تناوب الأقوياء للشرق الأوسط

لم يكن ارتباط الأمن الأوروبى بأمن البحر المتوسط والشرق الأوسط، على أهميته القصوى من بعد الحرب العالمية الثانية، بمثل ما هى عليه اليوم الاشتباكات والتقاطعات الجيوسياسية التى تهدد أمنهما المشت


لم يكن ارتباط الأمن الأوروبى بأمن البحر المتوسط والشرق الأوسط، على أهميته القصوى من بعد الحرب العالمية الثانية، بمثل ما هى عليه اليوم الاشتباكات والتقاطعات الجيوسياسية التى تهدد أمنهما المشترك أو كل على حدة بسيان، إذ تجابه أوروبا تفاقم الأخطار الإستراتيجية الناتجة عن كل من «المهاجرين» إليها من الجنوب.. وعن إرهاب «المجاهدين» على مسارح عملياتهم فى العواصم والمدن الكبرى الأوروبية، دون استثناء ما تتعرض له من تصاعد ضغوط روسية وتركية، لأسبابهما، وبأشكال مختلفة.. دعت بعض الدول الأوروبية مؤخرًا إلى غلق أبوابها أمام كبار المسئولين الأتراك، فيما يصف الرئيس التركى ألمانيا وهولندا بـ«دولتى عصابات» إلخ، ولتشهد المنطقة الممتدة من أوكرانيا إلى شرق المتوسط وصولاً إلى قلب أوروبا نفسها المزيد من القلق، يضاعفه مطالبات الإدارة الأميركية الجديدة الدول الأوروبية بزيادة مساهماتهم الدفاعية إلى %2 من ناتج دول الناتو المحلى كشرط لترسيخ قدرة الحلف على الاستمرار والصمود، ذلك فى الوقت وبرغم هيمنة القوة البحرية الروسية على البحر الأسود (الثقب التركى على شمال شرق البحر المتوسط).. وصولاً إلى الحامية الروسية التى غيرت موازين القوى فى سوريا وجوارها، وكأن المقصود حصر الدول الأوروبية على مرمى حجر من البحر المتوسط بغرض حملها على التفاوض من مركز ضعف، كذا لتوجيه رسالة للولايات المتحدة (وأوروبا) بأن روسيا قد أصبحت قوة جدية.. حرى بالغرب أن يعمل حسابها نظرًا لنشرها سلسلة سفن جديدة مزودة بصواريخ طويلة المدى.. قادرة على الوصول من الشرق الأوسط إلى أوروبا- القارة العجوز الثرية منزوعة السلاح، ذلك فى إطار تعاونى (برجماتى) مستحدث- عسكريًا وأمنيًا- بين موسكو وأنقرة.. التى هى للمفارقة أحد أعضاء الناتو تتسول منذ سنوات عضوية النادى الأوروبى، وفى «شراكة حقيقية» بينهما بحسب تعبير الرئيس الروسى «بوتين»، إلا أن المفارقة الأكثر دراماتيكية هى التى تتمثل فى تنسيق أميركى- روسى- تركى.. جرى ترتيب خطواته من خلال اجتماع رؤساء أركان الدول الثالث 7 مارس الحالى.. بهدف محاربة «داعش» فى سوريا والعراق، ولبحث «قضايا مشتركة تتصل بالأمن الإقليمى»، ذلك على رغم دعم الدول الثلاث لقوى متباينة داخل إقليم الشرق الأوسط، الأمر الذى لا يتعارض مع مفارقة دراماتيكية ثالثة تتمثل فى التنسيق على المستوى الثنائى بين الولايات المتحدة وروسيا لمنع الأتراك من مهاجمة الأكراد.. لكن دون أن يعنى استغناء كليهما - كل بمنظوره- عن الاعتماد على أنقرة فى المديين المتوسط والبعيد، ذلك تحت ذرائع أولوية محاربة الإرهاب.. وهى نفس حجة الإيرانيين وسائر الميليشيات المتعددة الجنسية.. والمنتشرة لا سيما فى بلاد الشام، تحت سمع وبصر كل من روسيا المسئولة عن حماية النظام السورى.. «الرهينة»، وفى ظل ارتفاع العلم الأميركى فى الشمال السورى كرمز للحضور الأميركى الموازن للحضور الروسى، فيما يتباطأ إيقاع التسوية السياسية لحين فرض توجهات الحل السياسى بالتوازى مع تخلص القوتين العظميين من تواجد القوات الإيرانية ووكلائها من سوريا.. على قدم المساواة- من وجهة نظرهما- مع إخراج الإرهابيين منها، ولا بأس، إلا أن تكون التحركات الجارية الخارجية والأوضاع الداخلية الكامنة.. المقصود منها تناوب الأقوياء للشرق الأوسط.