الصديق والنبى وصحبه
تقاطرت وتساندت الروايات على أن الصديق كان أحب الصحابة إلى النبى، وكان عليه الصلاة والسلام يقول: «ما لأحدٍ عندنا يد إلاَّ وقد كافيناه بها ما خلا أبا بكر. فإن له عندنا يدًا يكافيه الله بها يوم القيامة».
وهذه حقيقة لم يقتصر تقريرها على الأقوال فقط، وإنما أيدها واقع الحال، وشواهده عديدة مرت بنا لا أحتاج إلى تكرارها.
على أن المهم بيانه، أن تقديم النبى عليه السلام لأبى بكر، فى مصاحبته فى الهجرة، وفى إمارة الحج، وفى إمامة الصلاة بالمسلمين فى مرضه الأخير، وفيما كان يعهد به إليه- لم يكن جزاءً ولا ردًّا للجميل، وإنما لكفايته واقتداره على البذل والمعونة والمشورة، وأهليته لحمل الأمانة.
وسيرة الصديق حافلة بالشواهد الكثيرة على صلته بالصحابة، ومحبته لدى المهاجرين والأنصار، وعلى أن معاملته وإياهم جرت على الرفق والمروءة والحياء، فأحسن صحبتهم وأثبت لهم ما أثبته النبى لهم فى حياته.
أما موقفه من ميراث الزهراء، وما يقال عن موقف على من بيعته، أو من الخلافة، فليس فيهما ما يمكن أن يحسب من قبيل الخلاف بين الصديق وأهل بيت النبى عليه الصلاة والسلام.
ذلك أن مسألة الميراث لم تكن موقفًا شخصيًا للصديق، وإنما التزامًا بما جرى به حديث النبى عليه السلام: «نحن الأنبياء لا نورث. ما تركناه صدقة»، وما كان أبو بكر وهو المثل فى الإقتداء، ليخالف أمر النبى عليه الصلاة والسلام، وقد ظل يلح فى استرضاء الزهراء حتى رضيت.
ولم يقصر الصديق حجب الإرث على الزهراء، فقد حجبه أيضًا عن ابنته عائشة، ولا يقال إنه قياس مع الفارق بقالة إن الابنة ترث النصف إذا انفردت، وأن عائشة تشترك فى الثمن مع باقى الزوجات. ذلك أن العبرة هنا بالمبدأ: إرث، أم لا إرث، فإذا كان النبى عليه السلام قد تحدث بأن الأنبياء لا تورث، وما تركوه صدقة، فقد امتنع الإرث من الأساس بغض النظر عن الأنصبة.
أما مسألة الخلافة، فقد جرى الحديث فيها على شقين، مبايعة أبى بكر يوم السقيفة وما قيل من أن عليًّا تأخر فى البيعة شهورًا أم أيامًا، أو أن على كان أولى بالخلافة، فإنه لا محل أصلاً للمجادلة فى البيعة، فقد كانت بيعة عامة لم يكن يفى بمتطلباتها سوى الصديق الذى قيل إن مبايعته كانت «فلتة وقى الله شرها»، ولم تكن سن على تسمح آنذاك بأن يتقدم الصديق الذى يكبره سنًّا بثلاثين عامًا، وفى مجتمع اعتاد أن يقدم أصحاب السن، هذا إلى ما أراه شخصيًّا من أن تولى الإمام علىّ- مباشرةً- فى أعقاب وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام، كان يمكن أن ينقل النبوة إلى ملكية وراثية، ويسحب من الإسلام هويته كديانة للعالمين.
أما استخلاف الصديق فى مرضه لعمر بن الخطاب، فإن مجمل الرأى فيه ما قاله الصديق نفسه عن الظروف الدقيقة التى دعته إلى هذا الاستخلاف.. فقد جمع إليه نخبة من أهل الرأى وقال لهم فيما قال: «... قد أطلق الله أيمانكم من بيعتى، وحل عنكم عقدتى، ورد عليكم أمركم، فأمّروا عليكم من أحببتم، فإنكم إنْ أمّرتم فى حياةٍ منى كان أجدر ألا تختلفوا بعدى».
وجاء برواية الحسن البصرى، وهو ثقة، أن الأمر لم يستقم فيما بينهم، فرجعوا إلى الصديق يقولون له إن الرأى رأيه، فاستمهلهم حتى ينظر لله ولدينه ولعباده.
