نعم، من المتفق عليه أن لا حرب فى الشرق الأوسط دون مصر.. ولا سلام لها من غير سوريا، ليس على إطلاقه بطبيعة الحال، إذ جانب مصر الصواب حيث اعتبرت حرب 1973 هى آخر الحروب.. وحين ألقت بـ %99 من أوراق «اللعبة» بيد الولايات المتحدة دون مبالاة بقدرة الـ %1 تغيير قواعد اللعبة أو إرباكها - بأقله - كما جانب الصواب سوريا، حيث راهنت على الشطر الآخر من المقولة بما هو أطول من ذراعها.. وفى إطار سياسة الاتحاد السوفيتى الذى أصبح أثراً بعد عين منذ التسعينيات، وإذ بالشريكين الاستراتيجيين العربيين يعودان بعد ملحمتهما فى 1973 بخفى حنين.. حيث تعرضت دولتاهما القوميتان للتصدع اعتباراً من العام 2011.. لا تزال توابعه سارية - مع الفارق - إلى اليوم.. حيث عجزت مصر أن تصنع سلاماً دون سوريا، كما عجزت الأخيرة بدورها عن خوض حروب ناجحة بغير مصر، كلاهما خاسر لعدم توازى خطواتهما عبر نحو نصف قرن ينقص قليلاً.. اجتمع خلاله اللئام حول مائدتيهما صخباً وتدميراً.
فى يوليو 2013، ظهر على الساحة.. النظام المصرى الجديد «القديم».. المتوجس من علاقاته المتوترة مع واشنطن بالنسبة لموقفيهما المتضارب من الحركات المسلحة.. التى يتأرجح موقف الغرب منها، اعتماداً على ماهية تلك التنظيمات.. وما إذا كان يمكن الاستفادة منها، ولأى مدى، سواء فى مصر أو سوريا أو ليبيا أو العراق.. إلخ، ما أدى بالضرورة إلى تقارب مصرى مع روسيا على غرار مشابه لعلاقتيهما فى الخمسينيات، وسرعان ما تدخلت موسكو فى 30 سبتمبر 2015 عسكرياً وبقوة فى الملف السورى.. وعلى ساحة الشرق الأوسط.. بموازة تعاونها مع إسرائيل التى تبتعد لأسبابها البرجماتية المؤقتة، عن حليفها الأمريكى القديم، ذلك فيما تقترب إيران من الغرب، لأسبابهما، وليتشكل ربما مثلث من روسيا ومصر وإسرائيل بالنسبة للملف السورى، الأمر الذى لم يكن يتوقعه كثيرون لولا التحولات الكبرى الجارية فى المنطقة، خاصة من بعد ظهور الميليشيات.. والقوى دون الدولة، كما تسمى sub-state actors، حيث وجدت تلك الترويكا المستحدثة أن مصالحها - كل لأسبابه - فى التأكيد على سيادة «الدولة القومية».. وفى محاربة كافة الأطراف التى تعمل على تقسيمها.. وهو موقف واضح برفض الفوضى.. وبالتالى معاداة «الربيع العربى» بشكل أو آخر، وحيث تفرض «دبلوماسية الحرب» أحياناً.. قبول إطار من التعايش عبر سلام ليس غير بارد بين أطراف تختلف عن بعضها بالنسبة لنواياها المحتملة بعيدة المدى.
إلى ذلك، ومع مرور عام على اقتحام روسيا ساحة الشرق الأوسط.. تعلن موسكو أن تدخلها العسكرى فى سوريا «مفتوح»، رداً على تجميد واشنطن التعاون الدبلوماسى بينهما.. وحيث حذرت الخارجية الروسية أول أمس على لسان المتحدث الرسمى باسمها من تدخل واشنطن المباشر ضد النظام السورى.. كونه يؤدى إلى «تحولات مرعبة فى الشرق الأوسط»، ما تبدو موسكو بازائه وكأنها المايسترو لأوركسترا نشاز يضم مختلف الفرقاء الاقليميين والدوليين على مسرح العمليات السورى، وحيث لا تملك أميركا بعد انسحابها الدبلوماسى أى خطة عسكرية بديلة، ملقية بالفرقاء بما فيهم روسيا إلى المستنقع السورى يستنزف بعضهم بعضا.. فيما هى تكتفى بالتفرج من مقعدها عبر «القيادة من الخلف» لوكلائها المحليين.. الذين يبدون بدورهم وكأنهم على وشك التخلى لأسبابهم، عن واشنطن - سواء بالنسبة لتركيا أو السعودية وغيرهما ممن يتقاربون حثيثاً بالتنسيق مع روسيا بشكل أو آخر كل لأسبابه، ذلك فى الوقت الذى من المستعبد فيه حدوث تعديلات جوهرية للعلاقات المتميزة بين موسكو وطهران، أما على المستوى الدولى.. فتقف الصين إلى جانب روسيا - بأقله أممياً - منذ تفاقم توابع فوضى «الربيع العربى».. ما بين الزمن العربى والتحولات العالمية.