وباستعراض ما تضمنه الكتاب من مقالات، يبين أن بعضها قد تجاوزه الزمن، لا من ناحية أهمية موضوعاته، وإنما من ناحية ما كان سائدًا وقت كتابتها فى أول ستينيات القرن الماضى، أم من ناحية الإحصائيات التى كانت متوفرة آنذاك، ثم تغير بعض أوضاعه، أو توفرت إحصائيات أكثر جدّة ودقة، مما يوجب الإفساح لغيرها من الموضوعات التى لم يرد على أوضاعها أو إحصائياتها تغيير.
الإسلام والعصر الحديث.
هذا العنوان لكتابٍ وضعته مؤلفة ألمانية هى السيدة اليس ليختنستادتر Ilse Lictenstadter .. درست العلوم العربية الإسلامية فى فرانكفورت ثم فى جامعة لندن، وأقامت زهاء ثلاثين سنة بين بلاد الشرقين الأدنى والأوسط، وزارت إيران وباكستان، وعنيت عناية خاصة بالمقابلة بين مذاهب السنة ومذاهب الشيعة.
ويقر الأستاذ العقاد بأنها اجتهدت غاية اجتهادها فى تحقيق مسائل البحث فى هذا الكتاب: «الإسلام والعصر الحديث»، ولكنها كغيرها من مؤلفى الغرب قد تفهم أكثر هذه الشئون بما تحدثه من الصدى أو اللغط فى دوائر المستشرقين، وقلما تفهم حركات التجديد بفهمها للحقائق التى تدور عليها أو بحقيقة الرأى عند أصحاب الدعوة.
ويظهر فيما يبدو للأستاذ العقاد أن معرفتها بأواسط آسيا أَوْفَى من معرفتها بغيرها من بلاد العالم الإسلامى، وأنها لم تعول على المصادر العربية كتعويلها على مصادر اللغات الأوروبية، وأنها فيما يبدو قد استعانت بمن يعرفها بالمصادر العربية أو ينقلها إليها.
ويذكر الأستاذ العقاد لها إقرارها بأن المصلحين المجددين من أئمة رحبوا بالعلم الحديث وانبروا لإثبات الموافقة بينه وبين حقائق القرآن الكونية وشرائعه الاجتماعية، وأوردت أن المسلمين أرادوا أكثر من مجرد النهضة السياسية، وذكرت منهم محمد عبده والأفغانى وما أصدراه باسم «العروة الوثقى» إبان إقامتهما منفيين فى باريس، واستطردت فى شرح دعوة الأستاذ الإمام، وحلا لها كغيرها أن تقرن بين يقظة المسلمين للإصلاح وبين أثر الحضارة الغربية، ولكنها لم تتعمق فى تعدد الزوجات وأخذته بظاهره مبدية أنه فيما عدا البلاد التركية فإن النظم الإسلامية للأحوال الشخصية تعتبر التعدد عملاً مشروعًا.
وذكر الأستاذ العقاد أنها أحسنت النظر فى معنى «الجهاد» فى الإسلام، ثُم أبدت أن العداوة المسيحية هى التى جسمت الحرب المقدسة فى إخضاع البلاد التى لا تدين بالإسلام للسيطرة الإسلامية، وأضافت أن تاريخ الحكم الإسلامى يدحض ظنون الغربيين أن الإسلام لا يصلح لإقامة دولة تساس فيها الأمور على قواعد المصلحة الاجتماعية.
وفى الفصل الأخير من الكتاب، حاولت المؤلفة لملمة أطراف الحديث لتضع العالم الإسلامى والعالم الغربى وجهًا لوجه فى موقف المقابلة والحاجة إلى الفهم المتبادل والمعاونة الإنسانية، وهى وإن ذكرت ما يبديه بعض الغربيين من أن المسلم فى محاولته لمجاراة العصر يغمض عينيه عن بعض المتناقضات، إلاَّ أنها أبدت صعوبة الموقف من وجهة النظر الإسلامية بسبب سوء الظن بمقاصد الغرب وقلة الثقة بالحضارة الغربية.
