ثقة الناس به
كانت ثقة الناس بجناح، صدًى لثقته بنفسه وإخلاصه وصراحته، سَرَت منه إلى نفوس الجماهير، فأعطته ثقتها.
وكانت سمعته العالية ـ التى ذاعت ـ بالأمانة والاستقامة ـ أكبر دواعى هذه الثقة.
لبث جناح ثلاث سنوات يعمل بالمحاماة ولا يتعجل الشهرة أو يلجأ إلى السماسرة والوسطاء كما يفعل المبتدئون.
وعندما تسامع الناس بكفاءة المحامى الناشئ، أدرك رجال الدولة ـ أن سياسيًّا مقبل وقد يكون مصدرًا للمتاعب فى وقت قريب، فأغروه بوظيفة حسنة حتى لا ينتقل إلى الرأى العام بقدراته الملحوظة فى الخطابة، ولكن «جناح» ما لبث أن استقال منها وحرّم على نفسه الوظائف بعدها.
وشاع عنه أنه لا يقبل قضية باطلة، أو يرفض قضية عادلة ومهما كانت مجهدة أو الأسانيد فيها خفيّة، وقد حدث أن أحد ذوى الثراء العريض بالملايين كسب قضية ترافع «جناح» عنه فيها، فأرسل إليه هبة سخية فوق أتعابه المتفق عليها، فردّها إليه.
وحدث مرة أن رد سبعة آلاف روبية من الأتعاب المتفق عليها حين استبان له بعد قراءة القضية أن الجهد المطلوب فيها أقل مما قَدَّر.
ونودى به «شاهنشاه» الباكستان فامتعض ووبخ الهاتفين له بهذا اللقب.
وعرضوا عليه أن يولُّوه رئاسة الدولة مدى الحياة، فأنكر المبدأ، وأقام القاعدة لمن يليه أنه لا رئاسة مدى الحياة.
وعرض عليه حزب المؤتمر قبل ذلك أن يختاره رئيسًا دائمًا للمؤتمر، فأبدى أن المهم هو إبداء الرأى الذى يتساوى فيه الرئيس والعضو، وأنه سعيد بأن يبقى عضوًا ـ صاحب رأى ـ كغيره من مئات الأعضاء.
ولوحت له بريطانيا بالألقاب العليا انتظارًا لأن يطأطئ قليلاً ليظفر بها، ولكنه أبى ولم يأبه بهذا الإغراء.
وكان جناح يتحرج من الشبهات حيث لا موضع للتحرج، لحرصه على أن يرى فيه الناس القدوة الواجبة، فكان على الدوام فوق الشبهات والظنون.
المرحلة الثانية
من حياته العامة
(سياسة القديس وسياسة القائد)
يرى الأستاذ العقاد أن هذه المرحلة الثانية ـ الجديدة ـ من حياة «جناح» العامة بدأت سنة 1915، بالمرحلة التى وضح فيها له أن هيئة حزب المؤتمر لا تكفى وحدها لخدمة القضية الهندية.
بيد أن رد الفعل الذى طرأ بهذا التحول لم يتجه بالقائد الأعظم فى أول الأمر إلى التباعد وتوسيع الشقة بين الهيئتين، بل كثيرًا ما كان يجهد للتوفيق والتقريب ورأب الصدع منعًا للفتنة، واحتمل جناح فى هذه المرحلة ما لم يحتمله من قبل وفعل ما لم يكن يفعل.
وظل البراهمة إلى سنة 1921 يهتفون باسم رسول الوحدة «جناح»، ويعترفون له بالفضل فى التوفيق والتقريب، وأعربوا عن تقديره ببناء قاعة فى بومباى أطلقوا عليها اسمه، ونقشوا ذلك مع عبارات التقدير على حجر الأساس.
على أن الخلاف بين الهيئتين: المؤتمر والعصبة، لم يكن مداره كله ـ كما تقدم ـ على الضمانات الإسلامية، وإنما كان خلافًا بين عقليتين ومزاجين ومنهجين.. وكان خلافًا بين سياسة القديس النبى وسياسة القائد العامل، سواء فى القضية الهندية العامة، أم فى قضيتى البرهميين والمسلمين.
كان غاندى يدعو لمقاطعة الصناعة العصرية والمدارس والوظائف ويحـارب الإنجليـز «بالاهمسا» ويفرضها جاهدًا على أتباعه.
وكان جناح يؤمن بأن مقاطعة الصناعة ضربة للحياة الاقتصادية تصيب الهند كما تصيب بريطانيا، بل ربما كان ما يعيب الهند أفدح وأخطر.
وكان جناح يقول إن إقامة مصنع جديد إلى جوار المصنع القديم ـ أنفع من ألف مغزل يدوى، ولم يثنه عن ذلك أن معظم المصانع كانت مِلكًا للبرهميين، وإنما كان ينظر إلى ما يراه مصلحة للجميع.
وكان يسأل: ماذا يصنع الطالب إذا لم يتعلم؟!
