الإنسان فى القرآن الكريم (9).. مستقبل الإنسان فى علوم الأحياء

الإنسان فى القرآن الكريم (9).. مستقبل الإنسان فى علوم الأحياء


أشار الأستاذ العقاد إلى حذر العلم الطبيعى فى تقرير مذاهبه وأحكامه، وأنه يحرص إذا ثبت لديه جديد لم يثبت كل الثبوت، ورأى من أمانة العلم عدم كتمانه، أن يقدمه على أنه ظن مرجح، وقابل للدفع والتوضيح، وكذلك فعل دارون عند إعلانه نظريته فى تحول الأنواع.
وحذر العلم الطبيعى فى الحكم على المستقبل أكثر وأقرب إلى التردد.
ومن بين علماء العصر ممن يحق له أن يعلن رأيًا جازمًا عن مستقبل التكوين الإنسانى كما يتمثله علم الحياة : هو فيما يقول الأستاذ العقاد : البيولوجى الكبير الأستاذ «مداوار Madawar» الحاصل على جائزة نوبل للعلم الطبيعى سنة 1960، وصاحب بحوث عالية فى تهيئة جسم الإنسان لقبول الأجسام الغريبة التى ترفضها أو تنفر منها خلاياه، وتبين له من تجارب يضيق بها الحصر أن الفرد الإنسانى وحده لا يتكرر فى مكونات بدنه، وأن كل تقسيم للحكم على بنيته قابل للخطأ، وبلغ من تحرجه أنه حين دُعى لإلقاء محاضرات سنة 1959 عن مستقبل الإنسان، اعتذر بأنه ما كان يجرأ على اختيار هذا العنوان لولا أنه مقترح عليه، وحرص على إبداء أنه لم ينفرد بالرأى فى مسألة من مسائل البحث المقترح، ولم يعلن رأيًا واحدًا قبل أن يراجع فى موضوعه زملاءه والثقات فى هذا الموضوع على التخصيص.
ومضى الأستاذ العقاد فى استطراد ظنى أنه تدق متابعته إلاَّ على المتخصصين، وأشار بعد هذه الجولة الوافية إلى أنه إذا كان بالوسع تهذيب الطبيعة، إلاَّ أن ذلك مرهون بمقدار ما نملك من وسائل الغوص فى أسرارها وخفاياها، والمثابرة على زيادة محصولنا من العلم بما يجرى فيها، وأن ما عرضه لا يعدو أن يكون خلاصة مقتبسة من كلام هذا العالم البيولوجى الكبير اقتباسًا تَحَرَّى فيه تصوير معناه وإن لم يلتزم حروف نصوصه.
ويضيف الأستاذ العقاد أنه قبل «مداوار» بخمس عشرة سنة، عند نهاية الحرب العظمى، تقدم للإجابة على السؤال عن مستقبل الإنسان عالم بيولوجى من المؤمنين بالنشوء والتطور، يضارع مكانة وشهرة «مداوار»، فكتب سلسلة من البحوث الحديثة عن القدر الإنسانىHuman Destiny، ولكن على منهج مختلف عن منهج زميله، افترض فيه الغاية المرسومة للتطور، ورد مقاصده جميعًا إلى عناية إلهية تتلخص حكمتها الهادية فى أنها « تريد » ولكنها تعلّم الخلائق أن تريد لنفسها، وأن تترقى هى بالإرادة على حسب جهودها.
هذا هو العالم البيولوجى الجليل «ليكونت دى نوى Du Nouy» الذى قال فى كتابه «القدر الإنسانى» إن استمرار النشوء والقول بالمصادفة مفارقة لا تعقل. وعنده أن نظرية « لامارك» عن التوفيق بين البنية والبيئة، ونظرية «دارون» عن الانتخاب الطبيعى، ونظرية التحول الفجائى فى رأى «نودين دى فرى Nudin De vries» كلها صالحة للمساهمة فى تفسير عوامل النشوء والتطور، وليختم بحوثه قائلاً فيما حرص الأستاذ العقاد على ترجمة نصه: «إن بعضهم قد يرى أننا لا نزال على مسافة بعيدة من اليوم الذى يصبح فيه الإنسان وقد تطور التطور الذى يجعله أهلاً لأن يشعر بضميره، وألاَّ يكون كل حقه فى المعاملة أن يُعامَل كما يُعامَل الطفل القاصر، وربما صح هذا ولكنه إذا صح كان خليقًا أن يصبح سببًا للاتجاه بجهوده إلى تلك الغاية. وأن الإنسان المتطور قد بلغ حالة من نمو الضمير تيسر له أن يُوَسع أفق النظر وأن يلمح الدور العظيم الذى يضطلع به فى إنجاز غايات التطور، فليس الإنسان كذلك الحيوان الأعمى الذى يعمل فى أعماق البحر ولا يدرى أنه يبنى بعمله جزيرة مرجانية سوف تعمر بالكائنات التى أصلح منه وأعلا، لأن الإنسان يعمل وهو يعلم أنه رائد للسلالة المقبلة التى ستكون على وجه من الوجوه وليدة سعيه وجهده.. وعلى كل إنسان أن يذكر أن القانون قد كان، وسيبقى كما كان، أن يناضل، وأن النضال لم يهدأ لأنه تحول من الميدان المادى إلى ميدان الروح. وعليه ألاَّ ينسى كرامته باعتباره كائنًا آدميا، وينبغى أن تصدر من جهاده فى تحرير نفسه، وأن ينقاد فى ذلك الجهاد لأعمق البواعث من قرارة وجدانه، ولا ينسى أبدًا أن الشرارة الإلهية كامنة فى تلك القرارة، فى قرارته دون غيره، وأنه هو حُر قادر على أن يهملها وأن يقتلها قدرته على أن يقترب من الله وأن يعرب عن غيرته على العمل مع الله والعمل فى سبيل الله».
* * *
ويورد الأستاذ العقاد أن تطور الإنسان عند غير البيولجيين، قد آل إلى تطور الإنسان الصانع وقيام الصناعات الكبرى مقام الصناعات الصغيرة، فجعلت الإنسان سيد الخليقة حين جعلته قادرًا على العمل بيديه واختراع الآلة لإنجاز عمله.
ولعل أقرب تعبير إلى الفهم عن هذا الرأى، هو فيما يقول العقاد تعبير الأستاذ «رسل هاريسون» فى كتابه: «ماذا يكون الإنسان»، بأن الإنسان قد ترك لغة البلبلة العلمية بين الفروض الصريحة والمبهمة والمقابلات والمعارضات إلى وضع أمل التطور حيث ينبغى أن يوضع، وذلك هو موضعه فى «الشخصية الإنسانية».
فلا مستقبل فيما يرى الأستاذ العقاد إن لم يكن مستقبلاً لشخصيته الكاملة، ولا تطور لهذه الشخصية إن لم تكن شخصية «ذات جوانب»، وهى جوانب غير خالية من النقص والخلل.
فالشخصية الإنسانية عاطفة، وعقل، وضمير، وليست مجرد بدن وأعضاء ووظائف وخلايا وأعصاب. ومعنى تطور الإنسان فى الذهن أن تتم له هذه الشخصية بعد ما نبتت له بذورها مع أطواره الماضية، ولا يوجد فى الواقع ما يمنع «الشخصية الإنسانية» أن تتحقق كما تحققت فى الذهن.
وبذلك ينهى الأستاذ العقاد جولته، ليعود إلى البدء، لينهى كتابه عن الإنسان فى القرآن الكريم بخاتمة يضع فيها حصاد رحلته.
Email: [email protected]
www.ragai2009.com