فى مدينة العـقاد 530 معاوية فى الميزان 2

الغرض والهوى فى كتابة التاريخ! يعقب الأستاذ العقاد، فى هذا التصدير، بأنه عرف أناسًا فى التاريخ وآخرين فى الحياة الحاضرة، فرأى فيهم عجبًا من العصبية العمياء التى تكيل بكيلين، وتزن بميزانين، ف

الغرض والهوى فى كتابة التاريخ! يعقب الأستاذ العقاد، فى هذا التصدير، بأنه عرف أناسًا فى التاريخ وآخرين فى الحياة الحاضرة، فرأى فيهم عجبًا من العصبية العمياء التى تكيل بكيلين، وتزن بميزانين، فى الحادث الواحد وفى الحقبة الواحدة. إذا وقفوا بين خصمين أحدهما من النفعيين والآخر من المثاليين، رأيت منهم العجب العجاب فى المقاييس.. يلتمسون المعاذير للنفعى، وينكرونها بذات المقياس على المثالى، وفى اللحظة الواحدة. فإذا استسلم أحدهم لهواه فى محاباة ولده أو ذوى قرباه، لم يلوموه ولم يعنفوه فى ملامة، بل اتخذوا من ذلك شريعة يُؤْتم بها ! حتى ليكادوا يقولون كيف ينسى الرجل ابنه ليفضل عليه الغرباء؟! يعذرون هنا بل لا يلومون، أما خصمه المثالى فمعدود عليه أن يحابى نفسه فضلاً عن محاباة ولده، ومعدود عليه أن يهبط ولو لحظة واحدة من السماوات العلى ليشبه سائر الناس!! ولا حاجة فيما يرى الأستاذ العقاد إلى إمعان البحث للكشف عن خبيئة الطبيعة النهازة فى هذه التفرقة بين الحكم على النفعيين والحكم على المثاليين.. ذلك أن الطبيعة النهازة لا غاية لها فى الإنصاف، وإنما هى تريد أن تعذر نفسها حين تقول إن المثالى ناقص وإن النفعى لا نقص فيه وإنما هو يجرى على العرف الشائع! يكفى أن يُنْسب إلى العظيم المثالى عمل من الأعمال التى لا يقدر عليها النهاز ولا يسعى إليها ليشعر النهاز بالجفوة تجاه العظيم المثالى الذى أتى ما لا يقدر عليه، ثم ليشعر بنوع من القرابة بينه وبين خصمه، وتدخل هذه وتلك فى موازينه ومقايسة، فيرى الحسن سيئًّا، والسىء حسنًا!! والفارق بين المثاليين والنفعيين النهازين، أن المثالى إذا أعوزته القدرة، لا يعوزه الأمل فى بلوغها ولا الغبطة بوجودها. ولو كانت محنة التاريخ كله من النهاز المأجور، لما خفيت حقائقه هذا الخفاء، ولا طال العهد على الشريف أو الغرض المموّه بالأباطيل! وإنما هناك محنة أخرى شائعة، تأتى من النهازين المتطوعين الذين يقبلون العملة الزائفة، نفاقًا أو رياءً أو تملقًا أو طلبًا للسمعة!! فى التاريخ الإسلامى مراحل كثيرة تصحح لنا موازين التاريخ التى يرتبط بها عرض الإنسانية، ولا شك أن هذه المراحل أجدى على المؤرخ من غيرها لأنه لا تخفى فيها النيات والأغراض! وليس بالمؤرخ فيما يقول الأستاذ العقاد من تضلله النيات والمزاعم عن حقيقة الأخبار والروايات وما يكمن فيها أو يتوارى خلفها من الأسباب والبواعث. مراد الأستاذ العقاد أوضح من أن يحتاج إلى بيان، ولكنه يفصح أن من أسبق هذه المراحل وأضخمها مرحلة النزاع الذى اصطنعه معاوية مع الإمام علىّ بعد مقتل عثمان.. ويضيف أنه لو لم يرد من أخبار هذه الفترة