لقد بلغ بالمفترين على الإسلام، أن جادلوا فى وجود الخليل إبراهيم الذى أفصح القرآن عن أنه كان حنيفًا مسلمًا، حتى اضطر الأستاذ العقاد لكتابة فصول طويلة لإثبات وجوده فى الكتاب الذى وضعه عنه وتناولناه بالمجلد الثانى من المدينة، واصطنعوا إنكار مناقب عبدالمطلب جد رسول القرآن ﷺ، وادعوا اختراعها، حتى اضطر الأستاذ العقاد إلى إثارة هذه الدعوى بكتابه «مطلع النور- فى طوالع البعثة المحمدية»، إلى كثير من المفتريات التى انبرى للرد عليها وبيان كذبها وتهافتها، حتى لتراه يكرر تناول «زواج النبى» فى كتبه : عبقرية محمد، حقائق الإسلام وأباطيل خصومه، والمرأة فى القرآن الكريم، وفى مقالات أخرى متفرقة.
وطبيعى ومنطقى بل ولازم، أن يكون الأستاذ العقاد أميل فى كتاباته إلى الذود عن الإسلام، وبيان محاسنه ومحاسن شخصياته، وجماله وكماله، وجمال هذه الشخصيات وكمالها.
وبرغم هذا المحيط المتربص بالإسلام والمسلمين، وما تستدعيه تجلية الصورة الصحيحة، فإن الأستاذ العقاد لم يدار عيبًا فى شخصية، أو يحجب- أو يتجاهل- ما يحسب فى جانب السلبيات أو المثالب أو النقائص، بل نراه يعرض لما أُخذ على «خالد بن الوليد»، بل ويعرض لواقعة غير مشهورة تخص أبا بكر خاصة بأسلوب القِصَاص المستحق على «الفجاءة بن إياس بن عبدياليل» الذى غدر وغش وخان الأمانة، واستخدم السلاح المؤتمن عليه- فى محاربة وضرب المسلمين الوادعين، وعاث فى الأرض فسادًا.
ولا مراء أن ذكر هذه الوقائع وعدم حجبها أو تجاهلها، لا يسلب الكاتب حقه بل واجبه فى بيان ظروفها ووضعها فى إطارها بغير إفراط ولا تفريط. ليس من العدل، بل هو ظلم، يقع فيه من يجارى الظلم أو يسكت عن جلائه، طلبًا لسمعة العدل، فهذا كذب ورياء يتنزه عنهما ولا يحتاجهما صاحب الحق !
ورغم هذه البواعث المشتركة، فإن اختلاف وزن الشخصيات وصفاتها فى كتابات الأستاذ العقاد، دال على التعمق والتزام الموضوعية وعدم التسطيح، فهو يفرق بين العباقرة وبين الأفذاذ، وبين القدرة والعظمة، وبين عظماء الفرصة، فهو مثلا لا ينكر على «معاوية بن أبى سفيان»، قدراته ولكنه يعتبره من «عظماء الفرصة» الذين بلغوا بالحيلة ما لم يكونوا ليبلغوه بالقدرة الخالصة.ليس معنى هذا أن منهج الأستاذ العقاد عصى على النقد، فعلى الجانب الآخر آراء من يُحسب رأيهم فى أسلوب دراسة التاريخ وكتابة التراجم، ومنهم من لا يجارى تأثره بمذهب كارليل المتأثر بالنزعة الروحية فى تفسير التاريخ ، ومن يرون أن البطولة التى يمجدها مذهب كارليل ويعول عليها فى تفسير التاريخ لا تنشأ من فراغ بل هى جزء لا يتجزأ من تطور المجتمعات الإنسانية.
وجدير بالذكر أن تأثر الأستاذ العقاد بهذا المذهب، لم يكن تأثرًا على إطلاقه، أو غفلا من تأثير المجتمعات الإنسانية، ونلمس هذا واضحًا فى تراجمه، وفى عبقرية عمر على سبيل المثال، حتى إنه قال إنه لولا الدعوة المحمدية التى بعثت كوامن العظمة فى أمة العرب لما كنا نسمع باسم عمر. ربما كان خليقًا بأن يستوى فى مقام الزعامة بين بنى عدىّ آله المقربين، أو بين قريش قبيلته الكبرى، ولكنه لم يكن ليبلغ ما بلغه فى إطار الدعوة المحمدية، حتى قال بصريح العبارة : «فعمر بن الخطاب الذى عرفه تاريخ العالم وليد الدعوة المحمدية دون سواها، بها عُرف وبغيرها لم يكن ليُعرف فى غير الحجاز أو الجزيرة العربية».
