«الدولة الوطنية» العربية.. بين الانقسام والاندثار

تمثل الحالة الليبية- والمعركة الدائرة الآن فى مدينة سرت- التجسيد الأكثر مأساوية لما آلت إليه من فوضى غير دولة عربية- باستثناء ما قد يستجد احتمالًا-لو دامت الديكتاتورية- كما كانت- على رأس تلك


تمثل الحالة الليبية- والمعركة الدائرة الآن فى مدينة سرت- التجسيد الأكثر مأساوية لما آلت إليه من فوضى غير دولة عربية- باستثناء ما قد يستجد احتمالًا-لو دامت الديكتاتورية- كما كانت- على رأس تلك الأنظمة.. ما بين الانزلاق إلى مخاطر التفكك والتقسيم، أو أن يؤدى بها القتال الأهلى إلى حدّ الانسحاق.

إلى ذلك، وفيما يجرى إنقاذ تدفقات بشرية من المهاجرين العرب قبالة سواحل ليبيا من البحر المتوسط، وفيما تقوم السلطات الليبية بشحن آخر مخزونها من الأسلحة الكيماوية إلى الخارج (بناء على رضوخ ديكتاتورها السابق فى ديسمبر 2003)، فإن معارك ضارية تدور منذ صباح أمس الأول 8/29 لاستعادة قوات حكومة «الوفاق».. المدينة الساحلية سرت (450 كم شرق العاصمة طرابلس) من أيادى تنظيم «داعش» الذى يسيطر عليها منذ منتصف 2015، دون أن تتحول بالأنظار عن التفاعلات الداخلية الليبية الأخرى، إلا أنها قد تمثل بداية الجهود لمواجهة التحالفات الميليشاوية الأخرى، غير المنفصلة عن «داعش» تمامًا، وقد تعزز أيضًا من ثقل حكومة «الوفاق» التى تحظى بدعم دولى، ناهيك عن إمكان بناء جيش وطنى تابع للدولة قد يكون قادرًا عندئذ على استباق الجدل حول الشرعية السياسية بين الفرقاء الليبيين من خلال التأكيد على شرعية الحرب ضد التنظيمات الإرهابية، مبتدئًا من ثم عهدًا جديدًا مع الليبيين على طريق الخلاص من السطو على أحلام الثورة.. إلى جمع شتاتها الذى يهدد بتقسيم البلاد منذ مقتل «القذافى» أكتوبر 2011، ولأسباب قبلية ونزعات جغرافية- لا سبيل لتخطى سلبياتها دون البعد الوحدوى لجيش وطنى وحكومة شرعية، وهو هدف ليس غير بعيد المنال فى ظل تدخلات إقليمية ودولية ذات أهداف خاصة.

فى سياق مفصلية المعركة حول سرت (كما الحال بالنسبة لمدن حلب السورية والموصل العراقية وفى اليمن) فى كرّ وفرّ بين جانبيها المتقاتلين بشأنها، تتساقط الضحايا بالمئات، آخرها فى منطقة تبلغ مساحتها كيلومترين مربعين تعتبر المعقل الأخير لداعش فى «سرت» بعد مواجهات دامت منذ 12 مايو الماضى، وفيما تستبسل قوات داعش من خلال هجمات انتحارية للحيلولة دون الهزيمة الكاملة، ليست منفصلة عن محاولاتها لاغتيال رئيس حكومة الوفاق فى مقر رئاسته فى طرابلس، ذلك فى الوقت الذى يعيش فيه قرابة 2.4 مليون شخص، بحسب الأمم المتحدة، مآسى إنسانية، يمر بها الشعب الليبى فى فترة هى الأصعب معيشيًا من كل الفترات السابقة منذ ثورة فبراير 2011.

إذا تأكدت التصريحات الحكومية بصدد انتزاع قواتها السيطرة على «سرت» بغطاء جوى أميركى وأوروبى- إلا أن أهل «سرت»، مسقط رأس القذافى- لا يتحمسون كثيراً للمعارك الدائرة فى مدينتهم.. ولم يصفقوا لـ«انتصارات سلطات طرابلس التى تدور الشكوك من جانب آخر حول رءوسها، وعما إذا كانت هى نفسها إلى وقت قريب.. كانت تقود مليشيات تابعة لتنظيم «المقاتلة».. وهو الفرع الليبى لتنظيم «القاعدة»، وكأن الليبيين يستبدلون بذلك الرمضاء بالنار، الأمر الذى يتكرر بشكل أو آخر فى بنغازى شرقًا.. إلخ، أى أن تغيير المعادلة الليبية لا يزال فى أيدى المليشيات، ما ينعكس فى أحد جوانبه على الموقف الرافض للبرلمان الشرعى.. منح الثقة لـ«حكومة الوفاق».. المفروضة من الأمم المتحدة.

إلى ذلك، تبدو ليبيا- كما فى سوريا والعراق واليمن وما قد يستجد من دول عربية أخرى يحتمل أن تلقى نفس المصير- متأرجحة بين التقسيم من عدمه، ما يدعو إلى استمرار القتال إلى ما لا نهاية لغير صالح الدولة الوطنية، أى أنها بداخل شقى الرحى ما بين «الكارثة» و«الاندثار»، فيا يتقلص الطموح العربى باطراد.. من تحقيق الوحدة إلى مجرد الحفاظ على الدولة الوطنية.