سوى لعن « علىّ » على المنابر بأمر معاوية وعماله، لكان فيه الكفاية لإثبات ما عداه مما يتم به الترجيح الصحيح بين كفتى الميزان. يقول الأستاذ العقاد: «إن الذى يعلن لعن خصمه على منابر المساجد لا يكف عن كسب الحمد لنفسه فى كل مكان وبكل لسان، ولو لم يرد من أخبار تلك الفترة أن معاوية كان يغدق الأموال على الأعوان ومن يرجى منهم العون لكان لعن خصمه على المنابر كافيًا للإبانة عما صنعه لكسب الثناء عليه وإسكات القادحين فيه، ولكن أخبار الأموال المبذولة لتغيير الحقائق فى هذه الفترة تفيض بها كتب المادحين والقادحين ومن لا يمدحون ولا يقدحون، ولم يعلم أحد مبلغها من الوفر والجسامة، ولكنها معلومة بالتقدير وإن لم تعلم بالإحصاء وأرقام الحساب، لأنها استنفدت خزانة الدولة وجرت إلى مضاعفة المكوس والضرائب ومخالفة العهود لأهل الذمة وحسبان الزكاة من حصة الخزانة التى يستولى عليها ولاة الأمور. «ويبقى عمل النهازين المطبوعين بعد عمل النهازين المأجورين، فإنهم قد تطوعوا فى ذلك العصر، وفى العصور التالية، لترجيح كفة النجاح المنتفع على كفة المثالية العالية، ولم يخف الأمر على أبناء ذلك العصر كما نشرحه الآن بأساليب علم النفس فى الزمن الأخير. فان الأقدمين لم تفتهم « النفس» بجوهرها وإن فاتتهم مصطلحات النفسانيين من أبناء القرن العشرين، وقد نفذوا إلى بواطنها بالنظرة الثابتة لأنهم أصحاب نفوس تعلم ما تنطوى عليه النفوس. «جاء فى تاريخ الخلفاء للسيوطى عن الإمام ابن حنبل أنه سأل أباه عن علىّ ومعاوية فقال: «اعلم أن عليًّا كان كثير الأعداء، ففتش له أعداؤه عيبًا فلم يجدوا، فجاءوا إلى رجل قد حاربه وقاتلة فأطروه كيادا منهم له» وهذه دخيلة من دخائل النفس الصغيرة معهودة متكررة فى كل جيل وفى كل خصومة، فكثير من الثناء لا يصدر عن حب للمثنى عليه كما يصدر عن حقد على غيره، وكثير من هذا الحقد تبعثه الفضائل ولا تبعثه العيوب.. * * * «إن تاريخ معاوية بن أبى سفيان لا يحتاج إلى مزيد من تفصيل، وإنما يحتاج تاريخه وتواريخ النابهين جميعًا إلى تصحيح الموازين وبيان المداخل التى تؤتى من قبلها أحكام الناس على الحوادث والرجال، فتصاب بالخلل أو تنقلب رأسًا على عقب. ويصاب بالخلل معها تفكير المفكر ونظرة الناظر وإدراك المدرك لما يحيط به من حوادث زمنه وحوادث سائر الأزمنة «ونحن نفهم تاريخ معاوية ونفهم معه تواريخ الكثيرين من بناة الدول إذا صححنا الموازين وعرفنا ما يعرض لها من الانحراف عن قصد أو عن شعور غير مقصود.. ولكننا لا نعرف تاريخ معاوية ولا تواريخ غيره إذا أخذنا بظواهر الأقوال ولم ننقب وراءها من بواطن الأهواء والبواعث الخفية، ولا بد منها فى هذه المرحلة بذاتها : مرحلة الدولة الأموية الأولى على التخصيص. «لقد كان قيام الدولة الأموية بعد عصر الخلافة حادثًا جللاً بالغ الخطر فى تاريخ الإسلام، وتاريخ العالم». رجائى عطية Email: [email protected] www.ragai2009.com