وقد رأيناه يرد على بعض كتاب الغرب الذين أخطأوا المقارنة بين عمر بن الخطاب، وبولس- أنه قد فاتهم انعدام أساس المقارنة، حالة كون «بولس» لم يلتق السيد المسيح قط، ولم يأخذ عنه، بينما كان «عمر» غرس النبوة المحمدية التى عاش سنوات فى رحابها وشرب منها وتأثر بها.
ففى مقال للأستاذ العقاد عن «خطأ المقارنين» نُشر بمجموعة ما يقال عن الإسلام، تصدى لدراسة الأستاذ Saunders أستاذ التاريخ بجامعة كونتربرى، نشرتها مجلة «التاريخ اليوم» تحت عنوان«الخليفة عمر المستعمر العربى»، فكشف ما وقع فيه من أخطاء فادحة تدل على جهله بما انتدب للكتابة فيه، ومن هذه الأخطاء مقارنته فى مجال الأثر فى كل من المسيحية والإسلام- بين بولس وعمر بن الخطاب، دون أن يتفطن إلى انعدام أساس المقارنة أصلا، ذلك أن «بولس» كان فى مبدأ سيرته من أشد أعداء المسيحية، ثم هو لم يقابل المسيح قط، ولم يتلق منه، ولم يلتحق بالمسيحية إلاَّ لاحقًا بعد رفع السيد المسيح بزمن. بينما كان «عمر بن الخطاب» غرس النبوة المحمدية التى لحق بها، وأسلم على يد النبى عليه الصلاة والسلام، وصاحَبَه وتلقى عنه فى كل من مكة قبل الهجرة، ثم فى المدينة المنورة إلى أن لاقى عليه الصلاة والسلام ربه سنة 11 هـ، وامتدت من ثم هذه الصحبة قرابة خمس عشرة سنة.
وفات المقارن أيضًا أن النبى عليه الصلاة والسلام كان يدعو للإسلام العرب وغير العرب، ويخاطب بنى إسرائيل أنفسهم برسالته كما خاطب بها المهاجرين والأنصار والعالم كله، حيث تتجه رسالته بنصوص القرآن إلى العالمين شاملة الناس كافة.
أما «بولس» الداخل فى المسيحية بعد سنوات من رفع السيد المسيح، فإنه لم يخاطب الأميين إلاَّ بعد أن يئس من استجابة بنى إسرائيل، والذين أعنتوا من قبله السيد المسيح نفسه عليه السلام الذى كان قد قال إنه بُعث «لهداية خراف بنى إسرائيل الضالة». وعلى ذلك فلم يكن فى وسع «بولس» أن يدعو اليونان أو الرومان إلى المسيحية، لأن السيد المسيح قد بُعث لخلاص بنى إسرائيل منهم، وأنه لا يحق للأمم الأخرى أن تطمع فى «الخلاص» بهذه الرسالة.
هذا بينما لم تكن خطة الخليفة عمر، ولا الصدّيق الخليفة الأول، إلاَّ نشر الدعوة كما تلقياها من محمد عليه الصلاة والسلام، المبعوث هداية ورحمة للعالمين، وإلى الناس كافة.
ولذلك كانت المقابلة أو المقارنة فى معرض التأثير فى كل من المسيحية والإسلام، بين كل من بولس وعمر بن الخطاب، قائمة على جهل وجهالة، فضلا عن دخول الأغراض التى تجاهلت فيما تجاهلته أن الإسلام دخل فلسطين كما دخل غيرها على سنة الهداية إلى رب العالمين.
رجائى عطية
Email: [email protected]
www.ragai2009.com
فى مدينة العـقاد (412) متون التراجم (2)
لقد بلغ بالمفترين على الإسلام، أن جادلوا فى وجود الخليل إبراهيم الذى أفصح القرآن عن أنه كان حنيفًا مسلمًا، حتى اضطر الأستاذ العقاد لكتابة فصول طويلة لإثبات وجوده فى الكتاب الذى وضعه عنه وتناو