من بعد نحو خمسة قرون سيطرت خلالها النزعة «العثمانية» على العديد من دول (المسألة الشرقية) وفى الغرب الأوروبى، تفككت قسراً فى الحرب العالمية الأولى.. لتتحول إلى جمهورية برئاسة «الذئب الأخبر» مصطفى كمال أتاتورك أعطت ظهرها لدولة الخلافة الإسلامية.. لتقدم نموذجاً لحكم «العلمانية العسكرية».. احتذت به جمهوريات بازغة فى المنطقة (..) طوال النصف الثانى من القرن العشرين من قبل أن يعاود رجب طيب أردوغان فى مطلع القرن الحالى.. تقديم نموذج لحكم تركيا يختلف عن نظرائه الذين حكموا العالم العربى والإسلامى، حداثياً يستبعد احتمالات الحكم العسكرى.. حقق من خلاله طفرة اقتصادية.. جعلت من نموذجه محلاً للتقدير شرقاً وغرباً، وسرعان ما استدعت مسيرته بعدئذ.. تجربة حزب «الرفاة» بزعامة «نجم الدين أربكان» أبى الإسلام السياسى فى تركيا.. الذى استطاع الوصول إلى رئاسة الحكومة فى ظل سطوة المؤسسة العسكرية التى أقالته 1998 وأودعوه السجن ومنعوه من ممارسة العمل السياسى خمسة سنوات، استغلها «أردوغان» ورفاقه لتغيير اسم الحزب إلى «العدالة والتنمية».. ونجح فى الانتخابات العامة 2002 إلى اليوم، متولياً رئاسة الجمهورية من بعد رئاسته للحكومة، ساعياً لأن يجمع كل السلطات فى يده من خلال استفتاء شعبى الشهر المقبل، مهد له عقب «الانقلاب الفاشل» بإغلاق صحف وسجن إعلاميين ونواب أكراد.. واعتقل ضباطاً وقضاة وأساتذة جامعات، وأغلق مدارس وقضى على معارضين ونفى كتابًا وفنانين (45 ألف معتقل وإيقاف 130 ألف موظف وإغلاق 165 مؤسسة صحفية..)، ذلك بالتوازى مع التمادى فى شعبويته المستندة إلى العصبيات الدينية ونزعات معادية للديمقراطية.. فرغت النموذج الذى سبق أن استبشر به الشرق والغرب.. من مضامينه الإسلامية المعتدلة القائمة على الحوار بين الثقافات.. ذلك فيما يخطط للنجاح فى الاستفتاء القادم بما يسمح له بالبقاء فى الحكم حتى العام 2029، الأمر الذى بات يهدد تركيا بخطر الانقسام- حيث تحولت الساحة السياسية والبرلمانية والإعلامية إلى ساحة للخلافات التى سرعان ما تتحول إلى عراك كلامى وتنابز حاد يهوى بمستوى العمل السياسى والعاملين به، إذ ليس من المستبعد بحسب قيادات فى الحزب الحاكم أن يأخذ شكلاً أقرب إلى «انفجار حرب أهلية».. حال فشل مشروع النظام الرئاسى المستفتى عليه، خاصة فى ظل ما يحذر منه سياسيون أتراك من تصاعد التوتر والغضب فى الشارع التركى بشكل غير مسبوق، سواء على خلفيات مذهبية أو قومية.. قد تؤدى إلى انفجار اجتماعى بغض النظر عن نتيجة الاستفتاء الذى تحول إلى معركة ثأرية بين فريقين، ما عاد يجمع أو يفرق بينهما سوى العلاقة والنظرة إلى «أردوغان».. الذى يريد إخلاء المجال السياسى له وحده ليحكم تركيا وكأنه «سلطان» آخر من السلاطين العثمانيين الغابرين، أما على المستوى الخارجى فقد بلغت حماقته الديكتاتورية حد اتهام دول أوروبية (..) بالنازية لمجرد منعها اثنين من موظفيه من دخولها، بحيث لم يعد الشخص الذى رحب به العالم منذ عقد ونيف من الزمان.. عندما طرح شعار الانفتاح على «البحار الأربعة».. والتوجه شرقاً، وعندما اعتبر القضية الفلسطينية قضيته، ذلك قبل أن يغلق كل البحار.. وعاد إلى التحالف مع اليمين الإسرائيلى المتطرف.. وأغرق سوريا والعراق بالإرهابيين القادمين إليهما من مختلف البقاع عبر أراضيه.. إلى التهديد بتدفق اللاجئين إلى أوروبا.. إلخ، ولتتواصل مسيرة أردوغان السياسية التى قد لا تنتهى حتى يعيد جذور الاستبداد إلى مركز (السلطة).
وفى محيطها، التى من المرجح ألا يهنأ بها إلا على أطلال تركيا أو بتغييبه قسراً.. سلطاناً حائراً ومحيَّرا.
وفى محيطها، التى من المرجح ألا يهنأ بها إلا على أطلال تركيا أو بتغييبه قسراً.. سلطاناً حائراً ومحيَّرا.