحكًا واحدًا، وإنما هو «ضحوك» عدة إن جاز التعبير.
فنحن نضحك لأسباب كثيرة ولا نضحك لسبب واحد لا يتعدد.
هناك ضحك السرور والرضى. وهناك ضحك السخرية والازدراء. وهناك ضحك المزاح والطرب. وهناك ضحك العجب والإعجاب. وهناك ضحك العطف والمودة.
وهناك ضحك الشماتة والعداوة. وهناك ضحك المفاجأة والدهشة. وهناك ضحك المغرور، وضحك المشنوج، وضحك السذاجة، وضحك البلاهة، وضحك يختاره الضاحك، وما ينبعث عنه بغير اضطرار.
بل ربما- فيما يرى الأستاذ العقاد- أن لكل «ضحكة» من هذه المضحكات ألـوان لا تتشابه فى جميع الأحوال.
والضاحك المسرور قد يكون سروره زهوًا بنفسه واحتقارًا لغيره، وقد يكون سروره فرحًا بغيره، لا زهو فيه بالنفس ولا احتقار للآخرين.
والضاحك الساخر قد يضحك من عيوب الناس لأنه يبحث عن هذه العيوب ويستريح إليها ولا يتمنى خلاص أحدٍ منها. وقد يضحك من تلك العيوب لأنه ينفّس عن عاطفة لا يستريح إليها عامة بين إخوانه الآدميين.
والضاحك من عيوب السخف والحماقة- قد يضحك من السخيف الأحمق، أو يضحك من الذى يحكيه فى سخافته وحمقه فيعرف كيف يحكيه، وكلاهما باعث للضحك مخالف لغيره فى أثره وداعيه ومعناه..
[email protected]
www. ragai2009.com