الإسلام والثقافة الأفريقية
اعتبر الأستاذ العقاد من تصانيف العصر النافعة، كتبًا مخصصة لتسجيل مظاهر الثقافة بالأرقام والخرائط مع بعض التعليقات التوضيحية للرسوم والإحصاءات.
والقارة الأفريقية فيما لاحظ هى أوفر القارات الخمس حظًّا من هذه التصانيف، ولا يخفى على القارئ لها من النظرة العاجلة مبلغ الاهتمام بالإسلام ومصيره فى القارة.
ويعرض الأستاذ العقاد لبعض هذه الملاحظات، ولكنه يتوقف عند أنه يفهم من بعض الإحصاءات أن الإسلام سريع الانتشار بالقارة، ولكن العلم به «سطحى» فيما يقولون بين قبائل القارة الأصلاء، وهنا يتتبع مداخل وبقايا آثار العرب المسلمين فى الأبنية وفى صناعة المعادن وكشف المناجم، وتأثير فن العمارة العربية فى شمال القارة، وما أقر به المؤلفون فى تتبعهم لأثر العرب وأثر الأوروبيين والأمريكيين فى الفنون الأفريقية من أن سريان الذوق الفنى العربى لم يهدد كيان الفنون الوطنية بالزوال، وكيف أن الموسيقى هى إحدى الفنون الجميلة التى انتفعت بدخول المسلمين إلى القارة، وكيف عُرِف أثر الموسيقى العربية وتكرر الاعتراف به.
ويشير الأستاذ العقاد إلى فعل التبشير المسيحى فى تغيير الثقافة، ويفسر أسباب نجاحه حيث نحج بخطط مرتبة لتنظيم المدارس والإشراف عليها، ويختم مقاله بما بين يديه من بريد الغرب الوارد بالصحف والمجلات، التى يقرأ فيها فى باب الدين عنوانًا يقول: «الغزو لصيد الأرواح»، وهى حملات صيد تخرج إلى الغابات والقفار بعدتها الكاملة لصيد الفيلة والسباع، ولكن الغزوة المعلن عنها بقيادة الواعظ الانجيلى المشهور «بيلى جراهام»، وغايتها الطواف بالقارة والنزول بست عشرة مدينة للالتقاء بالجموع، مصطحبًا فى ركابه مترجمين من الوطنيين والأجانب يتكلمون لغة القبائل لينقلوا إليهم ما يقوله الواعظ الانجيلى من خطب ومواعظ ضمن سياسة التبشير.
وينبه الأستاذ العقاد إلى أن هذه الغزوة ستعقبها غزوات على منوالها سنة 1960، ليس فى الوسع أن يُلام مبشروها على اجتهادهم فى تحقيق مقاصدهم، وإنما هو يستنفر المسلمين أن يقوموا بما عليهم فى هذا المجال، وأن يحفظوا القارة من الواغلين عليها، وأن يقوموا بما عليهم من فتح الضمائر والأفكار.
وعبر نحو خمسة عشر عامًا من عضويتى شخصيًا بمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، رأيت من القضايا التى تعرض الأستاذ العقاد عن شئون القارة ومسارات التبشير فيها، ومحاصرة الإسلام والمسلمين، ما يشهد بأنه كان سباقًا إلى إثارة ما يغفل الكثيرون عنه.
(يتبع)
رجائى عطية
Email: [email protected]
www.ragai2009.com
فى مدينة العـقاد (369) ما يقال عن الإسلام (2)
وباستعراض ما تضمنه الكتاب من مقالات، يبين أن بعضها قد تجاوزه الزمن، لا من ناحية أهمية موضوعاته، وإنما من ناحية ما كان سائدًا وقت كتابتها فى أول ستينيات القرن الماضى، أم من ناحية الإحصائيات ال