وماذا يفيد الهند من إخلاء الدواوين من الوطنيين وتسليمها للغاصبين؟!
وقال غير مرة إن القيادة السياسية قدوة، فهل من المعقول أن يصبح كلهم أنبياء وقديسين كالمهاتما غاندى؟ وهل ينفع الهند أن يكون أبناؤها جميعًا على هذا الغرار؟
رئاسته للعصبة الإسلامية
طفق المسلمون يبحثون عن قائد، وطفقت الدعوات توجه إلى «جناح» لاستعادة نشاطه بعد أن كان قد أعياه النضال وحده فيما يرى فيه مصلحة الهند، وسافر إلى انجلترا يأسًا، وأخيرًا استخار «جناح» عزمه بعد أن رأى الأمة الإسلامية بغير راعٍ، فغالب التردد ولبَّى نداء الواجب، وكان الزعيم «محمد على» قد فارق الدنيا، وكذلك الزعيم «محمد شافعى» الذى طالت رعايته للعصبة وبذل حياته لاستبقائها، أما الزعيم «أقا خان» فكان يلتفت إلى الهند مرة ويلتفت إلى مصايف أوروبا وميادين السباق فيها مائة مرة، وأوشكت العصبة فى غيبة الرؤوس الصالحة على الانحلال، فأجمع أعضاؤها فى سنة 1934 على اختيار «جناح» رئيسًا لها مدى الحياة، فصفَّى «جناح» كافة أعماله فى انجلترا، وعاد إلى بلاده لقيادة العصبة الإسلامية.
ولم يلبث أعضاء العصبة وغيرهم ـ أن شعروا بسريان الدماء الجديدة فيها، وعُرف فى أرجاء الهند أن هناك قوة جديدة يُحسب لها حساب بعد أن لم يكن لها حساب.
وكانت العصبة قد أنشئت بأموال الأغنياء لتقابل دعوة المؤتمر الهندى بدعوة مثلها، وقد نفعها سخاء الأغنياء فى توفير المال من حيث ضرها بالعزلة بينها وبين سواد الشعب محدودى الرزق.
وفطن جناح إلى هذا النقص، فأسرع إلى تلافيه، فعدل دستورها وجعل الاشتراك فيها حقًّا لكل من يؤدى رسمه الصغير الذى لا يزيد عن عشرة مليمات، وبث الدعوة للعصبة فى الأقاليم، ونشر فيها لجانها الفرعية والمركزية، وبذل غاية وسعه للتفاهم مع الجماعات القديمة التى عزّ عليها أن تفاجئها العصبة بمنافسة قوية، واتبع «جناح» نهجًا ديمقراطيًّا فى إدارة العصبة، يؤازره نهج دكتاتورى صارم عند اللزوم، من ذلك أنه أسرع إلى فصل كل وزير مسلم قبل الوزارة بغير إذن العصبة، وأبان «جناح» حجته فى ذلك.
وقد عَرَضَ عليه رجلٌ من كبار المسلمين دعوة تلقاها من غاندى للقائه وصرفه عن مقاطعة المؤتمر، وسأل «جناحًا» عن رأيه، فلم يداور وقال له: «خيرٌ لك ألاَّ تذهب» ـ فلما سأله الرجل: «أنصيحة هى أم أمر» ـ قال له جناح: «إن لم يكن بد فليكن أمرًا..»، ولكنه لم يهمل بيان حيثياته التى بنى عليها. ثم ختم بقوله: «وأما وقد علمت الآن شيئًا من أسباب النصيحة التى حسبتها أمرًا، فارجع إليها واحسبها نصيحة إن شئت قبلتها وإن شئت أعرضت عنها».
وهذه النصيحة يتجلى فيها ما كان فى طبع «جناح» من الحزم والدهاء والفطنة.
وقد ظهر أثر قيادة «جناح» وتنظيمه العصبة وجذب الأنصار إليها ـ ظهورًا مفحمًا فى الانتخابات التى أجريت ما بين سنة 1938 وسنة 1942، حيث نجحت العصبة فى ست وأربعين دائرة من ست وخمسين، ولم ينجح من مرشحى المؤتمر المسلمين غير ثلاثة نواب، وبقية الناجحين من المستقلين.
وقد أذيع فى سنة 1941 إحصاء عدد المشتركين فى العصبة، فبلغوا مليونًا وتسعة وثمانين ألفًا، وهو عدد يقارب عدد المشتركين فى المؤتمر على قدره وضخامة موارده.
رجائى عطية
Email: [email protected]
www.ragai2009.com
فى مدينة العـقاد 671 القائد الأعظم محمد على جناح 10
ثقة الناس به كانت ثقة الناس بجناح، صدًى لثقته بنفسه وإخلاصه وصراحته، سَرَت منه إلى نفوس الجماهير، فأعطته ثقتها. وكانت سمعته العالية ـ التى ذاعت ـ بالأمانة والاستقامة ـ أكبر دواعى هذه الثقة.