حتى لا يبعد السودان بغيضاً

لم يكن الظهير النيلى فحسب ما يربط بين مصر والسودان فى عمق التاريخ، إذ تشابكت تطوراتهما وتعددت- بخاصة- منذ بناء محمد على مصر الحديثة مطلع القرن 19.. حيث أنشأ ضمن الاهتمامات المصرية بالسودان- م

لم يكن الظهير النيلى فحسب ما يربط بين مصر والسودان فى عمق التاريخ، إذ تشابكت تطوراتهما وتعددت- بخاصة- منذ بناء محمد على مصر الحديثة مطلع القرن 19.. حيث أنشأ ضمن الاهتمامات المصرية بالسودان- مدينة الخرطوم- فيما قد يعرف بالعاصمة الجنوبية لدولتى وادى النيل، ذلك قبل أن يدهمهما الاحتلال البريطانى فى نهايات القرن.. حتى حصولهما على الاستقلال تباعاً منتصف الخمسينيات، ليتقلبا منذ ذلك الحين- تقريباً- بين أنظمة ليبرالية وعسكرية، بقدر ما أضفت إليهما استقراراً بالمقارنة بالدول الإقليمية المجاورة.. بنفس قدر إعاقتها تكامل مشروعاتهما النهضوية التى كان من المفترض ازدهارها لو لم يتخليا مبكراً عن صيغة «الحكم الثنائي» المعمول بها زمن الاحتلال البريطانى، حيث اختط كل منهما سبيلاً مغايراً.. لم يكن بعيداً تماماً عن الآخر بقدر قربهما بحكم عوامل التاريخ والجغرافيا لبعضهما البعض، الأمر الذى تجلى بصورة واضحة على الصعيدين الشعبى والرسمى بوقوف السودان إلى جانب مصر فى مؤتمر الخرطوم أغسطس 1967، وطوال سنوات التصدى الستة التالية- كعمق استراتيجى لمصر فى مواجهة إسرائيل، وإلى ما بعد توقيع معاهدة السلام بين الأخيرتين 1979، حيث امتنع السودان عن الانسياق وقتئذ للقرار العربى الجماعى تجميد العلاقات مع مصر.

ورغم أن العلاقات المصرية- السودانية لم تخل طوال تلك الحقبات المتتالية لنحو قرنين من الزمان.. مما يكدر صفوها بين الحين والآخر (...)، إلا أنها تحولت بشكل حاد أقرب ما تكون إلى الخصومة بين لدودين.. منذ الانقلاب العسكرى/الإسلامى يونيو 1989، البشير- الترابى، ليصل الأمر إلى الإشارة بأصابع الاتهام إلى السودان بتدبير محاولة اغتيال الرئيس المصرى فى أديس أبابا يوليو 1995، ولتخيم السلبية على علاقتهما بشكل أو آخر حتى الربيع العربى 2011.. حيث التقت المصالح المشتركة بين التيارين الإسلاميين الحاكمين فى كلا البلدين، وعلى غير قناعة من الشعبية المصرية التى سرعان ما انتفضت لأسبابها لتصحيح الأوضاع فى يونيو 2013، ما انعكس على تفاقم العلاقات الثنائية التى لم تكن لتنفرج إلا قليلاً.. إلا وسرعان ما توصد قبالتها نوافذ الأمل، لدواع أيديولوجية أو حدودية أو أمنية، حقيقية أو مختلقة أو مبالغ فى أمرها، على مدى ربع قرن ونيف.. تزامن خلاله توتر العلاقات المصرية- السودانية.. مع تراجع مطرد فى أوضاع البلدين الداخلية والخارجية، خاصة ما يتعرض له السودان- بصفة خاصة- سواء من انقسامه إلى سودانين- شمالاً وجنوباً- يوليو 2011، إلى امتداد النزاعات المسلحة منذ 2005 فى دارفور، ناهيك عنها فى منطقتى جنوب كردفان والنيل الأزرق.. ومن غير استثناء النزاعات المسلحة بين قبائل الجنوب، الدينكا- النوير، إلخ، الأمر الذى يدعو ثقات المراقبين من الحرس السياسى القديم السودانى (..) إلى التحذير من انهيار ما يسمى المشروع السياسى الحضارى للنظام القائم، وليتحول من ثم «السودان الجديد» إلى «السودان البغيض»، إلا من التوافق على مشروع وطنى جديد.. يصوغ دستور جديد فى مناخ غير حزبى.. بتجنب- بالضرورة- الاستقطابات السياسية والانقسامات، الأمر الذى ربما يتردد صداه- مع الفارق- فى القاهرة.

فى سياق ما سبق من تطورات، وفى ظل تعقيدات إقليمية متصاعدة، ليس أمام السودان..، إذا ما تجنب دواعى الكبرياء الملتبس- سوى الاتجاه نحو تقارب محسوب مع مصر، يسعى البلدان للالتقاء عبره فى منتصف الطريق، سواء بالنسبة لموقفيهما من النزاع فى دارفور أو للاهتمام بمسألة محاربة الإرهاب- خاصة فى ليبيا- وأيضاً بالنسبة للبعد المائى وملف سد النهضة، بوصفهما دولتى المصب لنهر النيل، كذلك بشأن التطورات الإقليمية التى تتقاطع عندها وبسببها سياسات البلدين (..)، وكلها مسائل تجعل من التطبيع مع السودان، أمراً غير هين وجاد، لكنه ضرورة من أجل الحفاظ على الموارد والبقاء.. حتى لا يبعد السودان عن مصر «بغيضاً».