وروى أن الصديق استقر رأيه على استخلاف «عمر»، بعد مشاورة عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان وسعيد بن زيد وأسيد بن حضير.
وسأل عليه الرضوان- عليًّا، فقال: «عمر عند ظنك به ورأيك فيه، إِنْ وليته مع أنه كان وليًا معك نحظى برأيه ونأخذ منه، فامض لما تريد، ودع مخاطبة الرجل، فإن يكن على ما ظننت إن شاء الله فله عمدت، وإن يكن ما لا تظن فإنك لم ترد إلاَّ الخير».
ويبدو أن سياسة أبى بكر كانت هى سياسة عمر من بعده، بإيثار كبار الصحابة إلى جواره بالمدينة، وعدم تفرقتهم فى الأمصار، ويروى أنه أوصى «عمر» بإتباع هذه السياسة، وقال فيما قاله له: «واعلم أنهم لن يزالوا منك خائفين ما خفت الله».
ثقافته
يرى الأستاذ العقاد أن تقدير الكلام من أصدق العلامات على ثقافة الصديق، سواء فى وزنه لكلامه أو فى وزنه لكلام غيره، وكان رضى الله عنه أعلم الناس بموضع كلام الرجل من مروءته وشرفه وكان «الإيجاز» من وصاياه إلى ولاته وعماله. قال لخالد بن الوليد: «أقلل من الكلام فإنما لك ما وعى عنك». وقال ليزيد بن أبى سفيان: «إذا وعظتهم فأوجز، فإن كثير الكلام ينسى بعضه بعضًا». وكان يقول: «إن البلاء موكل بالمنطق» ويجتنب التزيد فى المقال كما يجتنب التعرض للبلاء.
وكان رضى الله عنه أقرب الصحابة إلى النبى عليه السلام وألزمهم له فى نهاره وليله، ولكنه على هذه الملازمة لم يرو من الأحاديث النبوية إلا نيفًا ومائة وأربعين حديثًا لم يتجاوز ما أثبته البخارى ومسلم نحو سبعها. وقيل فى تعليل ذلك إنه رضى الله عنه مات قبل تدوين الأحاديث، وهو تعليل يرد عليه أن كثيرًا ممن سمعوا الأحاديث النبوية ماتوا كذلك قبل الاشتغال بتدوينها، وإنما هى قلة كلامه فيما نرى أقلت ما سمع الناس عنه فحرروه ونقلوه.
ذلك وزنه للكلام عامة فيما يقول الأستاذ العقاد- من حيث هو ملكة نفسية وجزء من الشخصية الإنسانية.
أما كلامه هو فإنه أرجح ما قيل فى موازين الكلام، سواء فى ذلك موازين البلاغة أو موازين الخلق والحكمة، وللصديق من جوامع الكلم أمثلة نادرة تدل الواحدة منها على ملكته وثراء فكره، وسداد رأيه.
ويكفيك أن ترى معدن نفسه وفكره من كلماته: «احرص على الموت توهب لك الحياة» أو قوله: «الصبر نصف الإيمان واليقين الإيمان كله» أو قوله: «إذا فاتك خير فأدركه وإن أدرك فاسبقه». أو قوله: «ليست مع العزاء مصيبة».. فهذه وما أثر عنه من أمثالها كلمات تتسم بالقصد والسداد كما تتسم بالبلاغة وحسن التعبير، وتنبئ عن معدن وثقافة مَنْ خرجت منه، هذا إلى لباقة فى الخطاب إلى جانب هذه البلاغة فى الكلام.
وكان رضى الله عنه إلى ذلك، عالمًا بأنساب قريش وأنساب كل قبيلة، ومحامد السابقين منها ومثالبهم، ولاسيما قريش ومن جاورها، وكان يقال إنه فى هذا العلم بغير نظير.
رجائى عطية
Email: [email protected]
www.ragai2009.com
عبقرية الصديق 9
الصديق والنبى وصحبه تقاطرت وتساندت الروايات على أن الصديق كان أحب الصحابة إلى النبى، وكان عليه الصلاة والسلام يقول: «ما لأحدٍ عندنا يد إلاَّ وقد كافيناه بها ما خلا أبا بكر. فإن له عندن